رؤى

الجدال في القرءان.. وإشكالية المحمود والمذموم

ينتشر في أرجاء المعمور الذي نعيش بين جنباته، رواية عن النبي عليه الصلاة والسلام، يؤكد بها البعض “أن تارك الجدال له أجر” فهل هذا صحيح؟ وهل قال رسول الله هذا على وجه اليقين؛ أم أن هناك من لا يريد الجدال أو المجادلة، حتى لو كانت من أجل إحقاق الحق؟

بداية، تأتي رواية الحديث، المشار إليه، بهذا الشكل: “روى الترمذي (3253)، وابن ماجه (48)، عن أبي أُمامة قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ. ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللهِ عليه الصلاة والسلام هَذِهِ الْآيَةَ: “مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ”.

أي جدال؟

وبصرف النظر عن المناقشة في صحة الرواية، أو صحة الحديث، خاصة أن سند الحديث ضعيف؛ فإن الملاحظة الواجب تثبيتها ذات شقين:

الشق الأول، أن الرسول الكريم لا يمكن أن ينهى المسلمين عن “الجدل” أو “الجدال” بالأحرى، وأمامه العبارة القرءانية “وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ”، في قوله سبحانه وتعالى: “ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ” [النحل: 125].. اللهم، إلا إذا كان عليه الصلاة والسلام ينهى عن نوع مُحدد من “الجدال”؛ وذلك من منظور أن مُفتتح الآية الكريمة يُلزم “الداعي” ضرورة الالتزام “بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ” في عملية الجدال.

الشق الآخر، بملاحظة الآية الكريمة، التي تلاها الرسول الكريم، ووردت في رواية الراوي، هي: “مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلَۢاۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ”، وهي جزء من الآية الكريمة في قوله سبحانه: “وَقَالُوٓاْ ءَأَٰلِهَتُنَا خَيۡرٌ أَمۡ هُوَۚ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلَۢاۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ” [الزخرف: 58]. ولأننا على يقين بأن رسول الله لم يكن ليجتزئ الآيات القرءانية، خاصة أن أمامه قوله تعالى: “مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُۗ”، الذي ورد في مواضع ثلاثة في التنزيل الحكيم؛ وذلك في قوله عزَّ وجل: “مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا تَكۡتُمُونَ” [المائدة: 99]؛ وفي قوله عزَّ من قائل: “قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيۡكُم مَّا حُمِّلۡتُمۡۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهۡتَدُواْۚ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ” [النور: 54]؛ وفي قوله: “وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدۡ كَذَّبَ أُمَمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡۖ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ” [العنكبوت: 18].

وحتى لو افترضنا أن الرسول -عليه الصلاة والسلام- قد تلا هذا الجزء من الآية؛ ففي اعتقادنا أن المقصود من ذلك، ومن الرواية بكاملها  -إن صحت- هو النهي عن “الجدال السلبي”، أي الجدال المذموم. وبالطبع، فإن هذا لا يلغي أن هناك الجدال الإيجابي، أو الجدال المحمود.

نقول هذا، ونحن نحاول التأكيد على أن البعض يأخذ الجزء السلبي من المسألة المطروحة، ويحاول تعميمها على الناس.. وذلك بغرض واضح، ألا يستطيع أحد أن يُجادل، حتى لو كانت المجادلة بهدف إحقاق الحق؛ ومن ثم، وجدنا أنصاف المتعلمين يعتلون المنابر، ويقولون ما يدور بخلدهم، دون أن يجادلهم أحد في ما يقولون.. رغم أن كثيرا مما يقولون خطأ.

الجدال المذموم

يُعد هذا الجدال المذموم، من المواضيع التي تناولها الوحي الإلهي بنظرة ناقدة وتحذيرية، لما له من آثار سلبية على العلاقات الإنسانية والدينية. فبالرغم من أن الجدال في ذاته ليس مرفوضا دائما، إلا أن القرءان الكريم؛ فرّق بوضوح بين الجدال المحمود، القائم على البحث عن الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال المذموم الذي يتسم بالتعنت، والمراء، والخصومة من أجل الانتصار للنفس لا للحق.

وقد وردت عدة آيات في التنزيل الحكيم تُظهر استنكار هذا النوع من الجدال، الذي لا يُراد به الوصول إلى الحقيقة، بل يكون هدفه إثارة الشبهات، أو إثبات الذات، أو مجرّد التحدي والمكابرة. من ذلك قوله سبحانه وتعالى: “مَا يُجَٰدِلُ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَا يَغۡرُرۡكَ تَقَلُّبُهُمۡ فِي ٱلۡبِلَٰدِ ٭ كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۖ وَهَمَّتۡ كُلُّ أُمَّةِۭ بِرَسُولِهِمۡ لِيَأۡخُذُوهُۖ وَجَٰدَلُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ لِيُدۡحِضُواْ بِهِ ٱلۡحَقَّ فَأَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ عِقَابِ” [غافر: 4-5].

وهنا، لنا أن نُلاحظ الارتباط بين الجدال “فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ”، وبين “ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ”؛ وذلك من منظور أن الدافع إلى الجدال ليس الرغبة في الفهم أو الإيمان، وإنما الطعن والتكذيب. ولعل السياق القرءاني، في الآيتين الكريمتين، واضح، عبر تشبيه الذين يُجادلون “فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ”، بكل من “قَوۡمُ نُوحٖ وَٱلۡأَحۡزَابُ”، من حيث إنهم: “وَجَٰدَلُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ لِيُدۡحِضُواْ بِهِ ٱلۡحَقَّ”. وفي هذا المعنى أيضا، ورد قوله سبحانه: “وَمَا نُرۡسِلُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَۚ وَيُجَٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ لِيُدۡحِضُواْ بِهِ ٱلۡحَقَّۖ وَٱتَّخَذُوٓاْ ءَايَٰتِي وَمَآ أُنذِرُواْ هُزُوٗا” [الكهف: 56]. وكما يتبدى، فإن غاية هذا الجدال، “السلبي”، هي إفشال الحق وتغليبه بالباطل، وهو أمر مذموم عقلا وشرعا.

ولعل من أكثر الأمثلة على الجدال المذموم، هو “الجدال دون علم”، خاصة في “الغيبيات”؛ مثل قصة “أهل الكهف”، حيث ورد النهي الإلهي “فَلَا تُمَارِ فِيهِمۡ إِلَّا مِرَآءٗ ظَٰهِرٗا”، أي “لا تخض في تفاصيل لا تفيد”، فالمقصود هو العبرة لا الجدال في العدد أو الأسماء؛ وهو النهي الذي ورد في قوله تعالى: “سَيَقُولُونَ ثَلَٰثَةٞ رَّابِعُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ وَيَقُولُونَ خَمۡسَةٞ سَادِسُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ رَجۡمَۢا بِٱلۡغَيۡبِۖ وَيَقُولُونَ سَبۡعَةٞ وَثَامِنُهُمۡ كَلۡبُهُمۡۚ قُل رَّبِّيٓ أَعۡلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا قَلِيلٞۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمۡ إِلَّا مِرَآءٗ ظَٰهِرٗا وَلَا تَسۡتَفۡتِ فِيهِم مِّنۡهُمۡ أَحَدٗا” [الكهف: 22].

إلا أن النهي الواضح عن “الجدال السلبي” العقيم، ورد مُسَببا؛ كما يتضح في قوله سبحانه: “وَلَا تُجَٰدِلۡ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخۡتَانُونَ أَنفُسَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمٗا ٭ يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمۡ إِذۡ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرۡضَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطًا ٭ هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ جَٰدَلۡتُمۡ عَنۡهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فَمَن يُجَٰدِلُ ٱللَّهَ عَنۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ وَكِيلٗا” [النساء: 107-109].

وبالتالي، يمكن الاطمئنان إلى القول: إن القرءان الكريم يدعو إلى “الجدال الإيجابي”، أي النقاش بالحكمة والبينة؛ ولكن حين يتحول إلى “جدال سلبي”، يُفضي إلى التشاحن أو يعرقل الوصول إلى الحق، يصبح منهيا عنه.

الجدال المحمود

الجدال الإيجابي أو الجدال المحمود في التنزيل الحكيم، هو ذلك النوع من الحوار العقلي الذي يُراد به إحقاق الحق، وإزالة الشبهات، وإيصال الحجة إلى المخاطب بأسلوب راقٍ يقوم على الحكمة والموعظة الحسنة. بل إن القرءان الكريم لم يُذمّ الجدال مطلقا، بل فرّق بين الجدال الذي يُقصد به الوصول إلى الهداية، والجدال العقيم الذي يسعى لتكريس الباطل والانتصار للنفس.

ويكفينا هنا أن نُعيد الاستشهاد بالآية الكريمة، في قوله تبارك وتعالى: “وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ”؛ وأيضًا، قوله: “وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡۖ…” [العنكبوت: 46]. إذ هاهنا فإن “الجدال” حين يكون بالحسنى وبهدف بيان الحق، هو أسلوب مشروع بل ومطلوب؛ فالجدال في هذه الحال، وسيلة دعوية، تعتمد على المنطق والاحترام، لا على التحدي والتعصب.

وخلاصة القول، أن الجدال المذموم في القرءان يُرفض لأنه يعبر عن خلل في النية وسوء في المقصد، وهو عقبة أمام الإيمان، ومصدر للفرقة والتعصب؛ بينما الجدال المحمود أو النقاش القائم على طلب الحقيقة والتجرد للحق، فهو مقبول بل ومطلوب.. وللحديث بقية.

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى