رؤى

ريا وسكينة.. المسكوت عنه في جريمة القرن العشرين وقصة “مدان” لم يعاقب (4-4)

100 عام على الإعدام

استغلَّ الاستعمار البريطاني قضية “ريَّا” و”سكينة” من أجل التدليل على نقص الرقي لدى المصريين، وأنَّهم غير قادرين على حكم أنفسهم بأنفسهم، ما دفع الصحافة المصرية لنشر وقائع مغلوطةٍ أو مبتورةٍ عن القضية، ونسب كل ما هو جريمة أو قسوة لصحيفة “ريَّا” و”سكينة” الجنائية، وتحويلهما إلى رمز للشيطان، وصورة تجسِّد الشر المطلق الطليق، في محاولة للتبرؤ مما حدث، وتكذيب ادعاءات نقص الرقي الاجتماعي لدى المصريين؛ كي لا تتحمل البلاد تبعاته أثناء معركتها لتحقيق الجلاء.

اللافت أنَّ تلك المحاولات لم تتوقف، حتى بعد إعدامهما، لدرجة أنَّ الصورة الذهنية عند عموم المصريين حول القضية أصبحت مع الوقت تختصر العصابة ذات الستة أفراد وجرائمها.. في “ريَّا” و”سكينة” فقط، وتتجاهل الرجال الأربعة الذين نفَّذوا الجرائم بأيديهم.

الحقيقة أنَّ لا “ريَّا”، ولا “سكينة” مدَّت يدها على أي ضحية، ولم يثبت في المحاضر أنَّهما حضرتا أيًا من وقائع القتل؛ بل كانتا تنتظران بالخارج أثناء ارتكاب الجرائم خوفا وجبنا.

والحقيقة -أيضا- أنَّهما على الرغم من شرِّهما البادي، والذي لا يمكن لمنصف أن ينكره، لم تكونا سوى ضحيتين من ضحايا القهر والفقر والظلم، وباقي الأوضاع الاجتماعية الصعبة في تلك الحقبة السوداء، والتي دفعتهما دفعا إلى تلك القسوة النادرة.

لكنَّ الجميع تجاهل الحقائق والدوافع، وغضَّ الطرف عما وصل بهما إلى عتبة أسوأ وأحط أبواب التاريخ، بل تجاهل -أيضا- المجرم الرئيس في قضية “ريَّا” و”سكينة” والذي أفلت بجريمته دون عقاب.

تثبت الأدلة التاريخية كلها أنَّ بريطانيا العظمى، هي المُدان الأول في جميع جرائم عصابة “ريَّا” و”سكينة”.

 فبسببها اجتاح الجوع -ذاك الكافر اللعين- بر مصر، فدفع أهلها إلى فعل أي شيء يحافظون به على حياتهم، وحياة من يمتون لهم بصلة، فتفكك المجتمع وتحلل أخلاقيا.

وبسببها شعر المصريون أنَّهم بلا وطن أو كرامة أو حقوق من فرط القمع والظلم والإهانة؛ فكرهوا الحياة وأقبلوا على الموت وتمنَّوه لأنفسهم ولغيرهم.

وبسبب وحشية جنودها ضد آلاف العاملين بالسخرة لخدمة حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، تبلَّدت أحاسيس المصريين تجاه الموت، ولم يعد مشهد الدماء يخيفهم، أو قتل الأخرين يرعبهم، ولم يعد للقوانين المدنية تأثيرا في نفوسهم، ما كان سببا في انتشار أنماطٍ مرعبةٍ من التوحش والجريمة لم يشهدها المجتمع المصري من قبل.

 بل يذهب البعض إلى أنَّ الشغل في السلطة لدى الإنجليز؛ كان القاسم المشترك الأعظم بين المتهمين في قضية “ريَّا” و”سكينة” وفي عدد آخر من الجرائم التي تتسم بدرجة عالية من التوحش لم تكن معهودة من قبل في تاريخ الإجرام المصري، وهو ما أثبتته التحقيقات آنذاك عندما كشفت عن أنَّ ثلاثة من رجال “ريَّا و”سكينة” هم “حسب الله” و”عبد العال” و”عرابي” كانوا من ضمن العاملين في السلطة، ونالوا قسطا كبيرا من وحشيتها، وأثبت ذلك -أيضا- الأستاذ “صلاح عيسى” عندما ربط بين جرائم عصابة “ريَّا” و”سكينه” وبين قضية “محمود علام” الشهير بـ “سفَّاح طنطا” الذي قُبض عليه قبل القبض على “ريَّا” و”سكينة” بشهور قليلة، أي في نفس الفترة الموبوءة، وكان يقتل النساء -أيضا- بوحشية غير مبررة لسرقة حليهن.

كما أثبت الناقد الراحل “عباس خضر” تلك العلاقة بوضوح أكثر في سيرته الذاتية “خطى مشيناها” التي حكي فيها قصة “هريدي” الفلاح الفيومي الذي احترف السرقة وحرق الزرع وارتكب جرائم بشعة في قريته، بعد عودته من الشغل في السلطة وعلى جلده آثار التعذيب بالسياط الإنجليزية؛ عقابا له على سرقة علبة “بلوبيف” استلذ طعمها وأكلها ليسد بها جوعه، فعاد لقريته مسخا حانقا وساخطا على كل شيء.

(—)

قبل السابعة من صباح يوم الأربعاء 21 ديسمبر 1921، بدأ أعضاء هيئة تنفيذ حكم الإعدام يتوافدون على السجن، وكان في انتظارهم مندوبي كل ما عرفته مصر وقتها من صحف عربية وإفرنجية على حد سواء، وعشرات النساء الغاضبات رافعات صور “ريَّا” و”سكينة” ويهتفن بالقصاص.

كان تشكيل الهيئة استثنائيا بامتياز، حضرة صاحب السعادة “محمد حدَّاية باشا” محافظ الإسكندرية، والأميرالاي “جرانت بك” حكمدار البوليس، و”مورلي بك” محافظ السجون، والمسيو “جواني” رئيس البوليس السري، فضلا عن سلطات السجن وضباطه.

في السابعة والنصف، اصطفت هيئة تنفيذ الحكم أمام غرفة الإعدام، وجاء الحراس بـ “ريَّا”.

كانت ترتدي ملابس الإعدام الحمراء، وعلى رأسها طاقية بيضاء، تسير بثبات ووجه ممتقع اللون، خائرة القوى.

تلا مأمور السجن حكم الإعدام عليها، ثم سألها المحافظ: “محتاجة حاجة يا ريا؟”.

فطلبت أن ترى ابنتها “بديعة” لكنَّ المأمور قال للمحافظ: زارتها قبل يومين سيادتك.

فقالت بهدوء: “يعني مشوفش بنتي؟”.

ثم دخلت لغرفة الإعدام، لفُّوا الحبل حول رأسها، وكانت آخر كلماتها: “أودعتك يا بديعة يا بنتي بيد الله”. ثم نطقت الشهادتين.

استمر نبضها لدقيقتين، وظلت معلَّقةً لنصف ساعة.

ريا وسكينة

بعد ساعة بالضبط، اقتيدت “سكينة” لساحة التنفيذ، كانت تفرط في الحركة والكلام بينما كان المأمور يقرأ عليها نص الحكم، وكانت تتمتم كالمجنونة بعبارات تعلِّق بها على ما تسمعه، لكن عندما ذكر الحكم أنَّها قتلت 17 امرأة صرخت: “هو أنا قتلتهم بـ إيدي”؟.

تجاهلوها بالطبع، فقالت بتحد: “أيوه قتلت واستغفلت بوليس اللبان.. والشنق ميهمنيش.. أنا جدعة”.

دخلت غرفة التنفيذ، وأثناء توثيق يديها خلف ظهرها قالت للجلاد: “هو أنا رايحة أهرب ولا أمنع الشنق بـ إيدي.. حاسب.. أنا صحيح ولية.. لكن جدعة.. والموت حق”.

تحت الحبال وقبل التنفيذ بلحظة قالت: “سامحونا يمكن عبنا فيكم”.

 ثم نطقت بالشهادتين، واستمر نبضها أربع دقائق وظلت مُعلَّقةً لمدة نصف ساعة.

وفي حوالي التاسعة جاءوا بـ “حسب الله” كان رابط الجأش هو الآخر، لكنَّه علَّق على منطوق الحكم: “بتقولوا إنِّي قتلت 17.. الحقيقة هم 15 بس.. ولو عاوزين أعدهم واحدة واحدة وأسميهم.. ولو كنت عشت سنة واحدة كمان، لكنت قطعت لكم دابر العواهر، وحرَّمتهم يمشوا في الشوارع، دول بيستغفلوا رجالتهم، وبيبيعوا أعراضهم بربع ريال.. تشنقونا عشان شوية عواهر!؟”.

وعندما دخل غرفة الإعدام قال للشَّنَّاق: “شوف شغلك كويس.. شد واربط زي ما انت عاوز.. كله موت”.

ثم هوى في حفرة الإعدام بعد أن ظلَّ مُعلَّقًا لمدة نصف ساعة.

كانت هيئة تنفيذ الحكم قد اتخذت قرارا بإعدام نصف العصابة في اليوم الأول، وهم “ريَّا بنت همَّام” و”سكينة بنت همام” و”حسب الله سعيد” ثم إعدام البقية في اليوم الثاني، وهم “عبد الرازق يوسف” و”محمد عبد العال” و”عرابي حسان”.

بعد إتمام عملية إعدام الثلاثة الأوائل، خرجت هيئة التنفيذ من غرفة الإعدام، ليجدوا حشدا من عساكر السجن ينتظر خروجهم بفارغ الصبر.

أحد هؤلاء العساكر، بعدما تأكد من خبر الإعدام، جرى مسرعا لخارج السجن حيث النساء المحتشدات، وأشار للعشرينية البدينة لتأتي له عند باب السجن، وأبلغها بأنَّ حكم الإعدام قد تمَّ، فتهللت أساريرها في سعادة غامرة، وانتفض جسدها فرحا، بعدما انتفض غِلا وغيظا منذ أن علمت أن “ريَّا” و”سكينة” سحبتا أمها “زنوبة بنت عليوة” الفرارجية إلى بيت علي بك الكبير، ليقتلها الرجال غدرا؛ قبل أن يدفنوا جثتها تحت بلاط الحجرة، ثم مارسوا فوقها كل أنواع المجون.

أطلقت الشابة البدينة “زغروطة” من القلب، وكأنَّها تزف الخبر لباقي المتظاهرات، وفاجأتهن بغناء مطلع من أغنية شعبية قديمة تقول: “خمارة يا أم بابين.. وديتي السكارى فين؟”، فأخذنَ يرددن المطلع خلفها في فرحة هستيرية.

بعد دقائق، خرج المحافظ من داخل السجن للساحة الأمامية عقب تنفيذ الإعدام وخلفه باقي أعضاء هيئة تنفيذ حكم، فشاهدته النساء المحتشدات، وهتفن له:

 “عاش اللي شنق ريا.. عاش اللي شنق سكينة”.

——

*جمعت معظم المعلومات المذكورة سلفا من كتاب “رجال ريا وسكينة” لكاتبنا الكبير الأستاذ صلاح عيسى رحمه الله، الذي قضى سنوات في فحص أوراق قضية ريا وسكينة وكتابة تأريخا سياسيا واجتماعيا مكتملا لفترة من أهم فترات التاريخ المصري الحديث، ولجريمة هزت مصر في أوائل القرن العشرين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock