رؤى

الدكتور مصطفى محمود في ذكرى الرحيل

أصوات: تنشر أصوات هذا المقال للكاتب والباحث  الكبير الأستاذ صلاح زكي عن الدكتور مصطفي محمود عملا بحرية الرأي والتعبير.. وإن كانت تُسجِّل هنا أنها بوصفها موقعا يدعم الاستنارة والتقدم والمواطنة.. ويعتبر نفسه امتدادا لتيار الاستنارة والحداثة المصرية والعربية، من أول رفاعة الطهطاوي مرورا بالإمام محمد  عبده.. وانتهاءً بالعميد طه  حسين إنما  تختلف اختلاف جوهريا مع أفكار د. مصطفى محمود.

كما تُسجِّل أن المواقف الفكرية للدكتور مصطفي محمود، قد صبت في النهاية في تيار رجعي مُعادٍ للاستنارة، ودور المرأة ودور الفن الراقي، وقد استفادت منه قوى وجماعات الإسلام السياسي في إعاقة التقدم والنهضة والدولة المدنية المصرية متضافرة  مع عوامل أخرى، مثل الاستبداد والحرمان الاقتصادي.

—————————————

منذ سنوات بعيدة كنت من الذين يأخذون موقفا مُتحفظا من الدكتور مصطفى محمود -رحمه الله- بعد أن اندلعت بينه وبين بعض أساتذة ومفكري اليسار معركة كبيرة، كان أشهرها معركته مع الأستاذ محمود أمين العالم والتي سجلها في كتابه الشهير والجميل “معارك فكرية”.

وكذلك تعددت المعارك مع رموز أخرى ومقامات عالية في حياتنا الفكرية تنوعت مصادرها السياسية،  واختلفت منابعها الفكرية وتوجهاتها الثقافية، مثل الدكتور زكي نجيب محمود، فيلسوف مصر والعرب الكبير، والفلسفة الوضعية المنطقية، والمحسوب على الفكر الليبرالي غير اليساري، ودخل زميل محمود في كلية الطب، صاحب التوجه اليساري في الأدب والفكر، أديبنا العبقري يوسف إدريس في المعركة.. ثم اتسعت المواجهات فشملت الكثير من مفكري هذا الزمن الجميل فكان الدكتور لويس عوض بقامته الفكرية والثقافية، ممن اختلفوا مع اجتهادات الدكتور مصطفى محمود كثيرا وعميقا.

كُنت أنا وغالبية أبناء جيلي من الذين يأخذون موقف اليسار، وكان الموقف من كتابات الدكتور مصطفى يُماثل موقف أعمدة هذا الفكر ورموز تلك الثقافة، غير أنني انتبهت لقيمة ما كتبه هذا المفكر الذي أثار الجدل والنقاش في ساحتنا الفكرية والثقافية والأدبية، عندما كتب في عام ١٩٦٨، بمجلة “صباح الخير” الأسبوعية التي تصدر عن مؤسسة روزا اليوسف – سلسلة من الدراسات الإسلامية المُثيرة، كان عنوانها “تفسير عصري للقرآن الكريم”.

تفسير عصري للقرآن

فخرجت عليه هذه المرة جبهة من المعارضة القوية، لا من جبهة اليسار، بل من جبهة أخرى أمضى سلاحا وأعلى صوتا.  حمل لواءها عدد من شيوخ الأزهر الشريف، وغيرهم.

كانت الردود عليه في كثير من الأحيان بالغة العنف، ولم يكن الجدل معه بـ “التي هي أحسن” بل بالتي هي أعنف!

حينها تعاطفت مع الرجل، غير أن هذا التعاطف ما لبث أن تحوّل إلى حُبٍ واهتمام، فقد كانت الدكتورة عائشة عبد الرحمن الملقبة بـ”بنت الشاطئ” أستاذة الفلسفة الإسلامية في الجامعات المصرية والعربية، وصاحبة الكتاب الرائد “سيدات بيت النبوة” هي أول وأهم من ناقش الدكتور مصطفى بالحُسنى وبالتي هي أحسن.

تحدثت الدكتورة “بنت الشاطئ” حديث العالم الخبير والفقيه المُعتبر، وهي بنت الأزهر العريق، وتلميذة وصاحبة بيت سيد العلماء، الشيخ أمين الخولي، أستاذ الفلسفة الإسلامية العظيم.

ردت علي د. عائشة على د. محمود، في سلسلة من المقالات نُشرت في الملحق الأسبوعي الشهير الذي كان يصدر كل يوم جمعة عن مؤسسة الأهرام، وبعد ذلك جمعت المقالات في كتاب صدر عن دار المعارف المصرية.

وقد أخذت عليه الدكتورة الكثير من تشبيهاته الأدبية للأنبياء والروح الأمين (جبريل عليه السلام) والعشرات من تخريجاته لعدد من الآيات والسور، فضلا عن وصف الدكتور لما كتبه بـ “تفسير عصري للقرآن الكريم” وهو الأمر الذي رأت فيه “بنت الشاطئ”، جُرأة على فرع من العلم الديني لا يقترب منه سوى من تخصص في علوم التفسير والعقيدة والفقه، وأخذ هذا العلم من شيوخ وأئمة الأزهر الشريف مأخذ الجد.  مهمة لا يقترب منها سوى من كان أهلا لتلك المهمة الجليلة.

عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ
عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ

بعد أن تابعت قراءة ما كتبته الدكتورة “بنت الشاطئ” كُنت في غاية اللهفة والاشتياق لرد الدكتور مصطفى محمود، على ذلك النقد والنُصح المُهذب والدقيق، وكانت المفاجأة أن تخلّى الرجل عن عناده القديم واعتزازه البالغ بشخصه وباجتهاده  وبما يكتب.

فقد اعترف بما وقع فيه من بعض أخطاء، وكان مبعثه في ذلك “أن المؤمن يُثاب مرتين بالخير إذا اجتهد وأصاب، ويُثاب بالخير مرة واحدة في حالة إذا اجتهد وأخطأ”.

فضلا عن تراجعه عن وصف ما كتبه بأنه “تفسير عصري” فصدرت تلك السلسة عندما جمعت في كتاب  بعنوان دقيق ومُعبر، هو “نحو فهم عصري للقرآن الكريم”.

أي  أن كل منّا يملك رؤيته بما يجود عليه الله من فهم، وليس بما يأتي به من تفسير يُلزم به من يقرأ أو يستمع، والكتاب  في ظني، هو واحد من أهم ما كتبه الدكتور مصطفى محمود.

هنا اعتدلت الرؤية للرجل، وتحددت منزلته عندي، وعند الكثيرين من أبناء جيلي.

لقد أُعجبت بشجاعة الدكتور وتنازله عن كبريائه المعهود، وعناده الأصيل!

لقد أحببته عن صدق، وتابعته عن يقين، واهتممت بقدرته المُدهشة على التفكير غير المُعتاد وغير المألوف والجريء، حتى أنني أرى في الدكتور مصطفى محمود والدكتور لويس عوض، وجهين لعملة واحدة، فكلاهُما سلكا “طريق الاجتهاد في غير المُتعارف عليه ، وطرقا أبوابا مغلقة، والسير في طرق وعرة، واعتلاء جبال وهضاب لم يعتليها أحد”.

كان تفكيرهما كما يقولون بلغة هذه الأيام “التفكير خارج الصندوق”.

غير أنني أُصنف الحصيلة الثقافية لما تركه الدكتور مصطفى محمود، من دراسات وكتابات وصلت إلى نحو مائة كتاب، وأغلبها من الحجم المتوسط، إلى ثلاثة أصناف، أولها: الكتابات السياسية، وثانيها: الأعمال الأدبية من مسرحيات وروايات وقصص، ثم ثالثا: دراساته في الفكر الإنساني والإسلامي.

وموقفي من غالبية ما كتبه على صعيد الفكر السياسي، وخصوصا ما يتعلق باليسار والاشتراكية وغيرها من تلك القضايا، فإني أعتبر ما كتبه الدكتور، قد جانبه الصواب، بل كان انعكاسا لمعارك سياسية وتوجهات يمينية، وقتية وعابرة، توجهات ارتفع ضجيجها مع بداية عقد السبعينيات من القرن الماضي، عصر الانفتاح الاقتصادي والتحالف مع أمريكا والغرب، زمن الرئيس السادات.

أما ما يتعلق بأعماله الأدبية، من مسرحيات وروايات، فلا يعد الرّجُل من المُبدعين الكبار لهذا الفن، سواء في مصر أو في غيرها.

ثم يأتي الاجتهاد على صعيد الفكر الإنساني والإسلامي، فإني أرى -كما يرى الكثيرون- أن ما سوف يبقى عبر الأجيال والزمن هو ما تركه الدكتور محمود، من هذا الصنف من الكتابة، فلا يستطيع مُنصف للحقيقة أو دارس مُتعمق فيما كتبه،  سوى تقديم عظيم الاحترام، وكثير من الإعجاب، وبالغ الدهشة.. لما قدمه هذا المُفكر الكبير من اجتهاد ورؤى على هذا الصعيد، اجتهاد لا يفخر به الرجل، ولكن يفخر ويعتز به كل مصري وكل عربي، بل وكل من ينتمي للإنسانية.

رحم الله عبده المؤمن الزاهد النبيل مصطفى محمود الذي صرّح وفي ذروة نضجه، وفي حضور عشرات من تلاميذه، وعدد كبير من مُفكري عصره، وشيخ من شيوخ مصر العظام، الشيخ “محمد الغزالي” رحمه الله، أن قال الرجل، وأمام هذا الجمع الحافل: “أنه ذات يوم، سأل نفسه سؤالا امتلك عليه وجدانه: كيف أُقابل الله بشوية ورق، حتى لو بلغت عشرات الكتب، وشوية كلام حتى لو بلغت مئات الحلقات من البرنامج التلفزيوني “العلم والإيمان”؟

قام الرجل الصادق بالرد على سؤاله، قائلا:

“ما كان عليّ سوى تقديم ما هداني إليه الله، بتقديم عمل صالح دائم، “جمعية مصطفى محمود لأعمال الخير”.  عمل مؤسسي مُستمر من أعمال الخير، يبقى بعد أن أموت، ولا يموت بموتي، عمل أقدّمه للفقراء والمساكين وأبناء السبيل، ويساعدني عليه كل قادر أو غير قادر، حتى لو كانت مساهمته بضعة جنيهات، عمل يقدّم العون لكل من يحتاج للعون، وينتظر علاجا لمرض، أو مساعدة في علم. عمل ليس إحسانا من مُتعاطف، أو كسرة خُبُز يُلقي بها رجل أعمال أو وجيه من وجهاء الزمن اللئيم في أيدي فقير مُحتاج، أو مريض استوطنه المرض ينتظر علاجا، أو يتيم يبحث عن رعاية ومأوى  بعد تشرد وضياع.

رحمك الله يامن كنت مُهتديا الى الصواب، وكنت هاديا إلى العطاء النبيل، ومُرشدا للخير لكل قادر عَلى العطاء بغير من أو إحسان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock