رؤى

حل أزمة اليسار العالمي.. هل تأتي من تشيلي وأمريكا اللاتينية؟

هذه القارة لا تكف عن إدهاشنا من “نيرودا” إلي “ماركيز” في الأدب. ومن “بيليه” إلى “مارادونا” في الكرة ومن “جيفارا” إلي “جابرييل بوريك” في السياسة.

أمريكا اللاتينية التي أبدعت (لاهوت التحرير) وأبدعت (الواقعية السحرية) وأبدعت “التانجو” تبدع في تقديم نموذجٍ جديد لليسار -ربما- كان الإجابة الحائرة -ولو مرحليا-  لأزمةٍ تتخبط فيها الحركة اليسارية في العالم؛ منذ سقوط الاتحاد السوفييتي قبل نحوٍ من ثلاثة عقود.

هذا النموذج الجديد يأتي علي يد “بوريك” أو “بوريتش” الرئيس التشيلي الشاب البالغ من العمر خمسة وثلاثين عاما فقط؛ والذي تم انتخابه الأسبوع الماضي.

يمثِّل “بوريك” اليساري التقدمي الشاب؛ دليلا جديدا علي أنَّ الأفكار والقيادات الثورية الملهمة والمخلصة لا تموت؛ وستظل تلهم أجيالا جديدة، لم ترها.. فبعد مرور أقل من خمسين سنة علي الإطاحة بالرئيس اليساري “سلفادور الليندي” علي يد الديكتاتور “أوجستو بينوشيه” ها هي تشيلي تختار زعيما يساريا؛ لا لتنتصر فقط على جريمة الانقلاب علي “الليندي” وقتله مغدورا بوحشية؛ ولكن لتثأر من كل تراث “بينوشيه” في الاستبداد المقرون بـ “النيو ليبرالية” التي سحقت العدالة الاجتماعية؛ لتضع تشيلي ضمن الدول العشر الأولي في العالم في معدلات انعدام العدالة بين الفقراء والاغنياء.

بينوشيه
بينوشيه

كما يُمثِّل “بوريتش” من ناحية أخري جيله وعصره.. جيل الإنترنت، مع نهاية زمن وسائط الاتصالات القديمة.. هذا الجيل الذي يواجه تحديات وجودية تختلف عن جيل الحرب العالمية الثانية، وجيل القطبية الثنائية والردع  النووي.  جيل يتهدده الاحتباس الحراري والتلوث البيئي والأوبئة الفيروسية.. ويعتنق ثقافة حقوق الإنسان كثقافة عالمية.. ما يجعله يضع قضايا حقوق المرأة والأقليات كأولويات للعمل السياسي لا تقل أهمية عن أولوية قضايا العدل الاجتماعي، ومواجهة الاستغلال الرأسمالي.

ولذلك فهو جيلٌ يختلف اختلافا كبيرا عن جيل آباء ورموز اليسارية اللاتينية منذ الثورة الكوبية وحتي الان.. يسار يختلف عن يسار “كاسترو” وحتى مع يسار “مادورو”.. جيل لا يري إلهامه  الفكري في “كارل ماركس” بقدر ما يراه في “جرامشي” ولا يرى إلهامه السياسي في “التأميم” بقدر ما يراه في ضرائبَ تصاعدية صارمة على الأغنياء، وإنفاق كثيف على الصحة والتعليم والإسكان الاجتماعي؛ يكون من شأنه تضييق الفجوة الطبقية،.. جيلٌ يقبل بصيغة تعتمد التدرُّج وعدم التضحية بالحرية السياسية في سبيل تحقيق العدالة الاجتماعية.. بعبارة أخري يركِّز علي توفير الفرص والحقوق  المتساوية للجميع، وليس على الرواتب والثروات المتساوية.. ويعتمد نموذج “أولاف بالمة” السويدي و”جيريمي كوربن” البريطاني المنتميين إلى يسار أوروبا الديمقراطي الاجتماعي  والداعي لدولة “الرفاه” الاجتماعية أقرب إليه من النماذج اليسارية المحيطة به؛ مثل نموذج “كاستيلو” في  بيرو أو “أورتيجا” في نيكاراجوا.

ولكن لماذا لم يصبح “بوريك” ثوريا حالما يسعي لتطبيق الاشتراكية مرة واحدة مثل معظم موجات اليسار اللاتيني بما فيها الموجة  القوية الحالية؟. يميل المحللون إلي أنَّه وإن كان جميع زعامات اليسار في أمريكا اللاتينية، قد جاءوا عبر انتخابات ديمقراطية؛ فإنَّ “بوريك” هو ابن الديمقراطية الأكثر استقرارا في القارة منذ ١٩٩٠، –عام الإطاحة الديمقراطية بالديكتاتور بينوشيه– والتي سمحت بفتح المجال العام للحركات الطلابية في جامعات تشيلي –”بوريك” نفسه هو زعيم طلابي بارز في مرحلة الاستقرار الديموقراطي في العقود الثلاثة الاخيرة– وابن الحراك الاجتماعي السياسي المستمر منذ احتجاجات ٢٠١٩، الذي شكَّلته مع الطلاب كل من:

  • الحركة العمالية ؛خاصَّة نقابات عمال مناجم النُّحاس سلعة التصدير الأولي لتشيلي.
  • الحركة النسوية التشيلية المنظمة التي تنتزع يوما بعد الآخر حقوقا جديدة نحو المساواة “الجندرية”.
  • حركة أصحاب المعاشات الذين كان نظام “النيو ليبرالية” الموروث عن “بينوشيه” قد مَكَّن شركات التأمين الأمريكية العملاقة من رقابهم؛ فأفقرهم وتركهم “عُزَّلا” أمام التضخم، وانعدام المساواة الطبقية.

هو –بالتالي– يُمثِّل ما يُمكنُ وصفهم بـ “التقدميين الجدد” في العالم، وهو  تيار يؤمن بصدق وبحزم بالعدالة الاجتماعية، ولكنَّه يتمسك –في ذات الوقت– بالديمقراطية التمثيلية، وصندوق الانتخاب؛  وليس بـ “ديكتاتورية” الطبقة العاملة.

هل تشيلي و”بوريك” الذي سيحكم تحالفا سياسيا واسعا؛ مما يسمي بالـPINK  TIDE هم الإجابة عن دوران اليسار في العالم حول نفسه، باحثا عن تجديدٍ لفكر(ماركس/ لينين) القادم من القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين؟. وهل ستسمح القوي الإمبريالية –خاصَّة الولايات المتحدة التي تعتبر كل هذه القارة منطقة نفوذٍ خاصَّة بها– لهذه التجربة أن تنجح.. أم أنَّها سترهبها أو تُغريها؛ فتتحول نموذجا إصلاحيا فاشلا جديدا؛ يلبس رداء اليسار والعدل، بينما هو في قلب اليمين وعدم المساواة مثل تجربة “توني بلير” البريطاني؟.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock