يأتي كتاب “عن العروبة والإسلام”، للمفكر المصري الدكتور عصمت سيف الدولة، أحد أبرز الكتب التي ناقشت العلاقة بين العروبة والإسلام، من منظور قومي عربي نقدي. صدر هذا الكتاب عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت عام 1986؛ ويعكس فكر عصمت سيف الدولة -رحمه الله- الذي كان من المفكرين القوميين، الذين حاولوا التوفيق بين الفكر القومي العربي والفكر الإسلامي.
ويأتي الكتاب في سياق تاريخي وسياسي مليء بالتحديات، حيث كانت قضية الوحدة العربية والصراع مع إسرائيل، إلى جانب قضايا الهوية، تشكل محاور أساسية للنقاش الفكري والسياسي في العالم العربي، خاصةً في سبعينات وثمانينات القرن العشرين الماضي. في هذا الكتاب، يحاول سيف الدولة الإجابة على أسئلة محورية: هل يمكن للفكر القومي العربي أن يتوافق مع الإسلام، أم أن هناك تناقضا بينهما؟ وهل العروبة هي بالضرورة مظهر من مظاهر الإسلام، أم أن لكل منهما وجودا مستقلا؟
العروبة والإسلام
في بداية الكتاب، يناقش سيف الدولة مسألة الهوية العربية، وكيف تتشابك هذه الهوية مع الإسلام تاريخيا وثقافيا؛ ويرى أن العروبة والإسلام لا يمكن الفصل بينهما، حيث إن الإسلام قد نشأ في سياق عربي، وتاريخ الإسلام ارتبط بالعرب في مراحله التأسيسية. لكنه، في الوقت نفسه، يشير إلى أن الإسلام ليس حِكرا على العرب، وأن هناك شعوبا إسلامية -غير عربية- ساهمت بشكل كبير في نشر الإسلام وتطوير حضارته.
يحاول سيف الدولة، في هذا الإطار، بناء نظرية عن الهوية العربية، يؤكد فيها أن العروبة ليست مجرد لغة أو قومية، بل هي مشروع حضاري شامل؛ ويرى أن العروبة قد استوعبت الإسلام في إطارها التاريخي والحضاري، دون أن تختزله أو تجرده من معانيه الدينية والروحية. ومن هنا، يدعو سيف الدولة إلى فهم العروبة والإسلام على أنهما متكاملان، وليس متضادين.
وينتقد سيف الدولة الاستخدام السياسي للإسلام لتبرير الانقسامات والصراعات داخل المجتمعات العربية؛ ويشير إلى أن الإسلام، بدلا من أن يكون عنصرا للتفريق بين العرب على أسس مذهبية أو طائفية، يجب أن يكون عنصرا للوحدة. ويعتبر أن الإسلام حمل رسالة عالمية تستوعب الجميع وتدعو إلى التعاون والتسامح. ومن هنا، يرى أن الحل للأزمات التي تعاني منها المجتمعات العربية يكمن في استعادة الروح الإسلامية الحقيقية، التي تدعو إلى الوحدة والتضامن بين أبناء الأمة.
ومن ثم، يحذر سيف الدولة من استغلال الإسلام لتحقيق أغراض سياسية أو لتبرير الاستبداد؛ مؤكدا على أن الإسلام هو دين يرفض الظلم ويدعو إلى العدل والمساواة، وأن العودة إلى المبادئ الإسلامية الأصيلة ستساهم في بناء مجتمع عادل يقوم على احترام حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية.
مفهوم الأمة
ويعتمد سيف الدولة، في أطروحته، على مفهوم الأمة كما ورد في القرآن الكريم، ويقدّم رؤية متعمقة لهذا المفهوم من منظور اجتماعي وسياسي. يوضح سيف الدولة أن مفهوم “الأمة” في القرآن ليس حِكرا على الدين فقط، بل يشمل أبعادا اجتماعية وجغرافية تعكس تفاعلات البشر مع الأرض والتاريخ.
ويرى أن القرآن الكريم يقدم مفهوما للأمة يتجاوز مجرد الانتماء الديني أو العرقي؛ ففي العديد من الآيات، يتم استخدام مصطلح الأمة للإشارة إلى مجموعة من الناس تربطهم روابط اجتماعية واقتصادية وجغرافية، وليس فقط الدين. ويشير إلى أن الأمة في الإسلام قد تكون جماعة بشرية تعيش في إطار مجتمع محدد، وتتفاعل مع بيئتها وأرضها بشكل مشترك، مما يعكس أن الأمة لها علاقة بالبعد الاجتماعي والاقتصادي، بالإضافة إلى الروابط الروحية.
ويدعو سيف الدولة إلى فهم أوسع لمفهوم الأمة، يتجاوز الرؤية الضيقة التي تربطها بالدين أو اللغة وحدهما؛ ويعتبر أن الأمة هي “مجتمع إنساني يعيش على أرض مشتركة”، ويتشارك في تطور اجتماعي واقتصادي واحد، بصرف النظر عن الاختلافات الدينية أو الثقافية داخل هذا المجتمع.
ويؤكد أن الأمة في القرآن الكريم تعبر عن جماعة مرتبطة بالعمل المشترك والمصير المشترك، أي “وحدة الوجود والمصير”؛ وهذا يمكن أن ينطبق على الأمة العربية التي تجمع بين الإسلام والعروبة كأساس لحضارتها.
في هذا الإطار، يحذر سيف الدولة من اختزال مفهوم الأمة في البعد الديني أو اللغوي فقط، ويشدد على أن الأمة في القرآن، وفي السياق الحضاري العربي والإسلامي، يجب أن تُفهم على أنها “مشروع حضاري” يتضمن كافة جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فالأمة، بحسب سيف الدولة، ليست مجرد جماعة دينية، بل هي كيان حضاري يشمل كل من يعيش ضمن إطار حضارتها وثقافتها، بصرف النظر عن الدين أو اللغة.
الإسلام والدولة
أحد المحاور الرئيسية التي يناقشها سيف الدولة في الكتاب هو مسألة الدولة في الإسلام والعروبة. يعرض موقفه من فكرة “الدولة الإسلامية”، ويطرح سؤالا مُهما: هل يمكن إقامة دولة إسلامية بالمعنى الحرفي للكلمة، أم إن الإسلام دين لا يتضمن تصورا محددا للدولة؟. هنا يجادل سيف الدولة بأن الإسلام لم يقدم نموذجا ثابتا للدولة، بل ترك المجال مفتوحا للاجتهاد وفقا للظروف التاريخية والاجتماعية.
ويرفض سيف الدولة مفهوم “الدولة الدينية” التي تعتمد على الشريعة مرجعا وحيدا للحكم، ويرى أن هذا النموذج لا يتوافق مع طبيعة الإسلام، الذي يدعو إلى العدل والمساواة ويترك مساحة واسعة للتفكير البشري في قضايا الحكم والإدارة؛ ويعتبر أن الدولة في الإسلام يجب أن تقوم على أسس مدنية ديمقراطية، تراعي حقوق الإنسان وتحقق العدالة الاجتماعية.
وبالتالي، ينتقد سيف الدولة الحركات الإسلامية التي تسعى إلى إقامة دول دينية، ويعتبر أنها تقدم تفسيرا ضيقا ومشوها للإسلام؛ حيث يرى أن هذه الحركات تخلط بين الدين والسياسة، بطريقة قد تضر بالإسلام نفسه وتؤدي إلى تفتيت المجتمعات العربية. لذا، يشدد على ضرورة التمييز بين الدين كقوة روحية وحضارية، وبين الدولة بوصفها كيانا سياسيا يقوم على مبادئ المواطنة والعدل. ويدعو إلى رؤية الإسلام بوصفه قوة روحية وثقافية تساعد على تحقيق الوحدة، بدلا من استخدامه كأداة سياسية لتقسيم المجتمعات أو فرض نظم حكم معينة.
رؤية متوازنة
أيضا، يرى عصمت سيف الدولة أن العروبة ليست مجرد قومية ضيقة، بل إطار حضاري واسع يشمل العرب والمسلمين. ويركز على أن العروبة تمثل مشروعا حضاريا يقوم على وحدة اللغة والثقافة والتاريخ، ولا تتعارض مع الإسلام. بل، يؤكد على أن الإسلام قد أسهم في توحيد العرب وخلق حضارة مشتركة تجمع بينهم. ويرى أن العرب كأمة لهم دور خاص في التاريخ الإسلامي.
ويدعو سيف الدولة إلى “رؤية متوازنة” تجمع بين القومية العربية والإسلام كإطارين حضاريين متكاملين؛ وذلك عبر تجاوز الخلافات الطائفية والمذهبية التي تعيق الوحدة بين العرب والمسلمين، ويؤكد أن السبيل لتحقيق هذه الوحدة يكمن في الاعتماد على الإسلام كمرجعية حضارية وروحية، إلى جانب تعزيز الهوية العربية كإطار ثقافي جامع.
وختاما، فإن الدراسة التي قدمها عصمت سيف الدولة لمفهوم الأمة في القرآن، تعزز فهمنا لأطروحته الرئيسة حول العلاقة بين العروبة والإسلام؛ فهو يرى أن الأمة العربية والإسلامية تحمل في طياتها أبعادا اجتماعية واقتصادية وجغرافية، تجعلها أكثر شمولية من المفاهيم الضيقة للأمة، تلك التي تقتصر على الدين أو اللغة فقط. الأمة في القرآن الكريم، كما يراها سيف الدولة، هي “مجتمع حي يتفاعل مع الأرض والتاريخ”، وأن هذا المجتمع يسعى لتحقيق مصيره المشترك ضمن إطار حضاري واسع.








