رؤى

مصر بين محمد علي.. وعبد الناصر

قبل أن أحدد على الموقف من حكامنا في تاريخ مصر الحديث، أود أن أحدد قضيتنا في سياقها الحقيقي أولا.. فأنا أعتقد أن تاريخنا الحديث يبدأ بالحملة الفرنسية على مصر عام ١٧٩٨، والتي بدأ بها الصراع بين أطماع السيطرة الإمبريالية الغربية والإمبريالية العثمانية المملوكية على بلادنا التي طال فقد دولتها لقرون عديدة. حيث بدأت عودة الروح المصرية فثارت على الحكم العثماني عام ١٨٠٥، بزعامة السيد عمر مكرم، وعزلت الوالي العثماني في سابقة تحدث لأول مرة في  ولاية عثمانية؛ فنصبوا محمد على واليا عليهم؛ لكنه غدر بهم ونفى زعيمهم وحاول أن يبني امبراطورية علوية، لكن نظرا لعجزه عن رؤية خريطة المصالح والقوى الدولية وفشله في بناء تحالفات دولية تحقق هدفه – فشل واستسلم عام ١٨٤٠، في معاهدة لندن التي أجبرته على تخفيض الجيش من ٢٥٠ ألف إلى ١٨ ألف، وفتح الاقتصاد المصري.. وهي أهداف إمبريالية واضحة؛ لكننا لا نستطيع أن نقول أنه ترك مصر كما كانت، فقد ترك لمصر هيكل دولة حديثة، أفاد منها الشعب المصري في تاريخه الحديث.

صحيح أن أحفاده لم يستطيعوا الحفاظ على بقية دولته، بسبب بذخ إسماعيل الذي أعطى الفرصة والذريعة للإمبريالية الغربية، في نصب الفخ له فسقط في الدين، فكانت بداية التدخل الغربي وصندوق الدين. وعندما وصلت طلائع الشعب المصري لقيادة الجيش لأول مرة منذ قرون، وبالتحديد منذ تدهور الدولة المصرية القديمة في القرن السادس قبل الميلاد، وذلك بثورة عرابي العظيمة  التي طالبت بتمصير القيادة والدستور، استعان الخائن توفيق عليها بالإمبريالية البريطانية، التي احتلت البلاد عام ١٨٨٢، وحلّت جيش محمد على، وأحلّت محله جيشا صغيرا بقيادة إنجليزية، وجاء اللورد كرومر؛ فهندس النظام المصري؛ ليضع الأساس للسيطرة البريطانية لسبعين عاما، وقضى على ما تبقى من اقتصاد محمد على وإسماعيل، واستمر يحكم مصر حاكما فعليا لمدة ٢٥ سنة.

الخديوي إسماعيل
الخديوي إسماعيل

لم يكن ذلك بلا مقاومة مصرية، بل ظهر مصطفي كامل الذي تمكّن من خلع كروم عام 1907، بعد حادثة دنشواي.. حتى أن بلفور في حديث له في مجلس العموم البريطاني، عن مشاكل بريطانيا في مصر عام 1910، ذكر كتاب ألفريد ملنر الذي وضعه عام 1892، ويقول فيه “أن الاحتلال الذي كان مفيدا في يوم ما، قد أصبح مصدرا للمتاعب بعد ارتفاع مد الوطنية المصرية، ولم يعد من السهل الدفاع عن استمرار الوجود البريطاني في مصر”.

وجاءت الحرب العالمية الأولى ١٩١٤- ١٩١٨، لتستغل بريطانيا الفرصة، فتلغي السيادة العثمانية الشكلية على مصر وتعلن حمايتها، وتعين لمصر سلطانا هو حسين كامل، وعندما توفي تولى أحمد فؤاد.. وتحملت كل طبقات المجتمع المصري أعباء الحرب ويلاتها وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

وما إن وضعت الحرب أوزارها حتى تطلعت مصر لإنهاء الحماية وإعلان الاستقلال، فيقابل سعد زغلول وصاحباه المندوب السامي البريطاني، للحصول على تصريح بالسفر للمفاوضة حول ذلك، فيرفض وتتولى الأحداث حيث تنفي قيادة الاحتلال سعد زغلول وثلاثة من قادة الوفد إلى مالطا. فتهب ثورة شعبية مصرية لا مثيل لها، تفرض على الاحتلال الإفراج عن سعد وصحبه بعد مرور شهر على نفيهم، ليسافر سعد على رأس وفد إلى باريس أملا في عرض القضية المصرية على مؤتمر الصلح.

مصطفى كامل
مصطفى كامل

لكن قبل أن يصلوا باريس يعلن نلسون الرئيس الأمريكي وكليمنصو رئيس مؤتمر الصلح الاعتراف بالحماية البريطانية على مصر، ومع ذلك يظل سعد زغلول مدة عامين في باريس، يقود الثورة من باريس ولندن بالمراسلة، في الوقت الذي أرسلت بريطانيا لجنة ملنر لمصر في ديسمبر ١٩١٩، للتحقيق في أسباب الثورة، وهي في الحقيقة تخطط لاستكمال ما بدأه اللورد كرومر.

مع إرساء نظام سياسي دستوري وهمي، هو نظام ٢٨ فبراير عام ١٩٢2، ظلت مصر في وضع سياسي عبثي تفاوض على جلاء القوات البريطانية؛ حتى إلغاء المعاهدة عام ١٩٥١، وسقوط ذلك النظام عقب حريق القاهرة، وبعد اعتداء قوات الاحتلال البريطاني على مديرية أمن الإسماعيلية حيث قتلت وجرحت أكثر من ٨٠ من أفرادها وأسرت الباقي.. وفي ٢٦ يناير1952، أمر الملك فاروق، النحاس باشا رئيس الحكومة، بإعلان الأحكام العرفية، ثم أقاله وحل البرلمان المنتخب، فذهب باشوات الوفد إلى منازلهم، وظل الملك يتخبط ستة أشهر. ثم كانت حركة الجيش في٢٣ يوليو ١٩٥٢، التي أسقطت نظام كبار الملاك وأبنائهم، الذي أقامه اللورد كرومر واللورد ملنر مدة ٧٠ سنة.

وقبل أن نتحدث عن انقلاب يوليه ١٩٥٢، الذي أصبح ثورة يوليه بحق، لابد أن نشير إلى انتفاضتي الشباب عام ١٩٣٥، وعام ١٩٤٦، فخلال الفترة التي تلت ثورة ١٩١٩، والتي أسسها اللورد ملنر كما سبقت الإشارة، عطّل الملك فؤاد الدستور أو ألغاه خلال فترة حكمه وفقا لنظام 28 فبراير ١٩٢2 – ١٩٣٦، ورغم أن الملك فاروق لم يفعل ذلك، فلم يلغ الدستور، لكنه زور الانتخابات وحل البرلمانات خلال فترة حكمه 1936- 19٥٢. وخلال نظام ٢٨ فبراير الذي امتد لثلاثين عاما، لم يحكم الوفد حزب الأغلبية سوى نحو ست سنوات متفرقة، منها عامين بأمر الإنجليز عام ١٩٤٢ – ١٩٤٤، لضبط الشارع لصالح الانجليز أثناء الحرب العالمية الثانية، واعتقل الوفد في تلك الفترة خصومه وخصوم الإنجليز.

جانب من مظاهرات الطلبة عام 1935
جانب من مظاهرات الطلبة عام 1935

أما ثورة الشباب عام ١٩٣٥، فكانت ضد الملك فؤاد والإنجليز والأحزاب، لإعادة الدستور والاستقلال، فعاد الدستور وشكلت الأحزاب جبهة وطنية فاوضت الإنجليز كانت نتيجتها معاهدة ٣٦، التي لم تنجح في تحقيق الجلاء ولكنها رفعت عدد طلاب الكلية الحربية من اثني عشر طالبا عام ٣٥ إلى ٢٥٠ طالب عام ٣٦، حيث التحق بها – ويا للمفارقة – بعض من الشباب، الذي شارك في ثورة ٣٥، وشاركوا في انقلاب 52. ولما انتهت الحرب العالمية الثانية، ولم تنفذ بريطانيا الجلاء كما ورد في معاهدة ٣٦، ثار الشباب مرة أخرى عام ١٩٤٦، واضطر الوفد لإلغاء معاهدة ٣٦ عام 1951. ونظرا لعدم تمكن المجتمع المدني من تحقيق الأهداف الوطنية، لم يكن أمام شباب الضباط بعد كل هذا سوى الانقلاب العسكري لتحقيق تلك الأهداف.

لقد قرأ عبد الناصر خريطة النظام الدولي كما لم يقرأها محمد على، فتواصل مع الأمريكان الذين تتناقض مصالحهم مع السيطرة الأنجلو فرنسية في النظام العالمي، عبر اتصال ضباط من رفاقه في الصف الثاني، وتمكن عبر مفاوضات الجلاء عام ٥٤ من إجلاء الإنجليز لأول مرة منذ ٧٠ سنة، ولما طلب تسليحا للجيش من بريطانيا ومن أمريكا، وقُوبل بالرفض.. توجّه بالطلب إلى الاتحاد السوفيتي فكانت صفقة ٥٥ أول تسليح للجيش المصري منذ محمد على. وقد كون تكتلا دوليا عام ٥٥ هو كتلة عدم الانحياز ليواجه القوتين الأعظم.  وكان قد غير الهيكل الاجتماعي بعد ٦ أسابيع من الانقلاب بإعادة توزيع الأرض الزراعية، وإنهاء سيطرة طبقة كبار الملاك التي كونها اللورد كرومر لتكون ركيزة الاحتلال. ثم بدأ في بناء الاقتصاد من خلال نظام رأسمالي لمدة ٩ سنوات، لكن عندما وجد ذلك غير كافٍ لتحقيق نهضة اقتصادية واجتماعية، اختار تدخل الدولة والتخطيط المركزي، وعندما نجحت الخطة الخمسية الأولى، بدأت أمريكا في شن حرب اقتصادية عليه، بوقف توريد القمح بالجنيه المصري، فأصبحت هناك أزمة نقد أجنبي، فلم يتمكن من إتمام الخطة الخمسية الثانية، واستبدل بها التخطيط السنوي، فكان عدوان ٦٧، الذي كان هزيمة عسكرية كبيرة. لكنه لم يكن هزيمة سياسية، فلم يستسلم عبد الناصر بل أعاد تنظيم وتسليح وتدريب الجيش المصري بأحسن مما كان وخاض حرب الاستنزاف التي تحولت إلى حرب حقيقية، جعلت أمريكا تقدم مبادرة روجرز، والتي تهدف لبحث تسوية سلمية، قبلها عبد الناصر لأسباب ذكرها شارون في مذكراته حيث يقول “لقد دهشت إسرائيل لقبول ناصر مبادرة روجرز، لأن عدد قتلانا كان في ازدياد، والكوماندوز المصريين، كانوا يقطعون خطوط إمدادنا، والمدفعية المصرية، لو أطلقت طلقة كل ساعة كانت تسبب لنا إزعاجا، والطلبة كانوا يتظاهرون ضد رئيسة الوزراء، وكانت الرقابة تمنع أعمالا فنية، تسخر من الجيش الإسرائيلي. ولكن عندما حرّك ناصر قواعد الصواريخ نحو القناة، وأصبحت طائراتنا لا تستطيع أن تصل للمجال الجوي للقناة، أدركنا لماذا قبل ناصر المبادرة وأيقنا أن المصريون سيعبرون”.

غارات حرب الاستنزاف
غارات حرب الاستنزاف

ويذكر هنري كيسنجر في مذكراته أن أمريكا فوجئت بقبول ناصر مبادرة روجرز وكادت الحكومة الأمريكية أن تطير فرحا. وفي موضع آخر يذكر كيسنجر في مذكراته أنه لم يكن من عادته حضور احتفالات السفارات الأجنبية إلا أنه قبل دعوة لحضور أمسية يوم ٢٢ سبتمبر ١٩٧٠، في مقر البعثة المصرية في واشنطن “التي ليست سفارة لأننا كنا قد قطعنا علاقتنا بها بعد عدوان ٦٧” وفسر ذلك بقوله “لكي يعلم العرب أن السياسة الأمريكية ليست معادية لهم”.. أي أن أمريكا كانت تخاطب العرب من مقر البعثة المصرية في واشنطن. وتقدم المبادرات لتخفيف الحرب عن إسرائيل.

على المستوى الاقتصادي، استمرت المشروعات الاقتصادية و لم يتوقف بناء السد العالي وتم سنة ٧٠ ولم ترتفع الأسعار والحرب كانت على أرضنا، ورغم تهجير ثلاثة مدن إلا أن أحدا لم يبت في الخيام.. وغادر عبد الناصر الحياة في ٢٨ سبتمبر1970، وقد ترك جيشا محاربا واقتصادا قويا ومصدرا للسلاح. وطبقة متوسطة غير مسبوقة في تاريخ مصر، بسبب التعليم المجاني والخدمات الصحية في جميع القرى والأحياء، ووصلت تحويلات العاملين في الخارج عام ٢٠٢١ إلى ٢١.٨ مليار دولار، ورسوم المرور في قناة السويس في نفس العام بلغت٦.٣ مليار دولار بما يقارب الصادرات غير البترولية.

 

أما محمد على باشا التوسعي، المنتصر على الدولة العثمانية، فلم يقرأ خريطة المصالح والقوة في العالم، ولم يدرك أن أوروبا لم تكن لتسمح له بإسقاط دولة الرجل المريض فتفتح الطريق للإمبراطورية الروسية نحو المياه الدافئة، فلم يتحالف مع فرنسا والإمبراطورية الروسية، كما فعل قبله بعقدين على بك الكبير، أو اكتفى بسوريا والبلاد العربية، فكانت معاهدة لندن التي فرضت شروط المهزوم فاستسلم وهو المنتصر.

وأما ما حدث لمصر فقد حدث بعد عبد الناصر، فمن استسلم هو السادات الذي سلَّم كل مقدرات مصر لأمريكا يدا يد، وأدار حرب ٧٣ بتوجيهات كيسنجر.

جمال عبد الناصر كان زعيمًا استثنائيًا في تاريخ مصر، وهو لم يمت ولن يموت لأنه تجربة تاريخية رائدة، غيّرت مصر والعرب والعالم الثالث.. بل العالم كله.  ولذلك تآمرت عليه القوى العظمى وذيولها العربية عام ٦٧.. لذلك فهو تجربة باقية ما بقيت الإمبريالية.

حسني كحلة

باحث في الاقتصاد السياسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock