رؤى

الجدل القرءاني.. والاختلاف عن فعل “الجدال”

الجدل هو صراع، أو تناقض بين شيئين؛ وأيًا تكن مسألة “التناقض أو الصراع” هذه، سواء كانت بين شخصين أو فكرتين، أو حتى شيئين ماديين.. فإن الجدل يقوم على “الثنائية”، وأن هذه الأخيرة تُعبِّر عن التناقض الكامن في النفس الإنسانية، التناقض بين الفجور والتقوى، كما في قوله سبحانه وتعالى: وَنَفۡسٖ وَمَا سَوَّىٰهَا ٭ فَأَلۡهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقۡوَىٰهَا ٭ قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا ٭ وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا” [الشمس: 7-10]. الأهم، في رؤية الجدل بهذا الشكل، هو ناتج الجدل، أو بالأحرى ناتج التناقض الكامن في النفس الإنسانية، بين الفلاح والخيبة.

هذا، ما وصلنا إليه في الحديث السابق حول: “رؤية في جدل الإنسان” وأكدنا هناك على أن هذا الناتج إنما يعتمد على الاختيار الإنساني بين تزكية النفس فيكون الناتج “فلاحا”، وبين “تَدْسِيَة” هذه النفس فيكون الناتج “خيبة”. ونُضيف هنا بأن هذا السياق القرءاني، الذي تُبرزه الآية الكريمة، يؤكد على أهمية “الوعي” في جدلية الممارسة الإنسانية؛ أو تحديدا وعي الممارسة الإنسانية للجدل الكامن في النفس، وقبل ذلك كله المقدرة على الاختيار.

فماذا لو حاولنا توسيع المسألة إلى المجتمع، وليس إلى الإنسان الفرد؟

كمدخل إلى “الجدل الاجتماعي”، بحسب استعارتنا لتعبير المفكر المصري عصمت سيف الدولة رحمه الله، لنا أن نحاول – بداية – التفرقة بين “الجدل” و”الجدال”؛ إذ إن الكثيرين توهموا أن المفهومين يدلان على معنى واحد، وهو – في ما نعتقد – خطأ فاحش ومُضلل.

الجدل والجدال

إذن هل هناك فارق موضوعي، من المنظور اللساني والدلالي، بين الجدل والجدال؟

وصلنا إلى أن الجدل هو تعبير عن التناقض الكامن في النفس الإنسانية؛ وأن حاصل هذا التناقض ليس أي منهما؛ بل إضافة تتجاوز كل منهما إلى شيء جديد، يحمل “إضافة” جديدة، في حال المقدرة الإنسانية على الاختيار، أو “انتكاسة” لو لم يستطع الإنسان الاختيار الواعي لـ”الأفضل”.

فماذا عن الجدال؟

الجدال مصدر الفعل الرباعي “جادل”، على وزن “فاعل”، كالـ”الجهاد” وليس الجهد، و”القتال” وليس القتل، والخصام وليس الخصم. ومن ثم، فـ”الجدال” يُعبر عن “فعل إنساني واعٍ لا يقوم إلا بين طرفين”، سواء كان كل طرف منهما فردا أو جماعة.

ولقد قام بعض من أصحاب المعاجم، وتابعهم في ذلك عددٌ من المفسرين، وتابعيهم، وتابعي تابعيهم، في القول بأن حرف “الألف” المشاركة في مصطلح الجدال هي ألف زائدة؛ وأن الأصل في الجدال هو الفعل الثلاثي “جدل”، وكان هذا وما يزال، خطأً فاحشًا.. لسبب بسيط، أن “الألف” أصلية في الفعل الرباعي، وفي كل الأفعال الرباعية في اللسان العربي، فما بالنا باللسان القرءاني. وبالتالي، فإن إسقاطها يحوِّل الجدال إلى جدل، مثلما يحوِّل الجهاد إلى جهد، والقتال إلى قتل.

وهكذا، يمكن القول بأن “الجدل” هو سمة للنفس الإنسانية والتناقض الكامن في داخلها، أي إن “الجدل قانون النفس الإنسانية”، ولذلك أطلقنا عليه “جدل الإنسان”، وهو تعبير استخدمه كثيرون مثل عصمت سيف الدولة ومحمد شحرور ومحمد باقر الصدر.. وغيرهم. أما “الجدال” فهو فعلٌ إنسانيٌ واعٍ، بمعنى الاستخدام الإنساني لقانون الجدل، بأسلوب واعٍ للوصول إلى هدف محدد.

رأينا الأخير هذا، يمكن الاستدلال عليه عبر السياق القرءاني، الذي يرد فيه كل من القانون “الجدل”، والفعل الإنساني “الجدال”.

القانون الفعل

بالنسبة إلى مصطلح “الجدل”، فقد ورد مرتين فقط في التنزيل الحكيم؛ في حين ورد مصطلح “جدال” في “سبعة وعشرين” موضعا. بالنسبة إلى مصطلح “الجدل”، يقول الله تعالى: “وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوۡمُكَ مِنۡهُ يَصِدُّونَ ٭ وَقَالُوٓاْ ءَأَٰلِهَتُنَا خَيۡرٌ أَمۡ هُوَۚ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلَۢاۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ” [الزخرف: 57-58].

ولنا أن نُلاحظ، بداية، أن “خَصِمُونَ” من خصم، أي “الند المنازع شديد الخصومة”، كما في قوله تبارك وتعالى: “وَهَلۡ أَتَىٰكَ نَبَؤُاْ ٱلۡخَصۡمِ إِذۡ تَسَوَّرُواْ ٱلۡمِحۡرَابَ ٭ إِذۡ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُۥدَ فَفَزِعَ مِنۡهُمۡۖ قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ خَصۡمَانِ بَغَىٰ بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فَٱحۡكُم بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَلَا تُشۡطِطۡ وَٱهۡدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَٰطِ” [ص: 21-22].

ولنا أن نُلاحظ أيضا أن “يَصِدُّونَ” من الصدّ، أي “انصراف عن الشيء ومنعًا له”؛ كما في قوله سبحانه وتعالى: “وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَصَدَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمۡ لَا يَهۡتَدُونَ” [النمل: 24]؛ وقوله سبحانه: “يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ قِتَالٖ فِيهِۖ قُلۡ قِتَالٞ فِيهِ كَبِيرٞۚ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ” [البقرة: 217]؛ وقوله تعالى: “وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بَعۡدَ إِذۡ أُنزِلَتۡ إِلَيۡكَۖ” [القصص: 87].

كذلك، لنا أن نُلاحظ كيف أن السياق القرءاني في الآية الكريمة، قد دلَّ على عملية الجدل بين متناقضين، جاء ذكرهما في قول القوم وتساؤلهم “ءَأَٰلِهَتُنَا خَيۡرٌ أَمۡ هُوَۚ”؛ وبالطبع، فإن “هُوَۚ” تعود على نبي الله عيسى عليه السلام “ٱبۡنُ مَرۡيَمَ”؛ وقد وردت عملية الجدل هذه كنوع من “المفاضلة” بين النقيضين، وذلك بصرف النظر عما يُسمى “أسباب نزول الآية”، الذي ليس عندنا بشيء يستحق الذكر.

هذا هو الموضع الأول.

أما الموضع الآخر، الذي ورد فيه مصطلح “الجدل”، فهو قوله سبحانه: “وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٖۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَكۡثَرَ شَيۡءٖ جَدَلٗا” [الكهف: 54]. إذ إن خاتمة الآية الكريمة “وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَكۡثَرَ شَيۡءٖ جَدَلٗا”، تعني أن الإنسان أكثر الأشياء التي يتأتى منها الجدل، أو التي تتسم بالجدل. ومن هنا أيضا يمكن أن نتلمس السياق القرءاني في الآيتين التاليتين مباشرة، لهذه الآية الكريمة؛ نعني قوله عزًّ وجل: “وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّهُمۡ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمۡ سُنَّةُ ٱلۡأَوَّلِينَ أَوۡ يَأۡتِيَهُمُ ٱلۡعَذَابُ قُبُلٗا” [الكهف: 55].. وقوله عزَّ من قائل: “وَمَا نُرۡسِلُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَۚ وَيُجَٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ لِيُدۡحِضُواْ بِهِ ٱلۡحَقَّۖ وَٱتَّخَذُوٓاْ ءَايَٰتِي وَمَآ أُنذِرُواْ هُزُوٗا” [الكهف: 56].

إذ -هاهنا- نلاحظ الإشارة القرءانية إلى التناقض بين “ٱلۡبَٰطِلِ… ٱلۡحَقَّۖ”، وكيف يستخدم الذين كفروا “الجدال” بهدف محدد “وَيُجَٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ لِيُدۡحِضُواْ بِهِ ٱلۡحَقَّۖ”.

فماذا إذن عن “الجدال” كفعل إنساني في ممارسة عملية الجدل؟

للحديث بقية.

 

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى