يمثل مفهوم “الزمن” أحد أكثر المفاهيم تجريدا وعمقا في الفكر الإنساني، وقد تناولته الحضارات والفلسفات بمنظورات مختلفة. وفي قلب هذه المنظورات، يقدم القرءان الكريم رؤية فريدة للزمن، تميز بين بيعتين متمايزتين له: الزمن الإلهي المطلق، والزمان الإنساني النسبي المحدود. ولعل فهم هذا التمييز، و/أو التمايز، ضروري لاستيعاب العديد من آيات التنزيل الحكيم المتعلقة بالتاريخ، والوعد والوعيد، والحياة الدنيا والآخرة.
ولأن الله سبحانه: ﴿خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ﴾ [الزمر: 62]؛ ولأن الله تعالى: ﴿يَسۡـَٔلُهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ كُلَّ يَوۡمٍ هُوَ فِي شَأۡنٖ﴾ [الرحمن: 29].. فإن “الزمن” الإلهي لا يتحرك من نقطة إلى أخرى، بل هو فعلٌ دائم، يتجاوز التسلسل الزمني. فالله تبارك وتعالى: “كُلَّ يَوۡمٍ هُوَ فِي شَأۡنٖ”؛ أي دائم الخلق، والتجديد، والعناية. لا يوجد “ماضٍ” ولا “مستقبل” بالنسبة لله، بل هو حاضرٌ أبدي يتضمن كل الأزمنة دفعة واحدة.
ومن ثم، فإذا كان الزمن الإلهي هو الزمن المطلق، المتجاوز للحركة والتغيّر، فإن الزمان الإنساني هو زمان الخلق والاختبار؛ بمعنى أن الإنسان يولد في الزمن، ويُختبر عبره، ويتغير داخله، ويفنى فيه.
ولعل ذلك يبدو بوضوح عبر مفهوم “ٱلۡيَوۡمَ” في آيات التنزيل الحكيم.
مصطلح “ٱلۡيَوۡمَ”
يُعدّ مصطلح “ٱلۡيَوۡمَ” من المفاهيم المحورية في القرءان الكريم، ويأتي بأبعاد ودلالات متعددة تتجاوز مجرد كونه فترة زمنية محددة. ففي حين أن لفظ “يوم” قد يشير إلى الفترة من شروق الشمس إلى غروبها في الاستخدام العادي، إلا أنه في التنزيل الحكيم يتسع ليشمل حقبا زمنية طويلة، أو لحظات فارقة، أو حتى أزمنة لا يعلمها إلا الله. هذا التنوع في الاستخدام يعكس عمق المعنى القرءاني وقدرته على الإيحاء بمستويات مختلفة من الفهم.
بعبارة أخرى، يحتلّ مصطلح “ٱلۡيَوۡم” في القرءان الكريم مكانة بارزة بوصفه أكثر من وحدة زمنية، فهو إطار دلالي مفتوح يتجاوز القياس الزمني المتعارف عليه، ليعبّر عن محطات مفصلية في تاريخ الإنسان والكون، ويجسد لحظات التغيير، والابتلاء، والجزاء، والفصل بين الحق والباطل.
ولعل ذلك يتبدى عبر دلالات المصطلح، الذي يأتي في سياقات قرءانية متعددة، منها اليوم الدنيوي، ويوم البعث، ويوم الفصل، ويوم القيامة، بل ويوم الله، ما يُظهر تعدّد الطبقات المعنوية والزمنية لهذا المفهوم.
فمن جانب، يأتي مصطلح “ٱلۡيَوۡمَ” أحيانا للإشارة إلى الوقائع التاريخية الكبرى، كما في قوله سبحانه: ﴿قَالَ ٱللَّهُ هَٰذَا يَوۡمُ يَنفَعُ ٱلصَّٰدِقِينَ صِدۡقُهُمۡۚ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ﴾ [المائدة: 119]؛ وكما في قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَٰنٍ أَلۡزَمۡنَٰهُ طَٰٓئِرَهُۥ فِي عُنُقِهِۦۖ وَنُخۡرِجُ لَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ كِتَٰبٗا يَلۡقَىٰهُ مَنشُورًا ٭ ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكَ حَسِيبٗا﴾ [الإسراء: 13-14]. في هذا السياق، لا يُقصد اليوم بمعناه الفلكي المألوف إنسانيًا (٢٤ ساعة)، بل كمرحلة ذات وزن كوني، يتوقف عندها الزمن الدنيوي، لتبدأ دورة أخرى من المقاييس والمعايير. وبالتالي، يصبح “ٱلۡيَوۡم” حاملا للمعنى الروحي والتاريخي، ويعكس تحوّلا نوعيا في إدراك الزمن من المنظور القرءاني.
من جانب آخر، يأتي مصطلح “ٱلۡيَوۡم” ليُعبر عن فترات زمنية طويلة؛ إذ إن أحد أبرز دلالات “ٱلۡيَوۡمَ” في آيات التنزيل الحكيم هو الإشارة إلى حقب زمنية طويلة جدا، لا يمكن مقارنتها بأيامنا العادية. هذا الاستخدام يبرز بشكل جلي في سياق خلق السماوات والأرض، حيث يُذكر أن الله خلق الكون في “سِتَّةِ أَيَّامٖ”؛ كما في قوله عزَّ وجل: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَ يَطۡلُبُهُۥ حَثِيثٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتِۭ بِأَمۡرِهِۦٓۗ أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأعراف: 54]. ومن الواضح أن هذه الأيام الستة ليست كأيام البشر، بل هي فترات زمنية لا يعلم مدتها الحقيقية إلا الله سبحانه وتعالى. هذا التفسير يتسق مع الفهم العلمي لتطور الكون الذي استغرق مليارات السنين.
من جانب أخير، يأتي مصطلح “ٱلۡيَوۡمَ” ليؤشر إلى تغاير طول “اليوم” باختلاف السياق الإلهي، كما في قوله عزَّ من قائل: ﴿تَعۡرُجُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيۡهِ فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥ خَمۡسِينَ أَلۡفَ سَنَةٖ﴾ [المعارج: 5]. هذا البُعد ينسف التصور المادي الخالص للزمن، ويفتح المجال أمام فهم يتعالى عن التقويم الأرضي، ويُدخل الزمن في نظام إلهي متجاوز. فـ”اليوم” قد يُعادل ألف سنة، أو خمسين ألف سنة، أو لحظة فاصلة بين الكفر والإيمان. وذلك، كما في قوله سبحانه: ﴿يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ يَعۡرُجُ إِلَيۡهِ فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥٓ أَلۡفَ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: 5]؛ وكما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوۡمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلۡفِ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: 47]. ولعل هذه الآيات الكريمات تبرز كيف أن معيار الزمن في الأفق الإلهي مختلف كُليا عن المعيار الإنساني. فـ”اليوم” عند الله لا يُقاس بعدّ الساعات والدقائق، بل يمكن أن يمتد إلى ألف سنة، أو أكثر، من عدّ الإنسان، في إشارة إلى الفارق الوجودي بين الوعي الإنساني والزمن الرباني.
“يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ”
الفارق بين اصطلاح ومصطلح، أن الأول يحتوى على أكثر من مصطلح؛ بمعنى أن اصطلاح “يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ” كمثال، يأتي ليُعبر عن اجتماع مصطلحي “يَوۡم” و”ٱلۡقِيَٰمَةِ” في تعبير (اصطلاح) قرءاني واحد.
وفي آيات التنزيل الحكيم، يرتبط مصطلح “ٱلۡيَوۡمَ” بمصطلحات قرءانية أخرى، مثل “يوم الدين”، أو “يوم الحساب”، أو “اليوم الآخر”، وهي كلها تسميات لموعد الفصل الإلهي العادل. عن “ٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ”، يأتي قوله عزَّ وجل: ﴿وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗا فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱرۡجُواْ ٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ﴾ [العنكبوت: 36]. وعن “يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ”، يأتي قوله عزَّ من قائل: ﴿وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ لَيۡسَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ لَيۡسَتِ ٱلۡيَهُودُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُمۡ يَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ مِثۡلَ قَوۡلِهِمۡۚ فَٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ﴾ [البقرة: 113].
وكما يبدو، فإن هذا اليوم، “يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ”، يشكّل في التصور القرءاني مركز الثقل الأخلاقي، حيث تُعرض الأعمال وتُجزى النفوس، وينكشف الغيب على مرأى من الجميع. فاليوم هنا ليس تاريخا مؤجلا، بل هو فكرة حاضرة في الوعي الإنساني، تُشكّل الضمير وتوجّه السلوك. ومن هذا المنطلق، يرتبط الإيمان بـ”ٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ” ارتباطا وثيقا بالإيمان بالله، وهو أحد أركان العقيدة التي تعيد ضبط مسار الحياة.
في هذا الإطار.. يمكن القول إن الدلالة الأهم والأكثر من حيث الورود لمصطلح “ٱلۡيَوۡمَ” في التنزيل الحكيم هي الإشارة إلى “يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ”، أو”ٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ”؛ من حيث إن هذا اليوم هو يوم الحساب والجزاء، الذي سيقف فيه جميع البشر أمام خالقهم ليحاسبوا على أعمالهم. والقرءان الكريم يصف هذا اليوم بأسماء لها دلالات متعددة، مثل “يَوۡمِ ٱلدِّينِ”، كما في قوله سبحانه: ﴿مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4]. وفي وصف هذا اليوم، ذو الحدث العظيم، يقول تعالى: ﴿يَوۡمَ يَفِرُّ ٱلۡمَرۡءُ مِنۡ أَخِيهِ ٭ وَأُمِّهِۦ وَأَبِيهِ ٭ وَصَٰحِبَتِهِۦ وَبَنِيهِ ٭ لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُمۡ يَوۡمَئِذٖ شَأۡنٞ يُغۡنِيهِ﴾ [عبس: 34-37].
إذ إن هذا الاستخدام القرءاني لمصطلح “ٱلۡيَوۡمَ”، لا يعكس أنه مجرد يوم عادي، بل هو حدث كوني فريد، تتغير فيه كل المقاييس الزمنية والمادية.
وللحديث بقية.








