رؤى

الثقافة المصرية 2021.. الحضارة المصرية القديمة تواصل إبهار العالم (1-3)

أيام قليلة ويحتفل العالم بشروق شمس عام جديد، ومع كل لحظة تمضى وأخرى تجيء؛ نتمسك بالأمل  في القادم ونتحصن بالتفاؤل، عسى أن يكون القادم أفضل .

ويلملم عام 2021، أوراقه تاركا في القلوب حزنا مقيما، وقلقا متواصلا بعد أن سيطرت أنباء وآثار الوباء اللعين، على كل تفاصيل الحياة البشرية منذ أن زارها “كوڤيد 19″ ليحوّل الكرة الأرضية إلى ساحة للمعركة من أجل الحياة ضد الفيروس بكل تحويراته وتداعياته.

كانت الثقافة العربية في مرمى نيران الوباء، كما تأثرت الفنون بشدة جرَّاء الإجراءات الاحترازية التي صاحبت انتشاره ومخاطره. 

حصد “كوڤيد 19” أروح الملايين وتسبب في مشكلات مزمنة، لملايين آخرين واستطاع أن يغير من سلوكنا وتفاصيل حياتنا وأجبرنا على التباعد، وقتل لدى الكثيرين قدرتهم على التعبير عن مشاعرهم تجاه الآخرين.. غيَّمت وجوهنا الأقنعة الواقية، وصرنا يخشى بعضنا بعضا وسيطر القلق على كل شيء ومن كل شيء. 

ما صنعه “كوڤيد 19” في حياتنا لم تستطع أن تصنعه القنبلة النووية أو الحروب العالمية؛ فرغم الآثار العميقة للحروب العسكرية إلا أنَّ الحرب مع الوباء كانت مختلفة وعنيفة وتصيب الوجدان قبل أن تصيب الأبدان. 

يقترب 2021، من الرحيل بعد أن حوَّلنا جميعا لكائنات “كرتونية” بفضل سياسات التباعد والإغلاق الجزئي أو الكامل الذى فرضته ظروف الجائحة.

صِرنا خلال هذا العام أقل حميمية، وأكثر توترا وعصبية، وتأثَّر الاقتصاد العالمي بشكل كبير، وتوقع خبراء الاقتصاد أن تتزايد آثار الوباء على حياة البشر، لعدة سنوات قادمة قد تكون الأصعب على البشرية خلال النصف الأخير من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين. 

يلملم العام أوراقه وقد أصاب العالم قدرٌ كبيرٌ من الهلع والقلق، سيظل يصاحبنا ونصاحبه في العام القادم، رغم الانفتاح الجزئي واللقاحات الواقية والتطور العلمي في تشخيص المرض والجهود الحثيثة للتوصُّل لعلاج، إلا أنَّ كل هذا ما يزال محل بحثٍ وتجريبٍ.

لم تمر تلك الأجواء دون أن تُلقى بظلالها على الحالة الثقافية المصرية.. وبشكل خاص الفنون “السينما والمسرح والأغنية” والتي ضاعفت الجائحة من جراحها المتزايدة خلال السنوات الأخيرة.

وفى تلك الإطلالات سوف نلقى الضوء على أهم المحطات التي شهدتها الثقافة المصرية خلال العام، وسنتناول بقدر من التحليل واقع السينما والمسرح والموسيقى بالإضافة إلى أهم القضايا الثقافية التي شهدتها مصر خلال العام.

المومياوات.. درة العام

“أنا مصر اللي من غيري ميزان الدنيا دي يختل”. كان هذا مقطع من أغنيةٍ كتبها الشاعر “أمير طعيمه” وتغنَّى بها “محمد منير” في الحدث الثقافي الأهم خلال العام المنصرف.

فقد كان شهر أبريل من عام 2021، على موعد مع حدث عظيم لفت أنظار العالم إلى القاهرة بقوة، حيث تم تنظيم احتفال أسطوري، لنقل المومياوات المصرية القديمة إلى المتحف الكبير بالهرم.

استطاعت مصر أن تبهر العالم، وتعلقت أنظار سكان الكرة الأرضية بحدث استثنائي، استمرَّ حوالى (40) دقيقة فقط؛ لكنَّه عبَّر عن حضارة تضرب بجذورها في عمق الزمن وعَلّمَت العالم وما تزال أسرارها عصية على التفسير.

جاء الحدث الذى اختارت من خلاله مصر أن تبعث برسالة للعالم أنَّنا حاضرون بحساب التاريخ وتفاصيل الحاضر.

جاء هذا الحدث ليكون تعبيرا عن إرادة تهدف لاستعادة المكون الفرعوني في الهوية الرسمية للدولة المصرية، ذلك المكون الذى ظل حاضرا طوال الوقت بنسب متفاوتة، لكنَّه غاب عن عمد في العقد الأخير، وخاض خصوم الحضارة المصرية وأعداؤها حربا شرسة لاستبعاد هذا الطيف الحضاري الهام.. تحت دعاوى دينية مغلوطة أحيانا وأحيانا أخرى  بتصوير الحضارة المصرية القديمة؛ نموذجا للاستبداد في الحكم، وبالتالي يخشى هؤلاء من استهام تلك التجربة واعتبارها قد تستخدم كمرجعية لهواة القمع السياسي.

خاض كل تلك الأطراف المعادية لصدارة المشهد الفرعوني، حملاتِ تشويةٍ تمثُّل في مجملها حالة كاشفة لواقعنا الثقافي والحضاري المعاصر، وتفضح كل ادعاءات التعاطي المزيف من جانب البعض مع الهوية المصرية ومكوناتها. 

لكن هؤلاء لم يشغلوا الرأي العام المصري كثيرا.. إذ عبَّر المصريون عن فخرهم وسعادتهم البالغة بالمشهد المبهر، الذى ظهرت به مصر أمام العالم، وهى تتزين بحضارتها القديمة الخالدة وبتراثها وآثارها وسحرها. 

وتضمَّن الموكب نقل (22) مومياء ملكية، من المتحف المصري الواقع بميدان التحرير وسط القاهرة، إلى موقعها الجديد بالمتحف القومي للحضارة المصرية بالفسطاط شرق القاهرة. 

وتعود المومياوات إلى عصور الأسر من السابعة عشرة إلى العشرين، ومن بينها مومياوات الملوك “رمسيس” الثاني و”سقنن رع” و”تحتمس” الثالث و”سيتي” الأول و”رمسيس” التاسع، و”رمسيس” السادس، و”رمسيس” الخامس، و”تحتمس” الثالث، والملكة “حتشبسوت” والملكة “ميرت آمون” زوجة الملك “أمنحتب” الأول، والملكة  “نفرتاري” زوجة الملك “أحمس” الأول.

سارت المومياوات لمسافة سبعة كيلومترات، وطبقا للترتيب الزمني لعهود الملوك والملكات كما سبق، وقاد الملك “سقنن رع” من الأسرة المصرية السابعة عشرة موكب الملوك، وكان في مؤخرة الموكب الملك “رمسيس” التاسع من الأسرة المصرية العشرين. وقد تمَّ حمل المومياوات على عربات مزينة برسومات ونقوش فرعونية ومجهزة. 

وحملت كل عربة اسم الملك الموجود فيها بالعربية والإنجليزية والهيروغليفية المصرية. وسط حراسة أمنية مشددة، غادر الموكب متحفا عمره قرن من الزمان، مصحوبا بإضافات بالزي الفرعوني، وعربات تجرها الخيول (العجلات الحربية الفرعونية).

وتحت قرع طبول فرقة نحاسية، وعلى خلفية موسيقى سيمفونية. وصلت العربات الفرعونية إلى المتحف الجديد قرب الساعة الثامنة والنصف مساءً، وأطلقت المدفعية إحدى وعشرين طلقة.

طريق الكباش.. إبهار جديد 

وفى نوفمبر الماضي كان العالم يترقب أحد أكبر الأحداث الأثرية في القرن الحادي والعشرين حيث شهدت مصر افتتاح طريق الكباش بمدينة الأقصر.

وهو طريق يربط بين معبد الكرنك ومعبد الأقصر، ويزيد عمره على 3500 عام، ويبلغ طوله2.7 ميل، وعرضه حوالي (250) قدما، ويتكون من رصيف حجري في المنتصف بطول الطريق ويصطفُّ على جانبيه قرابة (1300) تمثال تتخذ شكل كبش كامل، ورأس كبش على جسم أسد، ورأس إنسان على جسم أسد. 

 وقد تمَّ اكتشافه في مدينة طيبة القديمة، حيث تصطفُّ تماثيل أبي الهول وتماثيل برأس كبش على الجانبين، واستمرت أعمال الترميم، أكثر من (70 )عام وتمَّ العثور على أول أثر للطريق في عام 1949، عندما اكتشف عالم الآثار المصري “زكريا غنيم” ثمانية تماثيل بالقرب من معبد الأقصر، مع اكتشاف (17) تمثالًا آخر من 1958، إلى 1961، و(55) تم اكتشافها من 1961 إلى 1964 – كل ذلك في محيط (250) مترا.

وفى الفترة من عام 1984 إلى عام 2000، تم تحديد مسار الممشى بالكامل.

وقد بدأ مشروع تطوير طريق الكباش في 2007، وتوقَّف في 2011، ثم استؤنف العمل في 2017 حتى عام 2021.

وكان الافتتاح مهيبا مبهرا، أعاد للأذهان روعة حدث المومياوات، وأثبت قدرة مصر على صناعة حدث عظيم، إذا توافرت الإرادة وتوفر الدعم المطلوب.

كما شهد العام اهتماما ملحوظا بملف الآثار، خاصَّة التاريخ الفرعوني الذي يُمَثِّلُ مكونا تتفرد به مصر عن كل دول العالم؛ حتى تلك التي تتشارك معنا في رقائق الحضارة العربية والمتوسطية والإفريقية؛ لكن تظل الفرعونية سمةً لا تتوفر لغير مصر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock