رؤى

طوفان الأقصى.. ونموذج داود الجديد

لم يكن عبثا ولا من قبيل الصدفة البحتة، أن تختار المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة اسم “حجارة داود” عنوانا لعملياتها ضد قوات الاحتلال الصهيوني في القطاع، وردا على اسم “مركبات جدعون” الذي أطلقته تلك القوات على عدوانها المستمر على غزة.

إذ أرادت المقاومة أن ترد على اختيار العدو مسمى توارتي لعدوانه بقصة توراتية مغايرة، وردت في القرآن الكريم أيضا مع اختلاف في التفاصيل.

وملخص قصة “حجارة داود” كما وردت في سفر صموئيل الأول، في العهد القديم (التوراة) هي أن جيش بني يعقوب -كما تسميهم القصة- بقيادة الملك طالوت كان في ميدان المعركة ضد عدوهم.

ثم برز من بين صفوف العدو، رجل مبارز يدعى جالوت، والذي يبرز النص التوراتي، ضخامة جسمه وقوة بنيته، وحرصه على أن يحصن ذاته، بدرع وخوذة من النحاس.

وبدأ جالوت يتحدى جيش بني يعقوب، ويسب معتقداتهم دون أن يبرز من بينهم من يتصدى له، إلى أن برز الشاب داود راعي الغنم، وطلب من الملك طالوت أن يسمح له بمواجهة جالوت، وهو ما رفضه الملك نظرا لحداثة سن داود، إلا أن الأخير أكد له ذلك قائلا “إنّ الله الّذي نجاني من قبضة الأسد والدبّ، ينجيني من هذا الوثنيّ”. فأجابه الملك: “اذهبْ، وليحرسك الله أينما توجّهت”.

لم يختر داود -وفقا للنص- أن يكون سلاحه كسلاح جالوت، وإنما اكتفى بخمسة من حجارة ملساء من الوادي ووضعها في جرابه، وأخذ مقلاعه وقصد جالوت.

وحين تلاقى الخصمان في ميدان المعركة، استخف جالوت بالفتى داود وسخر منه لصغر حجمه، إلا أن داوود قال لعدوه “أنت تستعين بالسيف والرمح والترس، أمّا أنا فأستعين باسم الله العزيز القدير، الّذي يعبده جيش بني يعقوب، وقد تحدّيتَه أنت. وفي هذا اليوم ينصرني الله عليك، فأقتلك وأقطع رأسك، وأقدّم جنودك جثثًا إلى الطيور والوحوش، حتّى يعلم العالمون أنّ ربّنا هو الحقّ، وهو الحيّ القيّوم”.

ثم أخرج داود مقلاعه وقذف به حجرا نحو عدوه فانغرز في جبهة جالوت وقتله وخر صريعا.

على مدار سنوات طوال، استغلت دولة الاحتلال الصهيوني هذه القصة التوراتية لتصوير ذاتها على أنها “داود” الصغير الذي يواجه “عماليق” العرب المحيطين به ويصرعهم.

لكن المقاومة الفلسطينية عكست الآية، وصار داود اليوم فلسطينيا صميما يواجه جالوت الصهيوني المسلح والمدرع.

يبرز داود الفلسطيني المؤمن بربه والمتوكل عليه تماما كـ “داود” التوراتي في كافة تسجيلات المقاومة المصورة، يواجه درع “جالوت” الجديد باللحم الحي.

ففي تسجيل مصوّر بثته المقاوم،٫ يطارد داود الجديد المدرعة الصهيونية، ويطلق عليها النار من مسافة صفر، ويحاول اقتحامها لقتل من فيها من جنود، والمدرعة – ويا للمفارقة- تفر هاربة بطاقمها طالبة النجاة.

وفي تسجيل آخر، يتقدم داود الفلسطيني نحو حاملة جند صهيونية غير عابئ ولا خائف ويقذف بالعبوة الناسفة من فوهتها المفتوحة، وسط صراخ جنود “جالوت” الصهيوني، فيحرقهم عن بكرة أبيهم وينسحب سالما.

ولا يملك “جالوت” الصهيوني سوى أن يعترف بتأثير حجارة داود الفلسطيني، فتقر القناة السابعة بالتلفزة الصهيونية بارتفاع عدد قتلى قوات الاحتلال في شهر يونيو ٢٠٢٥ إلى ٢٢ قتيلا وهو رقم -وفقا لعسكريين صهاينة- كان يتكبده جيش الاحتلال في عام كامل خلال احتلاله جنوب لبنان (١٩٧٨-٢٠٠٠).

كما يعترف موقع حدشوت بزمان، بأن المقاومة الفلسطينية تمكنت من اختراق أسلوب عمل وتحركات جيش الدفاع الإسرائيلي في غزة، وتضرب الجنود والقوات المدرعة بعنف في ميدان الرماية.

وتأتي هذه الاعترافات الصهيونية، في وقت يكثف فيه داود الفلسطيني من ضرباته الموجهة إلى جبين جالوت الصهيوني.

حيث شهد الثاني من يوليو ٢٠٢٥، أربع عمليات متتالية ضد قوات الاحتلال في قطاع غزة: الأولى كانت في حوالي الساعة الثامنة صباحا، عندما أطلق مسلح قذيفة مضادة للدروع على منزل كان يتواجد فيه جنود وحدة إيجوز، وهي إحدى وحدات النخبة في جيش الاحتلال، شرق مدينة غزة، ونتيجةً لذلك أصيب جنديان.

والثانية كانت أثناء إخلاء الجرحى من إيجوز، حيث أطلق مسلح فلسطيني قذيفة مضادة للدروع على دبابة صهيونية، وقتل نتيجة ذلك جندي وأصيب 3 آخرون.

أما الثالثة فكانت في الساعة 12:30، حين أطلق مسلح ببندقية قنص النار على قوة من وحدة إيجوز، في حي الشجاعية، ما أدى إلى إصابة جندي بجروح خطيرة.

وجاءت الرابعة في الساعة 13:00، حيث فجّرت عبوة ناسفة بجرافة من نوعية D9 في حي الشجاعية ما أدى إلى إصابة جنديان بجروح.

وأوضح مراسل إذاعة جيش الاحتلال أن جميع الجنود الثمانية الذين أُصيبوا في الحوادث المختلفة أجلوا لتلقي العلاج في المستشفيات، وأبلغت عائلاتهم.

وليس خافيا على المتابع، تزامن هذه العمليات مع مفاوضات غير مباشرة، رامية لوقف المعركة في غزة وتبادل الأسرى، وكأن داود الفلسطيني يرسل رسالة بالدم والنار لجالوت الصهيوني، مفادها أن حجارتنا التي تستهين بها هي أمضى من عرباتك المزعومة.

زر الذهاب إلى الأعلى