رؤى

من غزة إلى طهران.. فقه “إنهاك العدو”

رغم إصرار قادة العدو الصهيوني، على كونهم حققوا ما أرادوا من عدوانهم المشترك مع واشنطن، على الجمهورية الإيرانية.. إلا أن من يتابع تصريحات هؤلاء القادة؛ يمكنه بسهولة ملاحظة تناقض واضح في منطقهم.

حيث نقلت صحيفة “جيروزاليم بوست” الناطقة بالإنجليزية عمن أسمتهم مسئولين في الحكومة الصهيونية قولهم، إن منشآت تخزين اليورانيوم المخصب الإيراني، تضررت بالقصف الأمريكي والإسرائيلي.

إلا أن هؤلاء المسئولين -في الوقت ذاته- صرّحوا لنفس الصحيفة، أنهم لا يعرفون على وجه الدقة، كمية اليورانيوم المخصب، التي دُمِّرت ولا مدى قدرة إيران على الوصول إليه.

ولدى سؤالهم -من قبل الصحيفة- عن مدى صحة تصريح قادة إيرانيين، عن تمكنهم من نقل اليورانيوم المخصب، من المنشآت التي استهدفها القصف، أدلى هؤلاء المسئولون الصهاينة بتصريح مدهش؛ وهو أنهم “متأكدون نسبيا” من عدم تمكن الإيرانيين من ذلك!

التناقض ذاته يتبدَّى في تصريح وزيرة الاستيطان الصهيونية أوريت ستروك، التي اعترفت أن القصف الصهيوني لإيران، لم ينجح في تدمير كل الصواريخ الإيرانية. ورغم زعمها أن جيش الاحتلال قضى -على حد تعبيرها- على “قدرة إنتاج الصواريخ، وأرجعناهم إلى الوراء بشكل دراماتيكي” فإنها تراجعت قائلة “لا أستطيع أن أقول إنهم لن يتمكنوا من التعافي من ذلك”.

وعلى جبهة غزة، وفي أعقاب تمكّن المقاومة الفلسطينية هناك، من نصب كمين لقوات الاحتلال، أسفر عن مقتل سبعة جنود.. تعالت أصوات داخل الحكومة الصهيونية، وداخل جيش الاحتلال، تدعو لإنهاء الحرب في غزة.

ونقلت القناة 12 العبرية عن مسئولين في كلٍ من الائتلاف الحاكم وحزب الليكود، أن “الشعب قد أرهق من جبهة غزة ويجب إنهاء العمليات في غزة دون الانجرار خلف، بن غفير وسموتريتش” خاصةً وأن دولة الاحتلال “تدفع بغزة أثمانا أكثر مما تربح ومن الخطأ البقاء فيها”.

وأوضح الكاتب آفي اشكنازي في صحيفة معاريف أن “الاستنزاف غير المعقول لمقاتلي الجيش الإسرائيلي في غزة في حرب لا تنتهي، يحوّل الحدث إلى مأساة يجب أن تهزّ الجمهور”.

وأضاف أنه “في الجيش يدركون أن الإنهاك الذي يعاني منه الجنود هائل، هذا الإنهاك يؤدي إلى الكثير من الأمور السلبية، وبالإضافة إلى الإنهاك الشديد للجنود، هناك أيضا استنزاف للمعدات العسكرية من الدبابات، وناقلات الجنود المدرعة، إلى الطائرات وغيرها”.

ووصف الحرب في غزة بأنها “حرب بلا هدف “حرب إلى لا مكان”، يتم إرسال الجنود إلى نفس الأماكن ليقاتلوا مرة تلو الأخرى من أجل الحفاظ على استقرار الائتلاف، لإرضاء سموتريتش وبن غفير اللذين يعارضان دفع الثمن من أجل تحرير الأسرى، بل إن بن غفير تفاخر بأنه أفشل صفقات لإطلاق سراح الأسرى”.

ونقلت الصحيفة ذاتها عن الكاتب غيرشون باسكين أحد مهندسي صفقة شاليط عام 2011، أن “استمرار الوجود العسكري  في غزة غير ضروري وخطير” خاصةً وأن “التكلفة البشرية للقتال في غزة باهظة وغير مبررة”.

ومما زاد من تعالي هذه الأصوات المنادية بوقف الحرب- إخفاق الاحتلال في تشكيل ميليشيا تابعة له في غزة على غرار ميليشيا “أنطوان لحد” في جنوب لبنان في الثمانينات.

حيث أوضحت صحيفة يديعوت احرونوت أن ميليشيا “أبو شباب” التي سلحها الاحتلال لتكون عونا لقواته ضد المقاومة في غزة، والتي يقدَّر عدد عناصرها بنحو 400 عنصر “لا تزال محصورة في رفح، عاجزة عن التمدد وسط رفض شعبي واسع لها”.

ويبدو أن حالة الإنهاك المشار إليها أعلاه والتي تعاني منها دولة الاحتلال، ليست نتاج عمليات المقاومة فحسب، وإنما نتاج أيضا لتوسع حملة المقاطعة؛ حيث ذكرت صحيفة يديعوت أحرونوت أن هناك اتساعا لـ “نطاق مقاطعة المنتجات الإسرائيلية في أوروبا”.

كل ما سبق، دفع الكاتبة أريئيلا رينغل هوفمان لمطالبة رئيس حكومة الاحتلال لقول الحقيقة على حد تعبيرها وهي “لا يوجد نصر مطلق في غزة، ولن يكون”.

إن الحقيقة التي لا يشاء القادة الصهاينة ولا “العقلانيون” من العرب، كما يحلو لهم تسمية أنفسهم، الاعتراف بها هي أن كيان الاحتلال الصهيوني ورغم “إنجازاته” المزعومة في كلٍ من غزة ولبنان وإيران، إلا أنه هو الطرف الأكثر تضررا، حيث اتقنت تلك الجبهات، فقه إنهاكه واستنزافه، جيشا وحكومة ومجتمعا، على مدار أكثر من 600 يوم من “طوفان الأقصى” إلى “الوعد الصادق 3”.

زر الذهاب إلى الأعلى