رؤى

حمراء الأسد.. درس نبوي في ردع العدو

 حين عاد النبي الكريم ومن معه، من جنود المسلمين من معركة أحد، التي وقعت في شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة٬ فوجئ بما ورده من أخبار من أن العدو يستعد للزحف نحو المدينة المنورة لبدء معركة جديدة.

كان النبي الكريم يدرك تماما، أن الجيش المكي وعلى رأسه قادته من سادة مكة، لم يكتفوا بما حدث عند جبل أحد، ولن يهدأ لهم بال حتى يُجهزوا على دعوته.

وهذا هو تحديدا ما حدث؛ حين اجتمع قادة الجيش المكي، في منطقة تدعى الروحاء بين مكة والمدينة، وتباحثوا في خطواتهم التالية بعد معركة أحد.

ورأى فريق منهم أن جيشهم لم يحقق انجازاً يذكر؛ فالمسلمون تراجعوا ولكنهم لازالوا على قلب رجل واحد، ولازال قادتهم على قيد الحياة، ولديهم القدرة للحشد ضد المكيين مرة اخرى، ولذا فلا بد من مهاجمة المدينة واستئصال شأفتهم.

ولقي هذا الرأي معارضة من بعض قادة مكة مثل صفوان بن امية الذي صارح قومه فقال: “يا قوم، لا تفعلوا فإني أخاف أن يجمع عليكم من تخلّف من الخروج ـأي من المسلمين في غزوة أحدـ فارجعوا والدولة لكم، فإني لا آمن إن رجعتم أن تكون الدولة عليكم.

إلا أن رأي صفوان –وإن بدا أكثر منطقية– لم يصمد كثيرا أمام حقد بعض المكيين على النبي الكريم٫ حيث اتفقت غالبية الآراء، على الاستمرار في القتال ومعاودة الهجوم.

وصلت أنباء زحف الجيش المكي الى النبي الكريم، وجنده لا يزالون مثخنين بجراح المعركة، ولم ينتهوا بعد من دفن شهدائهم، إلا أن النبي أدرك أن هذه الأخبار؛ خير وسيلة لاختبار الجميع ومدى استعدادهم لتلبية نداء الجهاد مرة أخرى.

وكما يميز المرء السمين من الغث، ميز نداء النبي لأهل المدينة للمسير لملاقاة العدو بين المؤمنين والمنافقين، فهرع الفريق الأول لتلبية النداء؛ رغم جراحهم، ومنهم الصحابي أسيد بن حضير الأوسي الذي كان في جسده سبع جراحات، ولم يزد عند سماعه لنداء النبي عن أن قال سمعا وطاعة لله ولرسوله. أما الفريق الثاني (المنافقون) فتلكأ في تلبية النداء.

وسار النبي الكريم بجيش المسلمين حتى بلغوا منطقة تسمى حمراء الأسد على بعد نحو عشرين كيلو متراً من المدينة– وعسكر الجيش هناك، وهم يترقبون تحركات العدو.

وهنا برز دور الحرب النفسية التي أدرك الرسول مدى أهميتها؛ فكان الدور الذي لعبه معبد الخزاعي الذي تؤكد سيرة ابن هشام أنه رغم كونه لا يزال على الشرك حينها، إلا أنه كبقية أفراد قبيلته كان حليفاً للنبي الكريم و”لا يخفون عنه شيئا”.

فلما قدم معبد الخزاعى على النبي الكريم؛ أكد على هذا التحالف وقال للرسول: “أما والله لقد عز علينا ما أصابك، ولوددنا أن الله عافاك فيهم” مشيرا إلى معركة أحد.

ثم خرج معبد من عند النبي؛ فالتقى جيش المشركين وعلى رأسهم أبو سفيان بن حرب، فأدرك معبد ضرورة تثبيط همة القيادة، فقال لأبي سفيان الذي كان لا يعلم بتحالفه مع الرسول: “محمد قد خرج في أصحابه، يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم، وندموا على ما ضيعوا، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط”.

لم يصدق أبو سفيان ما سمعه من معبد، فأكد معبد على نفس المعنى مرة أخرى ناصحا أبا سفيان وجيشه بأن يرحلوا عن موقعهم، وهو ما سبب حرجا بالغا لأبي سفيان، الذي كان عقد العزم مع بقية سادة مكة على “استئصال شأفة” جيش المدينة على حد تعبيره، فبادره معبد بالقول “لا تفعل، فإني ناصح”.

وأتت هذه الحرب النفسية ثمارها، حيث انهارت عزيمة الجيش المكي، وآثر قادته وخاصة أبو سفيان أن يقفل عائدا إلى مكة، بدلا من أن يخوض معركة غير مضمونة العواقب.

أما في معسكر جيش النبي، فقد أقام الرسول في حمراء الأسد ثلاثة أيام، ثم عاد بجيشه الى المدينة، وقد كفى الله المؤمنين القتال، وارتفعت روح الجيش المعنوية مرة أخرى بعد ما كان في أحد.

 وأنزل الله تعالى في هذا الجيش الذي هب للدفاع عن مدينته، ولم يخش العدو قوله في سورة آل عمران:

 “الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)”.

إِنَّ موقعة حمراء الأسد وإِنَّ لم تشهد قتالا؛ إلا أنها ترسم للمتأمل فيها جملة من الدروس: أولها ما بدا عليه مجتمع المدينة، في هذه التجربة كمجتمع متأهب للقتال والدفاع عن مقدساته؛ حتى وإن كان مثخنا بالجراح٫ فإنه يتعالى على هذه الجراح في سبيل الواجب.

وثانيا: إدراك النبي لأهمية الاستفادة من الحلفاء؛ حتى وإِنَّ كانوا على عقيدة مخالفة كما هو الحال مع معبد الخزاعي، وفقا لقدرة كل حليف على التأثير في العدو وهو ما أثبته معبد.

ثالثا: فإن النبي وصحبه الكرام لم يسعوا لقتال من أجل القتال في حد ذاته؛ حيث أن الجهاد في الإسلام عملية دفاعية بالأساس كما أوضحت الآية الكريمة “أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ” (الحج ٣٩) فإن كان من وسيلة لردع العدو، وتثبيط همته وكف أذاه عن الآمة دون قتال فإن النبي لم يستنكف أن يلجأ إلى تلك الوسيلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock