رؤى

“يا أخت هارون” قراءة في العلاقة بين مريم “العذراء” ومريم “والنبية”!

لا يختلف المسلمون والمسيحيون على مكانة مريم العذراء عليها السلام، بل يقرر الحديث النبوي أنها أفضل نساء العالمين قاطبة، وقد شغلني، كما شغل الكثيرين غيري، حديث القرآن وقصصه عن مريم العذراء الصدّيقة عليها السلام، وخاصة نداءها ومخاطبتها على لسان اليهود بعد أن جاءتهم بوليدها المسيح عليه السلام بقولهم: “يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا” مريم آية (٢٨ ﴾، حيث تُعدّ هذه الآية من الآيات المشتبهات التي تثير الشبهة قديما وحديثا، فالزمن بين مريم وهارون وموسى لا يقل عن ألفٍ وخمسمائة عام، وهي شبهة أثيرت في وجه الصحابة والتابعين، وتواجه مفسري القرآن في كل زمان ومكان، وسنحاول في هذه المقال كشف هذا الشبهة وتفنيدها إزالة للبس القائم حولها.

ذكر الإمام والمفسر المشهور ابن جرير الطبري (توفي سنة 310 هجرية) العديد من طروحات هذه الشبهة، التي يقول مقتضاها أن ثمة خلطا إسلاميا وقرآنيا، بين مريم أم المسيح عليهما السلام، ومريم ابنة عمران أخت موسى وهاورن عليهم جميعا السلام، يؤكد هذا النداء والخطاب المُشار إليه، وهي شبهة قديمة واجهت الصحابة وأمهات المؤمنين منذ القرون الأولى.

 وربما كان كعب الأحبار أول من طرح هذه الشبهة، وإن كانت واضحة، أمام أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها، حيث قال ابن سيرين: “نُبّئت أن كعبا قال: إن قوله ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ ليس بهارون أخي موسى، قال: فقالت له عائشة: كذبت، قال: يا أمّ المؤمنين، إن كان النبيّ -صلى الله عليه وسلم- قاله فهو أعلم وأخبر، وإلا فإني أجد بينهما ستّ مئة سنة، قال: فسكتت” وهكذا حسب الرواية لم تستطع السيدة عائشة الرد.

وكذلك لم يستطع المغيرة بن شعبة الرد على أهل نجران حين أرسله النبي محمد صلى الله عليه وسلم إليهم فسخروا منه وقالوا له: ألستم تقرءون ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ ؟ فقال: بلى وقد علمتم ما كان بين عيسى وموسى، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، فقال: “ألا أخْبَرْتَهُمْ أنَّهُمْ كانُوا يُسَمّونَ بأنْبِيائِهمْ والصَّالِحِينَ قَبْلَهُمْ”.

وروي أهل القصص قصصا غير صحيحة من قبيل أن لمريم  العذراء أخا يسمى هارون آخر، وهو أمر غير صحيح، أو نسبة لرجل صالح أو فاسد في زمانها كذلك وهو ما لم يثبت، وغير صحيح كذلك.

ومن التخريجات ومحاولات الرد على هذه الشبهة حملها على لغة العرب، وأنه يقال أخا تميم وأخا مضر وما شابه، فقيل لمريم يا أخت هارون! كونها تنسب إليه، كما ينسب العربي لقبيلته، وهذا ليس صحيحا أيضا لأن مريم من نسل داود من سبط يهوذا من ناحية أبيها، لكنها ليست من بيت هارون عليه السلام في هذا السبط، فقد أخطأ السدي في تفسيره حين قال:  كانت من بني هارون أخي موسى، وهو كما تقول: يا أخا بني فلان! فهي ليست من نسل هارون عليه السلام، وإن كانت أمها من نسل هارون حسب المصادر المسيحية، فأمها حنة ابنة ماثان بن لاوي بن ملكي من نسل هارون عليه السلام، ولكن العلاقة بعيدة حتى تنسب للإخوة مع هارون.

وحنا وهي زوجة عمران كما يسمى عند المسلمين أو يواقيم حسب “السنكسار” أو هالي حسب إنجيل لوقا، فلم يرد نسب مريم صريحا في الكتاب المقدس، واختلف بين الطوائف المسيحية في أن لها أبناء غير المسيح من يوسف النجار بعد مولد المسيح سموا أخوة الرب أم أنهم أبناء أختها على كون العذرية أبدية لها.

والصواب في رأينا -الذي سنطرحه في هذا المقال- الذي أرجو أن يكون حلا وردا للشبهة ورفعا لها في هذا الإشكال التفسيري برأينا، هو أن نداء مريم عليها السلام في قوله تعالى: “يا أخت هارون” يقصد به المماهاة والمقارنة بين حالها الذي تتهم فيه من قبل اليهود، وبين حال مريم النبية ابنة عمران أخت موسى وهارون، التي يقدسونها ويجلونها.. خاصة مع تأكيد وتقرير النص القرآني بأنها ابنة عمران أيضا، وأن عمران اسم ابيها، وهو ما يؤكد حال الإنكار والمقارنة، فاليهود يسخرون منها كونها سَمِيّة لمريم النبية ابنة عمران أخت موسى، والتي حملت لقب النبية، ويشبه اسم أبيها أباها، ويبدو أن مريم عليها السلام تسمت على اسمها لمكانتها بين اليهود، فاسم مريم كان مبجلا وكثيرا بين بنات ونساء اليهود والعذراء نفسها كانت لها أخت تسمى مريم أيضا وهي زوجة كلوبا أو حلفي، ومريم أخت لعاذر ومريم أم مرقس الرسول، ما يدل على ذيوع وتكرار الاسم حتى داخل الأسرة الواحدة.

يذكر أن النبوة جائزة للنساء عند أهل الكتاب، وأجازها بعض الأشاعرة ومتكلمو المسلمين استنادا لقصة مريم عليها السلام، ووحي الله لها، أما مريم النبية فقد كانت ابنة عشر سنين حين ولد موسى عليه السلام، وهي التي تقصته ونصحت زوجة فرعون – حسب القرآن دون أن يذكر اسمها أو ابنته حسب التوراة- بأن تحضر لها مرضعة للطفل، كانت يوكابد أمه، وقد ماتت في قادش حسب سفر العدد في التوراة.

فالنداء بـ”يا أخت هاورون” “إشارة إلى التماهي والتقارب بين حال واسم العذراء مريم ومريم النبية التي تساميها وتشابهها، وقوة الدهشة أن يأتي منها ذلك الذي رموه به؟! وهو ما تتمكن به نبرة السخرية والازدراء، خاصة أن اسم يواقيم لابيها انفرد به السنكسار، كتاب سير القديسين، واسم هالي انفردت به بشارة لوقا، ولم يرد النسب مسلسلا صريحا في الكتاب المقدس..والقرآن كأنه بهذا الخطاب يؤكد على فرضيته أن اسم أبيه هو عمران أو عمرام كاسم أبي موسى، فضلا عن صلاح حالها وأسرتها وقراباتها ومكانتها الدينية المعروفة بين اليهود.. كانت هذه محاولة لفض الاشتباه والاشتباك من مدخل الأسلوب واللغة والتماهي التاريخي فقط؛ مما قد يقوي التفسير ويرفع الشبهة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock