مختارات

حافة الهاوية في غزة.. والتفاوض تحت النار بالقاهرة

بقلم: حسين عبد الغني، إعلامي وصحفي مصري

نقلًا عن موقع عُمان

حسين عبد الغني

لا يشتري هذا المقال البضاعة الفاسدة التي يروج لها الأمريكيون والإسرائيليون في السوق السياسي من أن هناك خلافا كبيرا بين بايدن ونتانياهو وأمريكا ووكيلها الإقليمي حول الأهداف الخاصة بحرب طوفان الأقصى.

باعتراف بايدن ومستشاره للأمن القومي في تصريحات مترادفة (نشارك إسرائيل الأهداف نفسها في حرب غزة وهي القضاء على حماس والجهاد وإنهاء وجودهم في القطاع والتأكد من عدم تشكيلهم أي تهديد لإسرائيل في المستقبل وعدم تكرار هجوم ٧ أكتوبر آخر، وسنواصل مد إسرائيل بكل ما تحتاجه من سلاح حتى تقضي على حماس والتأكد من نزع سلاح غزة بعد ذلك).

لا يصدق المقال هذه الكذبة التي انجرفت في عملية ترويجها للأسف دوائر سياسية عربية ووسائل إعلام عربية فحسب بل يتحداها ويقول إن العكس هو الصحيح.

فحقيقة الأمر هو أن مخططا مرسوما بدقة من مؤسسة الأمن القومي الأمريكي التي تقود السياسة الخارجية الأمريكية قيادة شبه مطلقة «في عهد بايدن» بالتشارك مع مؤسسة الأمن القومي الإسرائيلي يستهدف توجيه وقيادة مفاوضات القاهرة حول الأسرى والهدنة نحو مسار سياسي مستقبلي تخرج فيه واشنطن وتل أبيب منتصرتين. مسار مستقبلي لشرق أوسط يخرج فيه الفلسطينيون وقضيتهم خاسرين ويخرج منه العرب أكثر خضوعا وامتثالا للهيمنة الأمريكية المستمرة الجاثمة على عقولهم وصدورهم منذ نصف قرن!!.

تتلخص هذه الاستراتيجية في ممارسة أكبر ضغط على وفد حماس في المفاوضات وتضمن هذا الضغط ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وعمليات قتل لعشرات الألوف من النساء والأطفال وكبار السن ومن إبادة وتطهير عرقي ممنهج على الشعب الفلسطيني في غزة.

وتضمن، أيضا، تسيير جسر جوي عسكري منتظم من أمريكا وحلف الأطلسي لإسرائيل يتعمد توسيعا مذهلا لحالة الخلل في ميزان القوى العسكري بين إسرائيل «رابع جيش في العالم» وبين فصائل المقاومة المعزولة في جيب محاصر لم تتلق من عالمها العربي طلقة ذخيرة واحدة بل تلقت منهم الخذلان ونشر اليأس وتثبيط الهمم.

هذه الاستراتيجية الأمريكية -الإسرائيلية- المنسقة يمكن تلخيصها في جعل المفاوضات تتم تحت النار وسياسة حافة الهاوية المحسوبة بحيث تخلق كعب أخيل فلسطيني في غزة يضغط على أعصاب المقاومة ويدفعها لتقديم تنازلات كبرى، شرطها الأساسي أن تجري مباحثاتها تحت غارات الطيران وقصف المدافع والدبابات وتهديدات الاجتياح البري ولكن في إطار تصعيد محسوب في الحرب. الغارات العسكرية الإجرامية -التي تقرها واشنطن سرا وتتحفظ على بعض جوانبها علنا- التي أمر بها نتنياهو في الأيام الماضية على محافظة رفح جنوب غزة والخطط المعلنة لاجتياحها بريا وما قد يقود إليه ذلك من مجزرة كانت موجهة لرفح قتلا وذبحا ولكن عينها كانت على القاهرة ورسالتها السياسية الحقيقية هي إلى مفاوضاتها الرباعية «أمريكا – إسرائيل – مصر- قطر» مستهدفة التأثير على مساراتها وخواتيمها.

الهدف من التصعيد الأخير في الأيام الماضية بالتدمير والقتل سواء بالقصف أو بخلق مجاعة تهدد نحو 1.5 مليون شخص من سكان القطاع تكدسوا في رفح هو جعل انهيار الوضع الإنساني وما قد ينتظرهم من حمام دم ومجازر نقطة ضعف للمقاومة التي لا تريد حاضنتها الشعبية التي صمدت معها أن تصل إلى نقطة الموت قتلا أو جوعا أو بردا أو مرضا.

الهدف من التصعيد أيضا هو خلق إيحاء وشعور لدى الجميع بأن المنطقة والعالم عليها أن تتعامل مع نتانياهو وكأنه «نيرون» جديد قد يغامر بحرق المنطقة كلها ولن يتورع عن عمل مجزرة بشعة في رفح تبدو معها مجزرة صبرا وشاتيلا نزهة خلوية، وتهدد بأن تتجدد معها احتمالات فرض سيناريو تهجير قسري أو طوعي على مصر وسيناء.

لكن المقاومة هنا لا تزال قادرة على مكافحة هذه الضغوط، وتستطيع أن تصمد وتقوي قلبها أمام هذا الوجع على أهلهم في غزة إذ إنها تعلم علم اليقين أن الفلسطينيين من النهر إلي البحر سينقلبون عليها فعلا لو قدمت تنازلات تجعل تضحياتهم المهولة من مقتل وإصابة ١٠٠ ألف مدني وتدمير ٩٠٪ من القطاع بلا ثمن سياسي ووطني يكافئ هذه التضحيات.

وهنا يأتي الشق الثاني من التخطيط وهو محاولة تحويل الأطراف العربية المشاركة في المفاوضات بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر فيها عبر مجموعات تلقت ضوءا أخضر من واشنطن وشملت اجتماعاتها عدة دول عربية أحيانا وشملت أحيانا أخرى هذه الدول ولكن مضافا إليها تركيا عضو حلف الأطلسي. تأمل واشنطن من هؤلاء الحلفاء الإقليميين أن يعملوا كروافع للتأثير على المقاومة لتجنيب شعبها مذبحة كبرى في رفح بتقديم تنازلات في مواقفها التي ثبتت عليها كالصخرة وهي مبادلة الأسرى الإسرائيليين لديها في غزة منذ ٧ أكتوبر بوقف شامل لإطلاق النار، وانسحاب تام للاحتلال من غزة، وإطلاق سراح آلاف الأسرى الفلسطينيين من سجون إسرائيل.

الفكرة هنا أنه سيكون بمقدور واشنطن أن تهمس في أذن السلطة الفلسطينية ودول عربية حليفة ومعهم تركيا أنه إذا أرادوا تجنب مجزرة أو تهجير الفلسطينيين إلى سيناء فليس أمامهم حيال جنون «بيبي ملك إسرائيل»: عليكم أن تساعدونا في تليين قناة حماس ودفعها للقبول بتغيير مواقفها.

تغيير يعني عمليا أن تتنازل حماس عن أهم ورقة استراتيجية في يدها وهي الأسرى الإسرائيليون وعن نصرها العسكري في ٧ أكتوبر الذي رج إسرائيل وسيواصل رجها من الرأس لأخمص القدم لعشرات السنين القادمة دون أن تحصل حماس على أي نصر سياسي حقيقي لقضية شعبها.

لإكمال حلقة الضغط على العرب وبالتبعيّة على المقاومة كان لابد من استخدام الأوراق القديمة التي مارست تأثيرا تاريخيا لم تمح بصمته القاسية حتى الآن على العالم العربي بشكله الحديث ألا وهما بريطانيا وفرنسا القوتان الاستعماريتان القديمتان اللتان صاغتا حدود المنطقة بل وحددوا الكثير من كيان وسلوك الدولة الوطنية أو القطرية العربية الحديثة.

تحت إشراف أمريكي جرى منذ بداية الحرب ولكن بالتحديد في الأيام العشرة الأخيرة تم تحريك باريس ولندن تجاه المنطقة بوعود فارغة عن الاعتراف بالدولة الفلسطينية والمضي في وقت ما نحو حل الدولتين وإنشاء دولة فلسطينية. وتحت هذا الغطاء الكثيف من الدخان الذي يعمي العيون تحرك كل في حدود مهمته التي حددتها له واشنطن القيادة العليا للغرب للمناطق التي يمتلك فيها التأثير الأكبر. تحرك البريطانيون نحو قسم من المشرق والخليج عارضين حلولا لليوم التالي لغزة أهم شيء فيه هو نزع سلاح حماس والجهاد وباقي منظمات المقاومة وإنشاء وضع في غزة بدون حكم حماس وتأهيل السلطة الفلسطينية وتحويل غزة إلى منطقة تنسيق وخضوع أمني لإسرائيل مثل ماهو الحال في الضفة الغربية بعد أوسلو.

وتحركت باريس إلى ما هو أبعد لضمان أمن إسرائيل وعدم الاكتفاء بتحييد الساحة الفلسطينية ولكن أيضا تحييد المقاومة اللبنانية باتفاق يعيد حزب الله 10 كيلومترات عن الحدود الشمالية مع إسرائيل، ثم الانتقال بعد ذلك لنزع سلاح حزب الله كليا فإما أن يقبل أن يكون حزبا سياسيا فقط أو يتم تدميره عسكريا في أول فرصة يستطيع فيها الإسرائيليون الاستفراد بلبنان مجددا.

الخطة الأمريكية تستثمر بقوة في «تشجيع» أطراف عربية على التطبيع مع إسرائيل أو الحفاظ على التطبيع الإبراهيمي القائم أو تلك التي تعاني من ظروف اقتصادية صعبة وتسعى من هذا الاستثمار إلى أن تسفر مفاوضات الهدنة والأسرى عن قاعدة متينة لهندسة شرق أوسط أمريكي يقوم من جهة على تطبيع واسع بين إسرائيل والعرب سياسيا ومن جهة أخرى على تفعيل لهيكل منتدى تحالف النقب الأمني العسكري بين إسرائيل والعرب الذي بنته واشنطن بدأب في السنتين الماضيتين تحت قيادة المنطقة المركزية الأمريكية للشرق الأوسط.

سيتحقق ساعتها التصور الاستراتيجي الأمريكي المطروح منذ سنوات بخلق تحالف إقليمي من إسرائيل والعرب المعتدلين يواجه إيران ويحمي مصالحها في المنطقة ويجعلها توجه قدرا أكبر من مواردها الاستراتيجية لمنافسة وتحجيم الصين في آسيا والباسيفيك وبحر الصين الجنوبي.

السؤال هو هل تصمد المقاومة على الأرض وتستكمل ما يشبه معجزة عسكرية لم تحدث في التاريخ المعاصر وستكون لاشك مادة للدراسة في معاهد الحرب العليا.. وبالتالي تستطيع أن تصمد سياسيا أمام ضغوط العم سام وأولاد العم وبعض الأشقاء؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock