رؤى

قراءات إسلامية (8): الدولة وتحول مسار الخلافة

في نص أساسي من المقدمة، لم يلق الاهتمام الذي يستحق، بالرغم من مركزيته في فهم فلسفة ابن خلدون السياسية، في ما يتعلق بظاهرة الدولة في التاريخ العربي الإسلامي.. صيرورتها وتحولها بعد العهد الراشدي (الخلافة).

يقول ابن خلدون: “فصار الأمر إلى المُلك وبقيت معاني الخلافة من تحري الدين ومذاهبه والجري على منهاج الحق، ولم يظهر التغير إلا في الوازع الذي كان دينًا ثم انقلب عصبية وسيفًا.. ثم ذهبت معاني الخلافة ولم يبق إلا اسمها وصار الأمر مُلكًا بحتًا”.

ما يمكن ملامسته عبر هذا النص “المستفز” بالنسبة إلى كثيرين، أن ثمة مراحل تاريخية ثلاث، متتالية، ومتداخلة، تحولت فيها الخلافة إلى مُلك.

مراحل تحول الخلافة

الأولى مرحلة الخلافة أي المرحلة التي تطابق فيها الوازع الديني أو بالأحرى تحري الدين ومذاهبه، والمعنى (الجري على منهاج الحق). وهي تلك المرحلة الممتدة ـزمنيًاـ من لحظة وفاة الرسول –عليه الصلاة والسلام– وتولي أبو بكر أمر الخلافة، إلى أواسط حكم عثمان.

والثانية مرحلة الخلافة /المُلك أي المرحلة التي تحول فيها الوازع من الدين إلى العصبية، رغم بقاء المعنى. وهي المرحلة الممتدة من لحظة تولد الفتنة في زمن عثمان، إلى انتصار معاوية.

والثالثة مرحلة المُلك، أي المرحلة التي تأسس فيها الأمر على المُلك، بعد إزاحة معنى الخلافة، فلم يبق منها إلا اسمها.

الأمر الجدير بالانتباه في رؤية ابن خلدون، هو الامتداد الزمني الذي تم فيه هذا التحول من الخلافة القائمة على الشورى، إلى المُلك القائم على القوة والغلبة.

ابن خلدون
ابن خلدون

ففي حين امتد هذا الأخير، أو بالأحرى دولة المُلك السياسي، لتغطي مساحة زمنية تزيد عن ثلاثة عشر قرنًا، أي منذ لحظة تأسيس معاوية لبنية الدولة على أساس المُلك في الإطار الإسمي الخلافة، إلى اللحظة التي أصدرت فيها الجمعية الوطنية التركية قرارًا يقضي بالفصل بين الخلافة والسلطنة تم هذا في عام 1922، بعد ثورة مصطفى كمال، وكان تمهيدًا للقرار الذي صدر في مارس 1924 ليلغي الخلافة رسميًا وليقيم دولة عثمانية.

بينما امتد ذلك في تلك المرحلة الزمنية الطويلة.. تم التحول، إياه، من الخلافة إلى المُلك، في مدى زمني قدره ثلاثون سنة منذ وفاة الرسول في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، وحتى نزول الحسن بن علي عن الخلافة لمعاوية في ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين من الهجرة.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف يمكن في هذا المدى الزمني الصغير، أن يحدث مثل ذلك الانقلاب؟.. وهل يمكن أن يتحقق تأسيس المُلك العضوض -بتعبير السلف- على يد شخص مثل معاوية، مهما قيل عن سلوكه من الدهاء والقدرة على المفاوضة، ناهيك عن الشعرة إياها (شعرة معاوية)؟.

ثم، ألا يُعبر ذلك عن مفارقة، تتمثل في القبول السريع لدولة عضوض (أي سلطان سياسي قائم على القوة والقسر) من قبل الذهنية العربية الإسلامية، رغم أنها لم تبتعد لأكثر من سنوات قليلة، ليس فقط عن النبوة والوحي؛ ولكن أيضًا عن حالتها في التمحور حول رفض المُلك؟!.

الإسلام

دلالة لفظة “مُلك”

يتضمن هذا التساؤل ذي الشُعَب جوانب متعددة بيد أننا، على نحو خاص بالضرورة، سوف نحصر مجال اهتمامنا هنا بالجانب الأخير من التساؤل، على أن نحاول تخصيص أحاديث أخرى لتلك الجوانب الأخرى.

ولعل الدافع إلى الاهتمام بهذا الجانب، أن هذه المفارقة، المشار إليها تمثل المسكوت عنه في كافة المنتجات الفكرية التي حاولت التعرض للانقلاب الحاصل في التاريخ العربي الإسلامي، في ما يخص صيرورة الخلافة وتحولها إلى مُلك، إذ إن المصرح به والذي أجمع عليه الجمهور، أن معاوية هو صاحب التحول في تلك الصيرورة.

أيًا يكن الأمر، فإن مفارقة قبول الذهنية العربية الإسلامية السريع بهذا التحول بل الانقلاب والتصالح معه، يمكن أن تتبدى بوضوح إذا لاحظنا الملامح الأساسية الدالة على الكيفية التي كانت بها هذه الذهنية تتمحور حول رفض المُلك.

هنا لنا أن نلاحظ أن الأصل اللغوي للجذر “م، ل، ك” يشير إلى النسق الدلالي الذي ينطوي عليه الاستعمال العربي للفظة مُلك، وهو صفتها الإكراهية تغلبًا بالقوة المفروضة. ففي “لسان العرب” جاء أن “المَلْكُ والمُلْكُ والمِلْكُ احتواء الشيء والقدرة على الاستبداد به.. وماله مَلْكُ ومِلْكُ ومُلْكُ أي شيء يملكه.. والمملكة سلطان المَلِك في رعيته”. أما في “القاموس المحيط” فقد جاء أن “مَلَكَهُ احتواه قادرًا على الاستبداد به.. والمملكة عز المَلِك وسلطانه وعبيده”.

ومن ثم، لنا أن نتصور التجليات التي يمكن أن يثيرها هذا النسق الدلالي للفظة “مُلك” في الاستعمال العربي، والذي تجاوز في ما يبدو، الصفة الإكراهية إلى السلطان والاستبداد، بل والعبودية.. خاصة إذا تأملنا المرتكزات المُشَّكِلة للذهنية العربية المتواجدة في مجتمع الجزيرة قبل الإسلام؛ هذا المجتمع الذي كان ينتظم وجوده كل أنواع الحياة المتداخلة على أساس القبيلة.

هذا من جهة.. ومن جهة أخرى تشير الدورة الدلالية للجذر “م، ل، ك” ومشتقاته كما وردت في القرآن الكريم، إلى ما يُقارب النسق الدلالي الذي يشير إليه الجذر ذاته.. فمن خلال “206” موضعًا وردت فيها لفظة ملك ومشتقاتها، فقد وردت بمعنى السلطة السياسية، في مواضع متعددة. من هذه المواضع، قول الله تعالى: “إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ” [النمل: 23].. وقوله سبحانه: “قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ” [النمل: 34].

هنا نلاحظ أن لفظة ملك قد وردت في الآية الأولى بصيغة الفعل “تَمْلِكُهُمْ”، للإشارة إلى دولة، أو بالأحرى مملكة سبأ في جنوب الجزيرة العربية، وهي من الممالك التي عرفها عرب الجنوب قبل الإسلام. وقد جاءت صيغة الفعل مصحوبة بصفة تدل عليه، أي تدل على مقومات هذه الملكية “وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ” ثم تأكيد هذه الصفة “وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ”، إذ العرش هو رمز المملكة.

ويمكن أن نلاحظ أيضا أنه في الآية الثانية، وردت لفظة “مُلك” بصيغة اسم الجمع المعرفة بأداة التعريف (ال) “الْمُلُوكَ” للإشارة إلى ما يشبه القاعدة العامة في ما يخص السلطة السياسية الرادعة والإكراهية. وقد جاءت صيغة اسم الجمع مصحوبة بصفة تدل عليه، أي تدل على سمات الردع والإكراه “أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً”؛ ثم تأكيد هذه الصفة “وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ”.

ويكاد يُجمع معظم المفسرون الطبري في “جامع البيان في تفسير القرآن” وابن كثير في “تفسير القرآن العظيم”.. وغيرهم، على أن “وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ” هو تأكيد من القرآن نفسه لكلام بلقيس ملكة سبأ، اللهم إلا ما ورد في “الكشاف” للزمخشري، من أن: “وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ” هو استرسال لكلام بلقيس.

وأيًا يكن الأمر، فإن لفظة “مُلك” قد وردت في هاتين الآيتين [23، 34]، من سورة النمل، بما يشير إلى السلطة السياسية للمُلك، مقوماتها وسماتها… يتبع.

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock