مختارات

أي خطّة عربية تُصاغ تحت “خيمة ترامب”… طريقها مسدود!

بقلم: حسين عبد الغني، إعلامي وصحفي مصري

نقلًا عن موقع عروبة 22

حسين عبد الغني

ما يريده الأميركيون والإسرائيليون لم يعُد فقط إنهاء حكم “حماس” للقطاع، بل تجريد غزّة من سلاحها وطرد قادتِها وشطب منظّمات المقاومة من المستقبل الفلسطيني. فـ”حماس” أعلنت غير مرّة موافقتها على التخلّي عن حُكم غزّة لصالح لجنة إسناد مجتمعي تتألّف من شخصيات تكنوقراطية غير حمساوية تعمل تحت إشراف السّلطة الفلسطينية. لم يعُد ذلك كافيًا لترامب ونتنياهو، فنزع سلاح القطاع واستئصال المقاومة من أرضها هو المقابل الوحيد الذي يرضى به كلاهما كبديلٍ عن خطة ترامب لتهجير مليونَيْ فلسطيني من غزّة.

لا يتعلّق الأمر فقط بما قاله إسماعيل هنيّة من أنّ إسرائيل تريد أن تحصلَ بالمكائِد السياسية على ما فشلت في تحقيقه بالحرب، ولكن، وهذا هو الأهم، لأنّ الاستسلام ونزْع السلاح لا يستطيع طرَف في حربٍ فرْضه على عدوّه إلّا إذا حقّق نصرًا مُطلقًا يقرّ به هذا العدو، كما فعل الألمان مثلًا في نهاية الحربَيْن العالميتَيْن الأولى والثانية عندما استسلموا للحلفاء وأقرّوا بهزيمتهم.

تعكس نتائج المفاوضات التي تلي أي حرب موازين القوى في الميدان. في حالة غزّة هناك اعتراف شبه مُجمَع عليه من الدوائر الاستراتيجية وآخرها معهد الأمن القومي الإسرائيلي أنّ إسرائيل لم تُحقّق النّصر أيّ لم تُنجز الأهداف التي حدّدها المستوى السياسي للحرب وهي تدمير قدرات “حماس” العسكرية وإعادة المختطفين الإسرائيليين عن طريق الحرب وليس التفاوض. وتقول أشدّ التقديرات الإسرائيلية تفاؤلًا إنّ “الجيش الإسرائيلي وإنْ كان قد ألحق الضرر بقوّة “حماس” المادية إلّا أنّه أخفق في إلحاق الضّرر بالقوات التابعة لها وما زال عدد من قياداتها الكبيرة حيًّا.

غزة

لا يزال لدى “حماس” آلاف المسلّحين من الذين كانوا لديها يوم 6 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وآلاف المجنّدين الجدد، ومئات الضبّاط برتب مختلفة، وكيلومترات كثيرة من الأنفاق التي لم يُكشف عنها، وضمنها أنفاق قريبة من الحدود. الأخطر هو استنتاج الإسرائيليين أنّه بعد عام ونصف العام من الحرب لا بدّ من الاعتراف بأنّ تفكيك “حماس” عسكريًا ومدنيًّا هو “وَهْمٌ” ينبغي التحرّر منه. فكرة نتنياهو وترامب في تكرار سيناريو تجريد وطرد منظمة التحرير من لبنان عام 1982 بطرد مماثل لـ”حماس” و”الجهاد” و”الشعبية” وغيرها لا يتّفق إذن مع حقائق الوضع الميداني وضدّ توازن القوى الذي انتهت إليه الحرب.

لا يخالف التصوّر الأميركي – الإسرائيلي في إخراج “حماس” من غزّة الواقع العسكري، ولكنّه ينصبُ أيضًا فخًّا لعدم الاستقرار الإقليمي يقوم على وجود قوّة عربية في المرحلة الأولى تتولّى عن إسرائيل تجريد المقاومة من سلاحِها أيّ تحويل الحرب إلى حرب عربية – عربية بدلًا من أن تكون حربًا بين المقاومة والمحتلّ الإسرائيلي.

أيضًا، لا تعمل الشروط التعجيزية الأميركية – الإسرائيلية ضدّ الواقع القائم في غزّة فحسب، ولكن تعمل ضدّ حركة التاريخ وقوانينه. لم يحدث في التاريخ أن تمكّنت قوة أو سلطة حتّى لو قَبِلَ بها الاحتلال من أن تتغلّب إلى الأبد على القوى الشعبية الحقيقية، فحتّى لو جاءت سلطة رام الله لحكْم غزّة لتجعلها منزوعة السلاح فإنّها ستكون عاجزة عن استئصال “الجهاد” و”حماس” من التربة الفلسطينية. فالجناح العسكري لحركة “حماس” ليس سوى الجزء البشري الأقلّ في الحضور الاجتماعي لـ”حماس” بخاصة بعد استيلائها على القطاع عام 2007. بعد حكْمها للقطاع أعادت الحركة بناء مؤسّسات مدنية في قطاعات التعليم والصحة والأمن والخدمات العامة. وكما يعترف الأعداء فإنّ “حماس” تحظى بحاضنة شعبية واسعة وهي جزء لا يتجزَّأ من النسيج الاجتماعي الغزّاوي وتربطها برؤساء العائلات وشيوخ العشائر علاقات وطيدة، وتعتمد الحياة اليومية لسكان القطاع على شبكة من العاملين مرتبطين بـ”حماس” لم تتأثّر بحرب الإبادة.

غزة

وأفصحت عملية تبادل الأسرى وتوزيع المساعدات مؤخّرًا أنّ هيكل “حماس” المدني في حالة أفضل من هيكلها العسكري الذي اعترف الإسرائيليون أصلًا بأنّه ما زال متماسكًا.

أما في كامل الجغرافيا الفلسطينية وفي الدياسبورا الفلسطينية، فتظهر منظّمات المقاومة بوضوح على أنها صاحبة الشعبية الأولى. وقاد تخلّي “فتح” عن الكفاح المسلّح ودمجها في سلطة بات الفلسطينيون يعتبرونها “بوليصة تأمين” للاحتلال إلى تعاظُم شعبية المقاومة و”حماس” في صفوف الشعب الفلسطيني. وتُظهر استطلاعات للرّأي تراجع شعبية السلطة لأدنى مستوى. ويُعتبر الرئيس محمود عبّاس الأقل شعبيةً ويميل نحو تسعين في المئة إلى ضرورة رحيله ويفضّلون عليه شخصيات فتحاوية مناضلة مثل مروان البرغوثي.

ويُظهر التاريخ الكفاحي الفلسطيني ضدّ الحركة الصهيونية أنّ القانون السائد هو انتقال القيادة في كل مرحلة إلى الطرف الذي يقود المقاومة على الأرض. وتُمثِّل حركة “فتح” نموذجًا فلأنها صاحبة الطلقة الأولى في ديسمبر/كانون الأول عام 1965 انتقلت إليها وإلى قائدها ياسر عرفات زعامة منظمة التّحرير بسلاسة على حساب السياسيين مثل الشقيري وغيره. وعندما تخلّت “فتح” عن المقاومة خصوصًا بعد تسميم الإسرائيليين لعرفات وقبول خليفته أبو مازن بشروط شارون في إنهاء الانتفاضة الثانية في عام 2005، كان طبيعيًّا أن تنتقل القيادة الفلسطينية أو تشارك فيها منظمات المقاومة عبر إعادة بناء منظمة التّحرير لإدماج من هو خارجها، ولكنّ السلطة عطّلت القانون التاريخي وأجهضت عشرات الاتفاقيات لإدماج “الجهاد” و”حماس” في المنظمة ومنعت إجراء أي انتخابات رئاسية وبرلمانية بعد انتخابات 2005 التي خسرتها.

في التحليل الأخير، ما تحاول الإدارة الأميركية فعله هو استغلال حلفائها العرب وتوريطهم في وضع خطّة لغزّة لا تعكس موازين القوى ولا تعكس حقائق السياسة الفلسطينية وأوّلها أنّ المقاومة هي صاحبة الأغلبية الشعبية ومن تخلوا عن المقاومة هم الأقلية. وما لم يخرق العرب هذا السقف الأميركي المنخفض ويتوصلوا إلى خطّة تعكُس حدًّا أدنى من مصالح الأمن العربي الجماعي وتتّسق مع الواقع الفلسطيني وليس مع التجبّر الأميركي، فإنّ مثل هذه الخطة ستصل إلى طريق مسدود وستكون مصدرًا لعدم استقرار سيمتدّ من فلسطين إلى عموم الشّرق الأوسط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock