يُعد الاتفاق الأخير بين أنقرة والأردن والعراق وسوريا؛ لتشكيل آلية للتحرك المشترك ضد تنظيم داعش، والتنظيمات الكردية، خطوة بارزة في السياق الإقليمي. إذ يأتي هذا الاتفاق، الذي كُشفَ عنه منذ أيام، في 16 فبراير 2025، في وقت تتزايد فيه التهديدات الأمنية في المنطقة، سواء من جانب التنظيمات الإرهابية مثل داعش، أو من القوى الكردية المسلحة التي تسعى لتوسيع نفوذها.
تركيا، التي كانت دائما في مواجهة مستمرة مع التهديدات، التي تفرضها الجماعات المسلحة الكردية على حدودها الجنوبية، تسعى منذ سنوات إلى تكوين تحالفات إقليمية؛ تعزز من قدرتها على مواجهة هذه التحديات. ومع عودة داعش، إلى المشهد، ولو بصورة أقل من ذي قبل، يتضح أن التحرك المشترك بين تركيا والدول المجاورة، وإن أصبح ضرورة ملحة؛ فهو، يُثير التساؤلات حول دوافعه وأهدافه.
دوافع تركيا
يأتي هذا الاتفاق في إطار سياق إقليمي مليء بالتحديات الأمنية والتهديدات المشتركة. على مدار العقد الأخير، شهدت المنطقة العربية وتركيا ظهور تنظيم داعش؛ ممثلا تهديدا إقليميا كبيرا، واستفاد التنظيم من الفراغ الأمني في سوريا والعراق ليتوسع. وعلى الرغم من أن التنظيم قد تعرّض لضربات متتالية، أدت إلى تراجعه، إلا أن خلاياه النائمة ما تزال تشكل تهديدا كبيرا.
من ناحية أخرى، تواجه تركيا تحديا آخر يتمثل في التنظيمات الكردية المسلحة التي تسعى إلى تحقيق حكم ذاتي على طول الحدود التركية-السورية، وهو ما تعتبره أنقرة تهديدا وجوديا لأمنها القومي. ورغم محاولات تركيا للقضاء على هذه الجماعات من خلال عمليات عسكرية داخل سوريا، فإن التهديد ما يزال قائما.
ويمكن تفسير اقتراح تركيا بتأسيس تحالف رباعي مع سوريا والعراق والأردن، على أنه خطوة استباقية لتعزيز نفوذها الإقليمي وإحكام السيطرة على حدودها الجنوبية.
فتركيا ترى أن التعاون مع الدول الثلاث يمكن أن يحقق لها عدة أهداف، أهمها: تعزيز الأمن القومي التركي؛ فالحدود الجنوبية لتركيا تمثل نقطة اشتباك دائمة مع كل من داعش، والجماعات الكردية المسلحة. والتحالف مع سوريا والعراق، اللتين تشهدان وجودا قويا لهذه الجماعات، يمكن أن يعزز من قدرة تركيا على مواجهة التهديدات القائمة والمحتملة.
أضف إلى ذلك، محاولة تركيا في توسيع نفوذها الإقليمي؛ فعلى مدى السنوات الأخيرة، أصبحت تركيا لاعبا رئيسا في المنطقة، وتهدف إلى توسيع نفوذها بما يتناسب مع طموحاتها الجيوسياسية. التحالف مع الأردن، العراق، وسوريا، من شأنه أن يعزز من دور تركيا كلاعب إقليمي رئيس في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية.
هذا، فضلا عن مواجهة التهديد الوجودي التركي لتركيا؛ فمن وجهة نظر تركيا، التهديد الذي تفرضه التنظيمات الكردية المسلحة، مثل “حزب العمال الكردستاني” و”وحدات حماية الشعب”، لا يقل خطورة عن تهديد داعش؛ بل ربما يتفوق على تهديد التنظيم المتطرف. التحالف الرباعي يوفر لأنقرة فرصة لتنسيق جهودها مع الدول الثلاث للتعامل مع هذه الجماعات بشكل أكثر فاعلية.
الثلاثي العربي
من جهة العراق وسوريا، يشكل الاتفاق مع تركيا خطوة منطقية في إطار التحديات المشتركة التي تواجهها الدولتان. فالعراق وسوريا تعرضتا لدمار كبير على يد داعش، وما تزال خلايا التنظيم النائمة تهدد الأمن والاستقرار في كلا البلدين. علاوة على ذلك، تواجه الحكومتان تحديات أمنية متزايدة من جانب الجماعات الكردية المسلحة، خاصة في المناطق الحدودية مع تركيا. هذا، ناهيك عن الدور التركي في إيصال “الشرع ورفاقه” إلى سلطة الحكم في سوريا، وإسقاط نظام بشار الأسد.
أما العراق فهو يُعاني من هشاشة أمنية في بعض المناطق، خاصةً تلك التي كانت معاقل لتنظيم “داعش”. الحكومة العراقية تدرك أن التعاون الإقليمي، خاصة مع تركيا، يمكن أن يعزز من جهودها لمواجهة الجماعات الإرهابية. وبالنسبة للعراق، التعاون مع تركيا يمكن أن يعزز أيضا من قدرته على التعامل مع النزاعات الداخلية مع الجماعات الكردية.
أما الأردن، الذي يُمثل الحليف الاستراتيجي، فالاتفاق مع تركيا والعراق وسوريا خطوة استراتيجية هامة. فرغم أن الأردن لم يشهد تواجدا كبيرا لتنظيم داعش، على أراضيه مثل العراق وسوريا، إلا أنه يواجه تهديدات أمنية على حدوده الشمالية والشرقية. علاوة على ذلك، يشكل استقرار سوريا والعراق أهمية كبرى للأمن الوطني الأردني؛ خاصة أن الحدود الأردنية مع سوريا، تحديدا، شهدت تحركات مسلحة وجماعات إرهابية، ومنفلتة، خلال السنوات الأخيرة، ما يجعل من الضروري للأردن تعزيز التعاون الأمني مع جيرانه.
نقطة الوصول
لعل السؤال الرئيس الذي يطرح نفسه هنا هو: هل يمثل هذا الاتفاق بين الدول الأربع خطوة أولى نحو تشكيل تحالف رباعي دائم ضد داعش والجماعات الكردية؟.
بالطبع، من الصعب تجاهل التوترات السياسية بين هذه الدول، خاصة في ظل العلاقات المعقدة بين تركيا وسوريا والعراق. رغم التحديات المشتركة، إلا أن الخلافات السياسية قد تعرقل تقدم هذا التحالف، خاصة فيما يتعلق بمسألة الأكراد؛ فبينما تسعى تركيا إلى القضاء على الجماعات الكردية المسلحة، فإن العراق يتعام مع الأكراد بطرق مختلفة، ما قد يؤدي إلى تضارب في المصالح.
وقد يكون اقتراح تركيا بتشكيل هذا التحالف مرتبطا بتغيرات السياسة الإقليمية والدولية. فتركيا تسعى إلى تعزيز موقعها كقوة إقليمية فاعلة، خاصة في ظل التغيرات السياسية التي تشهدها المنطقة. إذ، إن مثل هذا التحالف مع الدول الثلاث يمكن أن يوفر لتركيا منصة لتعزيز نفوذها في المنطقة، ويعيد تشكيل العلاقات الإقليمية بما يتناسب مع طموحاتها.
علاوة على ذلك، يمكن اعتبار التحالف الرباعي، جزءا من محاولات تركيا لإعادة ضبط علاقاتها مع جيرانها، خاصةً بعد سنوات من التوترات مع سوريا والعراق. التحالف قد يوفر لتركيا فرصة لتحسين علاقاتها مع دمشق وبغداد، بما يضمن لها دورا محوريا في المستقبل السياسي والأمني للمنطقة.
في هذا الإطار.. يمكن القول إن الاتفاق بين تركيا والأردن والعراق وسوريا لتشكيل آلية للتحرك المشترك ضد داعش والجماعات الكردية يمثل خطوة هامة، لكنه ما يزال في مراحله الأولى. التحالف الرباعي قد يواجه تحديات سياسية وأمنية كبيرة، لكنه إذا نجح في تجاوز هذه العقبات، فقد يشكل تحالفا إقليميا قادرا على إعادة تشكيل الخريطة الأمنية في المنطقة.
إلا أن هذه الخريطة الأمنية المحتملة، سوف تكون تحت الرعاية التركية.. طبعا.