رؤى

ريا وسكينة.. المسكوت عنه في جريمة القرن العشرين وقصة “مدان” لم يعاقب (2-4)

100 عام على الإعدام

دفع الفقر والجوع حسب الله وريا وسكينة لاحتراف البغاء.

كان القانون المصري وقتها يعترف بالبغاء، وينظم ممارسته طبقا للوائح صارمة.

وكانت منازل الإسكندرية تنقسم أخلاقيا و”ديموجرافيا” إلى قسمين، الأول: هو منازل البغايا المصرح لهن رسميا بممارسة المهنة، في أماكن متناثرة في المدينة، والثاني هو منازل “الأحرار” وهي الصفة التي كانت تطلق على بقية أحياء المدينة، وغير مُصرَّح فيها بممارسة البغاء.

عندما نشبت الحرب العالمية، كان مجتمع ما قبل ثورة 1919، يتفكك ويفتقد أي سيطرة، وانتشرت المجاعة والبطالة، واندفعت الآلاف من النساء اللواتي عضَّهنَّ الجوع إلى أسواق البغاء، ولأنَّ بعضهن كُنَّ من “الحرائر” قبل الحرب؛ لذا فضَّلت الكثيرات منهنَّ البغاء السري على البيوت المرخَّصة؛ حفاظا على ما تبقى لهنَّ من حياءٍ؛ أملا في ألاَّ يوصموا للأبد برخصة دعارة تحمل أسماءهن.

انتشرت بيوت البغاء السري بعد الحرب بشكل لافت، كي تستوعب المئات من النساء اللواتي كُنَّ حرائر، واللائي زحفن كالنمل الأبيض على المهنة، فرارا من الجوع، كما زحف البغاء على بيوت وأحياء الأحرار أيضا.

أسَّس “حسب الله” وزوجته وأختها أحد أشهر بيوت البغاء السري في الجزء الفقير من المدينة في عام 1917، وطار صيتهم في كل الأحياء، وضمَّوا إليهم بلطجي كان شهيرا في أحياء الإسكندرية الفقيرة اسمه “عرابي حسَّان” صار الذراع الباطش لشركة البغاء السري هذه، والرادع لكل من تسوِّل له نفسه إبلاغ البوليس، أو رفض دفع ثمن الخدمة، أو التهديد بعمل فضيحة لابتزاز إدارة البيت.

قبلها بقليل كان “محمد عبد العال” وهو حمّال عشريني من أصول صعيدية، قد ظهر في حياة “سكينة” وأصبح فيما بعد جزءا من الشركة.

وفي خريف 1919، اكتملت عصابة الستَّة بانضمام “عربجي” يمارس البلطجة يُدعى “عبد الرازق يوسف” تولَّى حماية الشركة من المتنطعين والنصابين مع رفيقه “عرابي حسان” وأداروا جميعا أكثر من بيت للبغاء السري، على رأسهم بيت بحي “النجاة” خلف “قَرَةَ قُول” اللبان مباشرة، والذي كان بمثابة المركز الرئيس للنشاط.

محمد عبد العال
محمد عبد العال

جاءت فكرة قتل البغايا بملاحظة عابرة من “ريَّا” بقصد التحسُّر على حالها، وحال الجميع الذي وصل إلى الحضيض، بعد سنوات من العمل في “كار” البغاء، دون أن يدَّخروا مليما وحدا للزمن، ما جعل الرجال “الصبوات” لا يجدون ما ينفقونه على مزاجهم، بينما إحدى العاملات بشركتهم ترتدي ذهبا في يديها، وحول رقبتها بعشرات الجنيهات.

تكفَّل “عبد الرازق يوسف” بتحويل ملاحظة “ريَّا” العابرة إلى مبادرة ونقاش، حول مدى أحقية امرأة من الفواحش؛ تحترف البغاء في بيت يديرونه جميعا، في أن تملك كل ما ترتديه من مجوهرات.

ثم من أين لها هذا؟

لا شكَّ أنَّ المرأة البغي تسرقهم وتكذب عليهم، وتخفي جانبا مما كانت تتقاضاه من الرجال في البيت الذي يديرونه، لتهبط بقيمة نصيبهم، وإلاَّ فكيف اغتنت، بينما هم على “الحميد المجيد”؟

كان ذلك هو المبرر، والأساس الذي انطلقت عليه ومنه عصابة “ريَّا” و”سكينة” في ارتكاب جرائم القتل المتتابعة التي احتفظت لهم بمكانة في التاريخ.

تكفَّل “عبد الرازق” أيضا ومعه “حسب الله” ببلورة الخطة، واقترحا سحب “خضرة محمد اللامي” أول ضحايا العصابة، للبيت وإغرائها باحتساء كمية كبيرة من الخمر حتى تفقد وعيها، ومن ثمَّ سرقة مصوغاتها، قبل التخلص منها ودفن جثتها في أرض غرفة “ريَّا” بحارة “علي بك الكبير”.

نجحت الخطة، وأعطيت مجموعة الستة دفعةً جيدةً جدا لاستمرار نشاطها الجديد في قتل البغايا وسرقة حليهن.

كانت “ريَّا” بحكم دورها كـ “سحَّابة” للبيت، وأوثق العاملين به صلةً بالنساء اللواتي تسحبهن إليه، ومعرفةً بأسرارهن، وموضع ثقتهن أيضا –هي المسئولة عن سحب الضحايا لمثواهنَّ الأخير، وعاونتها “سكينة” في ذلك. بينما الرجال مسئولون عن القتل والدفن.

هكذا تحدَّدت المسئوليات منذ الوهلة الأولى، ولم تكشف التحقيقات أنَّ “ريَّا” أو “سكينة” شاركا في أي مرَّةٍ من المرَّات في القتل، بل حافظا للنهاية على دورهما المتمثل في “السحب” وشراء المستلزمات، وتأمين الجو في الخارج أثناء ارتكاب الجرائم.

قتلت العصابة (17) امرأة، ودُفنت جثثهن في (3) بيوت مختلفة، وسُرقت مصوغاتهم وبيعت لمحل ذهب بالصاغة الجديدة؛ يملكه صائغ يدعى “علي” وقُسِّمَت النقود كلُّها بنسبٍ متباينة.

استمرت العصابة في ارتكاب جرائمها؛ دون أن يلفتوا انتباهَ أحدٍ؛ لمدة عام تقريبا، من ديسمبر 1919، وحتى السقوط الأخير في نوفمبر 1920، وساعدهم على ذلك أنَّ ظاهرةَ اختفاءِ الأفراد كانت شائعةً في تلك السنوات، نتيجة للتزايد الكبير في الهجرة من الريف للمدن؛ بحثا عن العمل أو هروبا من الثأر أو احتجاجا على معاملة الأهل، أو نتيجةً لما أحدثته الحرب من قلقلة شديدة أجبرت عشرات الألاف من المصريين على السفر بحثًا عن الرزق، ودفعت كثيراتٍ من النساء إلى احتراف الدعارة.

حسب الله
حسب الله

توالت البلاغات عن اختفاء الفتيات بالإسكندرية، وارتبكت أقسام البوليس، وعقدت قيادات الأمن اجتماعات طارئة بالمديرية لاتخاذ عدة إجراءات للكشف عن سر الاختفاء الغامض للنساء، لكن جميعها باءت بالفشل، وحُفِظَت البلاغات لعدم معرفة أماكنهن، ولا أسباب اختفائهن. ما أدى لانتشار حالة من الهلع والفزع بين أهالي الإسكندرية.

مع كثرة البلاغات التي كانت تتراكم داخل أقسام الشرطة دون نتيجة؛ اعتادت السلطات الأمرَ، وتكيَّفت معه، وأصبحت المبررات لغلق المحاضر وتوفير مجهود البحث حاضرةً دائما على ألسنة رجال البوليس: “تلاقيها شافتلها شوفة”.. “تلاقيها شغالة في بيت من إياهم”… وهكذا.

لذا؛ لم يشك أحدٌ في “ريَّا” و”سكينة” رغم أنَّ “القَرَة قُول” خلفهم مباشرة.

إلى أن لعبت الصدفة المحضة، في يوم الأحد 14 نوفمبر 1920، دورا كبيرا في سقوطهم في قبضة البوليس، والتاريخ أيضا.

(–)

فوَّض مُلَّاك المنزل رقم (5) بحارة “ماكوريس” الشيخ أحمد مرسي عبده، وكان ضعيف البصر، في البحث عن أسرة أفرنجية لتستأجر منزلهم الخالي بعد طرد سكانه القدامى.

كانت “سكينة” من بين هؤلاء المطرودين، حيث أقامت في إحدى غُرف الدور الأرضي بالمنزل، المعروف بين الناس باسم بيت “الجمَّال” نسبة للأسرة التي تملكه، وكانت تلك الغرفة واحدة من (3) غرف شهدت جرائم القتل المتتالية لعصابة “ريَّا” و”سكينة”.

ولأنَّ العصابة تدفن الجثث في مكان قتلها، لاستحالة الخروج بها إلى الشارع والتخلص منها في أي مكان أخر.. كان نصيب غرفة بيت “الجمَّال” جثة واحدة من جريمة قتل وحيدة اُرْتُكِبَت بالبيت.

تعثَّرت “سكينة” في دفع إيجار الغرفة لثلاثة أشهرٍ متتالية، بسبب إنفاقها المستمر على سهرات الخمر والمزاج في خمَّارة الخواجة “بكسس” والتي كانت تدخلها ظهرا ولا تتركها إلاَّ في منتصف الليل موعدَ الإغلاق.

كانت “سكينة” سكِّيرةً من الدرجة الأولى، تشرب (55) كأسا في الساعة الواحدة من كل أنواع الخمر، من “البراندي” وعرق البلح إلى النبيذ و”الكونياك” بخلاف زجاجات البيرة طبعا؛ لذا كانت تنفق كل ما كانت تتحصل عليه من جرائم القتل أولا بأول.

وعندما لم تدفع “سكينة” إيجار الغرفة، طردها صاحب البيت، وطرد معها باقي السكان من المنزل، لإخلائه وتأجيره لأشخاص أيسر حالا، وذهبت هي للإقامة في بيت زهيد الإيجار بـ حارة النجاة.

اتَّفق الشيخ “عبده” مع شخص إيطالي الجنسية؛ لتأجير البيت مقابل (3) جنيهات شهريا، واشترط الخواجة أن يتم توصيل المياه والمجاري للبيت، فاضطُرَّ الشيخ للاستعانة بشابٍ ذي قوة؛ ليحفرَ في أرضية المنزل وينفذ المطلوب.

أثناء الحفر، أخذت الرائحة النتنة تفوح من التراب، وتتصاعد تدريجيا كلما تعمَّق الشاب في الحفر، وفي إحدى ضربات الفأس خُيِّلَ إليه أنَّه سمع صوت اصطدامها بجسم صلب، فانحنى في موضع الحفر وأخذ يتحسس ذاك الجسم بأصابعه، فغاصت يده في لحمٍ طري، ثم مرَّر يده يمينا؛ فاصطدمت مرة أخرى بجسم صلب، فظلَّ يشده حتى انخلع في يديه.. كان ذراع إنسان، ولم تمر دقائق معدودة حتى تأكَّد أنَّها جثة امرأة.

يتبع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock