على شاشة التلفزة في إيران، وتحديدا على شاشة قناة “فجر” الإخبارية، التي تعد مصدرا أساسيا للأخبار للمشاهد الإيراني، تظهر الإعلامية سحر إمامي بالزي التقليدي “الشادور” وبملامح صارمة وصوت يملأه خليط من الحماس والغضب.
تبدو في خلفية المشهد أصوات انفجارات تدوّي في العاصمة الإيرانية طهران، حيث تبث القناة برامجها؛ لكن إمامي تؤكد للمشاهدين أن هذه الانفجارات الناجمة عن قصف جوي صهيوني، لن تسكت صوت الحق -على حد تعبيرها- ولن تمنعها -لا هي ولا رفاقها في القناة- من الاستمرار في أداء رسالتهم الإعلامية.
في اللحظة ذاتها، يدوّي انفجارٌ في الاستوديو، حيث تجلس إمامي التي تضطر لمغادرة المكان؛ نظرا لأن القصف الجوي الصهيوني، بات يستهدف مقر التلفزة الإيرانية بشكل مباشر.
وفي حين يعلن بيان لجيش الاحتلال، بشكل لا يخلو من نشوة مستغربة، وكأنه قد حقق إنجازا عسكريا ما، إنه قد تمكّن -عبر هذا القصف- من وقف بث التلفاز الإيراني.
لكن هذه “النشوة” الصهيونية لا تدوم سوى بضع دقائق لا غير، حيث تعود إمامي إلى الاستوديو، وتستأنف قناتها البث من جديد، في إصرارٍ وتحدٍ واضحٍ للعدو.
قد لا يجد المتابع -مثل كاتب هذه السطور- مثالا خيرا من المشهد المشار إليه أعلاه؛ للتعبير عن الفارق والفجوة بين ثقافتين، في المواجهة الدائرة منذ أكثر من أسبوع بين الجمهورية الإيرانية ودولة الاحتلال.
يتجسّد ويتمثل هذا الفارق في شخص الإعلامية سحر إمامي، وكأنها تختزل وتختصر بشخصها تاريخ بلادها -البالغ آلاف السنين- وإصرار شعبها على الصمود، ومواصلة القتال رغم ترهيب العدو.
لا يدرك العدو، الذي استهدف إيران بهجوم مباغت، صبيحة يوم الجمعة الثالث عشر من يونيو2025، إن هذه الثقافة تحديدا، هي سر إخفاق رهانه على إنجاز سريع خاطف، بحق بلاد مثل إيران.
إذ لم يستوعب هذا العدو -رغم كونه جثم على أرض هذه الأمة منذ أكثر من ٧٧سنة- ثقافة هذه الأمة التي يعاديها.
إذ راهن على أن الاغتيالات، وقتل القيادات غيلة وغدرا، ستضمن له حسم سريعا للمعركة، وتجاهل حقيقة أثبتتها تجربته التاريخية، مع المقاومة الشعبية في كلٍ من فلسطين ولبنان، وهي أنه كلما اغتال قيادة، حلت محلها قيادة أخرى أكثر راديكالية، وكلما سقط قائد شهيدا مدرجا في دمه، كلما زادت الجماهير رغبة في الثأر وإصرارا عليه.
لم يستطع العدو على مدار أسبوع كامل، أن يحقق أيًا من أهدافه العسكرية، بحق الجمهورية الايرانية.. كما تمت الاشارة في مقال سابق.
لذا لجأ إلى أسلوبه المفضل، والذي لا يبرع في سواه، وهو التهديد بالاغتيال والترهيب عن طريق القصف الجوي؛ متوهما أن هذا يضمن له، بتعبير حليفه الرئيس الأمريكي: “استسلاما غير مشروط”.
لا يستطيع العدو، استيعاب فكرة أن هؤلاء الذين يهددهم، هم أبناء أمة محفور في ذاكرتها، مقولة إمامها وسبط نبيها الكريم، حين تعرّض لتهديد مماثل: “أ بالموت تهددنا يا ابن الطلقاء؟ إن القتل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة”.
ولا يدرك أن سحر إمامي تتمثل -في صمودها- نموذج زينب بنت علي، تلك السيدة التي واجهت -رغم كافة آلامها- طاغية لا يختلف كثيرا عن طغاة هذا العصر، قائلة: “فكد كيدك واسع سعيك وناصب جهدك فوالله لا تمحو ذكرنا”.
إن هذه الثقافة تحديدا، والتي لم يفهمها بعد لا العدو ولا داعميه من مستعمري الأمس القريب، هي ما مكّنت طهران من استيعاب الضربة الصهيونية، وردها إلى العدو في عقر داره، بشكل فاجأ الجميع بسبب فرط سرعة الرد وحجم ومدى تأثيره.








