رؤى

تعيين مستشار لشئون المناخ في فلسطين.. يثير جدلا واسعا

قوبل قرار رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية بتعيين جميل المطور مستشاراً له لشئون تغير المناخ والبيئة، يوم الإثنين الموافق 21 شباط/ فبراير 2022، بموجة من السخرية والانتقادات على وسائل التواصل الاجتماعي . وقد  صرّح المطور تعقيباً بقوله: “لم يستحدث هذا المنصب براتب جديد.. أنا بنفس راتبي ونفس راتبي التقاعدي، ودولة رئيس الوزراء مُطّلع على عملنا، وعندما قام بتعييني، كان من باب التقدير والاحترام والمساعدة والخبرة، لكوني مُطّلع على هذا الملف في السنوات السابقة، والناس تحمل الأمور أكثر مما تحتمل، والبعض ينتقد من باب الجهل أو الشخصنة أو أجندة معينة، وأنا أحترم كل الآراء”.

ليست  هذه المرة الأولى التي تتعرّض فيها الحكومة الفلسطينية وقراراتها للانتقاد، ويعكس الجدل الحاصل على وسائل التواصل الاجتماعي والذي أصبح بمثابة ظاهرة، وجود أزمات مركّبة ومتداخلة على مستوى الوعي والثقافة وأيضاً على صعيد ثقة الجمهور بحكومته.

تعتبر قضية تغيّر المناخ من القضايا العالمية الحاسمة في التاريخ الحديث، وتولي الأمم المتحدة ودول العالم اهتماماً كبيراً لها، وتُعقد قمماً على مستوى رؤساء العالم لبحث آليات التصدي العالمي لتغيّر المناخ، وهناك اتفاقيات أممية قد أُبرمت بالخصوص، وتُرصد برامج ومشاريع بمليارات الدولارات من أجل هذا الغرض.

جميل المطور مستشار شؤون تغير المناخ والبيئة المُعين
جميل المطور مستشار شؤون تغير المناخ والبيئة المُعين

وعلى الصعيد الفلسطيني أيضاً، فإن قضايا البيئة تحتل أولوية أساسية في الاستراتيجية الوطنية، بما تتضمنه من زيادة المعارف العلمية، وتطوير قدرات البحث ذات الصلة، وزيادة الوعي البيئي، وتعزيز الثقافة البيئية لدى المجتمع، وتعظيـم الاسـتفادة مـن الفـرص المتاحـة فـي المحافـل الدوليـة لحمايـة الحقـوق البيئيـة الفلسـطينية وفضـح الانتهـاكات الاسـرائيلية فـي هـذا المجـال.

ويتضاعف خطر كارثة المناخ في فلسطين بفعل الاحتلال العسكري الاسرائيلي، الذي يدمّر قدرة الفلسطينيين على التكيّف مع تغيّر المناخ، حيث يعاني الفلسطينيون من انعدام الأمن الغذائي، وتدهور الأراضي والتربة، وندرة المياه بسبب الاحتلال، و تقيّد السياسات الإسرائيلية قدرة فلسطين على تطوير موارد مائية مستدامة وموثوقة.

 وقد أدت السيطرة الإسرائيلية على تصاريح البناء في المنطقة (ج) من الضفة الغربية إلى إعاقة قدرة المنطقة على تطوير البنية التحتية المناسبة للنفايات، حيث أن الطريقة التي تعالج بها سلطات الاحتلال  النفايات حولّت الضفة الغربية إلى أرض ابتليت بالنفايات، هذا فضلاً عن العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والذي ألحق ضرراً كبيراً ببنيته التحتية، ما جعله أكثر عرضة للفيضانات. وفي نفس السياق.. فإن الصناعات الإسرائيلية وبالأخص منها العسكرية تؤدي إلى زيادة مطّردة في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. ما يجعل فلسطين أكثر تأثراً بالتغير المناخي.

تتطلّب حماية المشروع الوطني، النضالَ والقتال في كافة الساحات والميادين، بما فيها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، وعليه فإن الإنخراط المهني والمتخصّص في القضايا ذات الصلة، وتوطين البرامج الدولية الخاصة بتغيّر المناخ والبيئة يعد أمراً حيوياً وغاية في الأهمية. ونظراً للخصوصية الفلسطينية المرتبطة بوجود الاحتلال الإسرائيلي، فإن  حماية بيئتنا هي أحد أهم وسائل نضالنا ضد هذا الاحتلال الغاشم على الأرض والبيئة الفلسطينية.

المنطقة ج في الضفة الغربية
المنطقة ج في الضفة الغربية

ولا تقتصر أزمة الوعي على الجمهور الفلسطيني، وإنما ينسحب جزءاً منها على الحكومة الفلسطينية في هذا المجال، خاصةً وأن هناك انخراطاً إسرائيلياً كبيراً في الميادين الدولية المتخصصة، مقارنةً بالفلسطيني، وقد انعكس ذلك سلباً على آلية التعامل مع الأبعاد المنهجية والسياسية لأزمة المناخ، حيث أن معالجة المجتمعات الدولية والجهات المانحة لأزمة المناخ في فلسطين باعتبارها كارثة اجتماعية اقتصادية وليست كارثة سياسية تبقى فشلاً كبيراً تتحمّل وزره الحكومة الفلسطينية؛ باعتبار أنها تقود العمل الفلسطيني في هذا القطاع.

 ونأمل أن يكون استحداث هذا المنصب؛ استكمالاً للجهود الوطنية المبذولة في سبيل تسخير كافة الإمكانات والفرص المتاحة لنا في المنظمات الدولية المتخصصة، من أجل حماية بيئتنا وتراثنا الطبيعي والمحافظة عليهما.

تجدر الإشارة إلى أن جميل المطور هو مناضل فلسطيني اعتقل لدى السلطات الإسرائيلية عدة مرّات، ويمتلك خبرة واسعة في مجال شئون تغير المناخ والبيئة، ويحمل درجة الماجيستير في الصحة العامة والمجتمعية من جامعة بيرزيت، والمنصب الذي تم تعيينه به، يوجد مثيل له في عديد من دول العالم، فضلاً عن حقيقة عدم وجود تبعات مالية لقرار التعيين.

وعلى الرغم من ذلك، فإن هذا لم يُثن مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي من ممارسة التنمّر الإلكتروني ضدّ شخص المناضل جميل المطور، ونستذكر هنا ما كتبه العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني عام 2018، في مقالته الموسومة بــ “منصات التواصل أم التناحر الاجتماعي؟” والتي أشار فيها إلى الكمّ الهائل من العدوانية والتجريح والكراهية التي نلمسها في منصات التواصل الاجتماعي، والتي أصبحت مكاناً للذم والقدح، وتعجّ بالتعليقات الجارحة والمعلومات المضللة، والتي تكاد أحياناً تخلو من الحياء أو لباقة التخاطب والكتابة، دون مسؤولية أخلاقية أو اجتماعية أو الالتزام بالقوانين التي وجدت لردع ومحاسبة كل مسيء.

الملك عبد الله الثاني
الملك عبد الله الثاني

حقاً، نحن نعاني من أزمة ثقافة، يجب الوقوف عندها مطوّلاً، وعند أسبابها التي لا يمكن استثناء الاحتلال الإسرائيلي أو أصحاب الأجندات المشبوهة منها، ويجب عدم الاستخفاف بها، فهي باتت مصدر للإحباط والسلبية، وذات تأثير مباشر في العلاقات المجتمعية، ولا يمكن السير في تجسيد مشروعنا الوطني الفلسطيني دون خلق بيئة مجتمعية إيجابية.

إن ردة الفعل التي لمسناها على هذا القرار وسابقاته، تعكس حجم الفجوة بين الجمهور والحكومة الفلسطينية، واتساع رقعة عدم رضى الجمهور عن أداء الحكومة وتآكل ثقته في قيادة الحكومة ومؤسساته، ومما لا شكّ فيه هو أن أي اتّساع للفجوة بين السلطة والمجتمع؛ سيكون دوماً على حساب القدرة على إنضاج التجربة الديمقراطية الفلسطينية وتطويرها ومراقبتها، وعلى حساب الجبهة النضالية الفلسطينية الداخلية، الأمر الذي من شأنه وجوباً أن ينعكس سلباً على طريقة إدارة الصراع مع الاحتلال.

إن هذه الحالة الراهنة، مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بأزمتي الوعي والثقافة، ما يستدعي إجراء إصلاحات واجتراح آليات وسياسات واضحة وصارمة تستهدف الإرتقاء بمستويات الوعي الحكومي والشعبي على حدٍ سواء، لتجاوز الأزمات الأخرى، والمضي قدماً نحو تجسيد المشروع الوطني الفلسطيني.

فادي أبو بكر

كاتب وباحث فلسطيني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock