رؤى

إيران لا تستطيع تحمل كلفة تأجيل العودة إلى الاتفاق النووي (1 ـ 2)

يجب ألا يكون هناك شك في حاجة طهران الملحة للعودة إلى الاتفاق النووي

عرض وترجمة: أحمد بركات

لتقدير أهمية إحياء الاتفاق النووي بالنسبة لإيران، لا يحتاج المرء إلا لإلقاء نظرة عابرة على الأزمات الاقتصادية والسياسية (تحديدا ما يتعلق بالسياسة الخارجية) والأمنية والبيئية التي تعصف بالبلاد اليوم. ومن دون اتفاق فِعْلِي يرفع العقوبات الأميركية عن طهران، حتى لو لبضع سنوات، فلن تستطيع أي حكومة إيرانية أن تطمح إلى مجابهة  هذه الأزمات.

ولنأخذ على سبيل المثال الوعود الاقتصادية الطموحة التي بذلها الرئيس “إبراهيم رئيسي”.. تتضمن هذه الوعود بناء مليون وحدة سكنية سنويا، والسيطرة على معدلات التضخم الجامحة،  التي وصفها بأنَّها “خط أحمر” لحكومته، ووضع حلول جذرية لجميع المشكلات المالية التي يعاني منها المعلمون في إيران، والحد من تأثير تقلبات العُملة على الحياة اليومية للشعب الإيراني، وتوفير مليون فرصة عمل جديدة، ومعالجة مشكلة انقطاع التيار الكهربائي.

وحتى تحقيق هذه الأهداف الطموحة بصورة جزئية سيكون أمرا بالغ الصعوبة مع استمرار العقوبات الأميركية –بكامل عنفوانها– في خنق الاقتصاد، بغض النظر عن خطاب “رئيسي” محل الشك بأنَّ سياسة “النظر إلى الشرق” وحدها كفيلة بأن تكون إجراءً مضادا ضد العقوبات والهيمنة الأميركية، وأنَّ الازدهار الاقتصادي يمكن فصله عن المحادثات النووية.

من المؤكد –أيضا– أنَّ تخفيف العقوبات وحده لن يكون العلاج الناجع لتضميد الجراحات التي تنكأ الاقتصاد الإيراني.. فهناك –أيضا– معوقات أخرى أمام تحقيق النمو الاقتصادي، وتطبيع علاقات طهران التجارية مع بقية دول العالم. كما لا يمكن أن تؤدي العقوبات وحدها إلى انهيار الاقتصاد. وقد أظهرت إيران في السنوات الأخيرة قدرتها بدرجة ما على مواجهة هذه العقوبات.

لكن العقوبات –برغم ذلك– يمكن أن تكون عنق الزجاجة في التنمية الاقتصادية الإيرانية، حيث تضمن طوال الوقت أن تظلَّ طهران عند مستوى البقاء على قيد الحياة، ومن ثم حرمانها من الوصول إلى رأس المال والتجارة والاستثمار.

وبالنسبة للشعب الإيراني، يعني هذا تفاقم معدلات التضخم، وما يستتبعه من تراجع قدراتهم الشرائية، وتفشي البطالة ما يعجل بدوره هجرة الموارد البشرية القيِّمة من البلاد. كما بدأ المعلمون الذين وعدهم “رئيسي” بحل مشكلاتهم بصورة جذرية تدشين احتجاجات في مدن مختلفة عبر البلاد.

لكنَّ التأثير المدمر للعقوبات لا يقف فقط عند حدود إفقار الشعب، وإنَّما يمتد إلى مناطق أخرى، مثل: التدهور البيئي وانهيار قطاع الطاقة.. وبرغم أنَّ العقوبات لا تمثل السبب الأساسي في المشكلة، إلا أنَّها في السنوات الأخيرة كثَّفت من تدهور البيئة الإيرانية عن طريق صرف رأس المال، والتكنولوجيا والمعرفة والإرادة السياسية بعيدا عن قضايا من قبيل حماية البيئة، والتنمية المستدامة، وقطاعات الطاقة.

ونتيجة لذلك، تُعَدُّ إيران اليوم أكبر دولة تسهم في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من الوقود الأحفوري في العالم، كما تم تصنيفها من قبل المنظمات الدولية كمنطقة عالية الخطورة بسبب الصراعات المسلحة الناجمة عن الندرة المائية. وفي الصيف الماضي، شهدت البلاد انقطاعا متكررا في التيار الكهربائي ما أدى إلى اندلاع الاحتجاجات على نقص المياه وانقطاع التيار الكهربائي، وتحوُّل هذه الاضطرابات إلى واقع سياسي في المشهد الإيراني.

وتتضافر عوامل الفقر، والتدهور البيئي، ونقص المياه، وانقطاع التيار الكهربائي لتزيد احتمالية اندلاع حرب أهلية في البلاد. ومع ظهور الشرعية المعيبة لصعود “رئيسي” إلى سدة الحكم.. إلى المشهد، فإن النتيجة ستكون اضطرابات اجتماعية لا تُبْقِي ولا تذر.

ربما لا تؤدي هذه الاضطرابات واسعة النطاق من تلقاء نفسها إلى تخليص البلاد من طغمتها الحاكمة، لكنَّه قد تتحد مع “الديناميكيات” الأخرى التي تسفر عنها العقوبات؛ –وبخاصَّة الفشل في تسوية التوترات مع واشنطن، وتطبيع علاقات دبلوماسية وتجارية مع بقية دول العالم–لتقويض النفوذ الإقليمي لطهران على المدى الطويل، إذ لا يُمكن لإيران التي تعاني من ضائقة مالية وعزلة سياسية في خضم الحرب الأهلية –أن تستجيبَ على نحوٍ مناسبٍ لعجلة التغيرات التي تدور بوتيرة متسارعة في المنطقة المحيطة بها، كما أنَّ منافسيها وخصومها الإقليميين سيتحدون ويهددون موقفها، برغم القوة العسكرية الحقيقية للبلاد.

وتُقَدِّم التطورات الأخيرة في دول الجوار الإيراني –أدلة على التأثير المدمر للعقوبات على قوتها الجيوسياسية. ففي أفغانستان المجاورة، التي تقع على نحو تقليدي في مجال النفوذ الإيراني، خيَّم الصمت بدرجة كبيرة على استجابة إيران للاجتياح الطالباني السريع لأفغانستان، خاصَّة عند مقارنتها مع الدور الملموس الذي لعبته الجهات الفاعلة الإقليمية الأخرى، ما دفع بأحد أكثر الدبلوماسيين المخضرمين في إيران إلى وصف بلاده بأنَّها “الخاسر الإقليمي الأكبر” بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان، فيما وصف المنافس الرئيسي لإيران، باكستان بأنَّها “الرابح الأول”.

حتى دول المنطقة الصغيرة، مثل قطر التي لا تتشارك حدودا مع أفغانستان أظهرت نفسها على أنَّها أكثر قدرة بكثير من إيران على الاستفادة من الانسحاب الأميركي، فيما اقتصر الدور الإيراني في المُجمل على استقبال المهاجرين الذين فرُّوا من طالبان والآلة العسكرية الأميركية التي كان يستخدمها في السابق الجيش الأفغاني. وحرصا على عدم إثارة جارتها الجديدة في الشرق، جاء رد الفعل الإيراني على الاجتياح الطالباني أشبه بموقف المتفرج القلق والمتحفظ.

(يُتبع)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الأصلي باللغة الإنجليزية من هنا

 

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock