ثقافة

الجمعية السرية للمواطنين.. من أشرف العشماوي إلى المحرومين من الحياة

“إلى هؤلاء الذين لم يعيشوا الحياة بعد، وكانوا يحاولون النجاة من أيامها” هكذا يبدو الروائي أشرف العشماوي واضحا منذ اللحظة الأولي فهو لا يحقق في روايته “الجمعية السرية للمواطنين” التي صدرت طبعتها السادسة مؤخرا، في وقائع سرقة لوحة زهرة الخشخاش الشهيرة للعالمي “ڤان جوخ” من متحف محمد محمود خليل، في حادث لا يزال يكتنفه قدر كبير من الغموض حتى اليوم، بقدر ما يتخذ منه ستارا لتجسيد معاناة أولئك المهمشين في فترة حكم الرئيس السادات، وصولا إلى فترة حكم الرئيس الأسبق حسنى مبارك التي تنتهى عندها أحداث هذه الرواية.

يمكننا أن نري أحد أعضاء حزب المهمشين بوضوح، منذ الصفحات الأولي للرواية، ممثلا في شخصية البطل معتوق؛ ذلك الفنان التشكيلي متقد الموهبة الذي لا يجد من يشترى لوحاته؛ لأنه لا يحظى بقدر من الشهرة التي يتحلى بها غيره، فيجد نفسه مرغما على أن يبيع إبداعه بثمن بخس لغريب الانتهازي، الذي يوقع عليها ويعرضها في أتيليه شهير يحمل اسمه بوصفه فنانا كبيرا.

أشرف العشماوي

العلاقة بين الجاني والضحية معقدة ومتشابكة للغاية، فقد جمعهما الفقر في عزبة “الوالدة باشا” بحلوان التي أقيمت كمنتزه لوالدة الخديوي إسماعيل، قبل أن تتحول مع الزمن إلى منطقة عشوائية تضم أطيافا شتى من المهمشين، الذين سقطوا عمدا من ذاكرة دولة مبارك، فلم تقدم لهم أي نوع من الخدمات؛ فلا طرق ممهدة ولا صرف صحي، ببساطة شديدة وجدوا أنفسهم يلهثون خلف الفتات؛ حتى لو اضطروا لتناول لحوم مسمومة تلقى عادة في طريق الكلاب الضالة؛ للتخلص منها بعد أن تكاثرت بصورة هائلة.

الرغبة في الخروج من عنق الزجاجة تجعل معتوق وغريب على قلب رجل واحد، فيضعان خطة متقنة لسرقة لوحة زهرة الخشخاش، ورغبة في إخفاء معالم الجريمة بالكامل يضعان مكانها لوحة مقلدة رسمها معتوق، وللمفارقة لا يثير الأمر انتباه أحد، إلى حد أن معتوق الذي تسلل للمكان بعد ذلك أكثر من مرة؛ تمنى أن يصرخ في الجميع قائلا: إن هذه اللوحة التي تقفون الآن أمامها وتحملقون فيها معجبين هي من إبداعي وليست لڤان جوخ.

رحلة الصعود الكبير لغريب تتحقق سريعا، يبيع لوحة الفنان العالمي ويختفى عن الأعين تاركا شريكه معتوق يتجرع مرارة الخديعة، فقد خرج من المولد بلا حمص طبقا للمثل المصري الشهير.

بعد رحلة بحث استمرت لفترة طويلة، يلتقيان وجها لوجه معتوق ربيب الفقراء والمهمشين، وغريب الذي أصبح واحدا من الأثرياء، يقطن حي المهندسين، ويسبق اسمه لقب الفنان الشهير ويطل على المشاهدين بين الحين والأخر؛ ليتحدث عن أعماله وكلها لوحات رسمها معتوق في وقت سابق واشتراها منه بثمن بخس قبل أن يضع اسمه عليها.

يحاول غريب إنقاذ نفسه بمزيد من الصفقات الحرام، فيغري معتوق الذي لا يعرفه أحد أن يرسم أعمالا تنسب لفنان تشكيلي؛ لم يرسم في حياته لوحة واحدة، لأنه الأقدر على تسويقها بحكم علاقاته بمجتمع المشاهير والأثرياء.

يرفض معتوق؛ فيجد نفسه مهددا بالسجن، والتهمة جاهزة.. سرقة لوحة زهرة الخشخاش التي أقسم بأغلظ الأيمان أن غريب من باعها، ولم يمنحه جنيها واحدا من ثمنها، يتدخل أحد أصدقاء البطل فينقذه من الموت ببطء بين جدران زنزانة، ويدخله مستشفى الأمراض العقلية، حيث يقضى عشرة سنوات برفقة طبيب، هو الآمر الناهي في المكان قبل أن يكتشف أنه ليس سوى مريض كان يحلم بأن يصبح طبيبا، ولم يحقق حلمه إلا خلف أسوار المستشفى، حيث جاءته الفرصة سانحة، ليفعل كل ما يحلو له مستغلا غياب أطباء، ارتاحوا كثيرا لوجود مريض يسير الأمور نيابة عنهم.

بشكل عام فإن السرد يبدو متقنا، حيث نجح المؤلف في أن يخلق حالة واسعة من التعاطف مع البطل معتوق، فهو الضحية وليس الجاني وهو المسروق وليس السارق، وهو الذي يحمل في داخله جبالا من الحزن على طفلته الصغيرة زهرة التي سعى جاهدا من أجل أن يوفر لها حياة آمنة، قبل أن يغيب عنها عشر سنوات كاملة، تاركا إياها تصارع أقدارها وحيدة، ولم ينقذها إلا البسطاء من أهل المنطقة الذين تكفلوا بالإنفاق عليها عبر جمعية مالية يدفعون فيها جميعا شهريا ولا يقبضها أحد سواها.

تحولات شخصية معتوق تتجلى بشكل متتابع بعد ذلك؛ حيث يستغل موهبته الفنية في تزوير بعض العملات المالية، بعد أن رأى في التزوير حلا لإنصاف المظلومين من أبناء عزبة الوالدة، الذين يسعى غريب غريمه للإتجار بهم من جديد، بعد إعلانه الترشح لعضوية البرلمان تحت لافتة الحزب الوطني الحاكم.

تتكون الجمعية السرية للمواطنين من ثلاثة عشر فردا، أعلن معتوق أمامهم خطته واضحة، ماكينة ألمانية لتزوير العملات المالية التي توزع على أفراد الجمعية، فإذا كان الجميع قد تواطئوا على أن يسقطوهم من دائرة اهتماماتهم، فإنهم سوف يتكفلون بأنفسهم بطريقتهم الخاصة، وبعد ذلك لن يضجوا بالشكوى من الإهمال وشيئا فشيئا توسعت أنشطة الجمعية وأصبح أفرادها يتسللون ليلا إلى منازل المحتاجين والمشردين، حيث يضعون أظرفا عامرة بالأموال قبل أن يلوذوا بالفرار.

يجسد لنا المؤلف مشهدا؛ لصناعة بطل شعبي من الورق، يلتف الناس حوله حتى آخر لحظة حتى لو اضطروا أن يضحوا بأرواحهم من أجله، فغريب بعد أن صار نائبا برلمانيا يسعى جاهدا إلى كرسي الوزارة، وفي سبيل ذلك يقرر إزالة عزبة الوالدة من الوجود بشكل كامل لكن القدر لا يمهله لذلك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock