بعد أن توقّف القتال بين كل من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية من جهة وإيران من جهة أخرى – ربما بشكل مؤقت- بعد حرب سريعة لم تستخدم فيها القوات البرية، ولم يتجاوز مداها الزمني الأسبوعين، يصبح من اللازم، ومن المشروع لدينا بوصفنا عربا أن نطرح عددا من التساؤلات التي تخص البلدان العربية، فيما يتعلق بهذه الحرب: أسبابها ومسارها ونتائجها وانعكاساتها وتأثيراتها ودلالاتها.
فبدايةً الحرب الأخيرة كان لها جذور تخص تطورات في منطقة الشرق الأوسط، تتبلور وتتعاظم منذ سنوات، بل منذ عقود، ولكنها تصاعدت بشكل دراماتيكي، منذ اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر 2023، حيث سعت إيران لتثبت للأطراف الأخرى، سواء في المنطقة أو خارجها، وسواء حليفة لها أو صديقة أو محايدة أو معادية، إنها الرقم الصعب في المعادلة الشرق أوسطية وتوازنات القوى بها، وإنها لن تترك أحد حلفائها الهامين في الساحة العربية، والمقصود هنا حركة “حماس” الفلسطينية، وحدها في تلك الحرب، بل إنها ستقوم هي بنفسها ومن خلال تعبئة بقية حلفائها في المنطقة، مثل “حزب الله” في لبنان، وجماعة “الحوثيين” في اليمن، وبعض الجماعات الشيعية المسلحة الموالية لها في العراق، لدعم “حماس” والدخول في الحرب مباشرة أو بالوكالة ضد إسرائيل؛ بهدف تشتيت جهود الأخيرة واستنزافها على المدى الطويل.
وكان ذلك الدور الإيراني بمثابة “العامل المحفز”، أو ربما حتى “العامل المفجر”، لإسرائيل للتخطيط بجدية للدخول في مواجهات مباشرة مع إيران، وهو أمر عمدت إلى تجنبه على مدار سنوات طويلة منذ انتصار الثورة الإيرانية في فبراير 1979، ولكن هذا الدور الإيراني لم يكن العامل الوحيد ولا أساس العلاقة المستحكمة التناقض بين إيران وإسرائيل، فقد كانت هناك بالطبع موضوعات أبعد قِدما وعمقا وأكثر أهمية لإسرائيل؛ مثل البرنامج النووي الإيراني، وكان هناك أيضا حالة تناقض مصالح جوهري واضح بين البلدين، خاصةً على الصعيد الإقليمي، ولكن أيضا على الصعيد الدولي، بالرغم من أن بعض علماء السياسة يذهب إلى أن الحكام في إيران وتل أبيب اليوم كلاهما ينتمي إلى “يمين” يستمد شرعيته ومشروعيته من جذور دينية ومذهبية وتاريخية، وإن كان ذلك القول يتجاهل اعتبارات أيديولوجية وثقافية وتاريخية عدة، وكان هناك التصارع بين إيران وإسرائيل، ومع أطراف أخرى في المنطقة، على من سيكون “الدولة الأقوى في المنطقة”، أو من يرث فعليا دور إيران في عهد الشاه الراحل محمد رضا بهلوي، الذي كان بمثابة “شرطي” الخليج كما كانت تصفه الأدبيات السياسية الغربية والأمريكية في زمن حكمه، ولكن هذه المرة كان التنافس على من يكون شرطي “الشرق الأوسط” بأكمله.
والواقع أن الكثير من صراعات وصدامات إيران وإسرائيل غير المباشرة، ثم لاحقا المباشرة السريعة، قد دارت على أراض عربية، سواء في لبنان أو فلسطين أو سوريا في زمن حكم الرئيسين الراحل حافظ الأسد والسابق بشار الأسد، وبينما كانت إسرائيل تسعى للبرهنة باستمرار، وخاصةً في فترات حكم اليمين وائتلافاته، الغالبة منذ بداية الألفية الثالثة، على أنها الأقوى في المنطقة، وبالذات الأقوى من الأطراف العربية مجتمعة، خاصةً للأطراف الخارجية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، سعت إيران، بشكل تدريجي ومخطط، إلى تجميع أكبر قدر ممكن من الأوراق في المنطقة العربية في يدها، خاصةً ما يتعلق بمناطق التماس أو المواجهة مع إسرائيل، لتعزيز مكانتها ودورها الإقليمي، ومن ثم العالمي – من جهة- ولكسب دعم أو على الأقل تعاطف الشارع العربي، أو قطاعات هامة منه، لاتزال تشعر بأن “إسرائيل هي العدو وأن القضية الفلسطينية هي القضية المركزية” من جهة أخرى.
وقد استغل الطرفان، في مسعاهما هذا، التراجع المستمر وتزايد الوهن والضعف في النظام الإقليمي العربي، على مدار النصف قرن الأخير، بشكل تدريجي ولكن مستمر ومتصاعد، وتحديدا منذ اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في ربيع عام 1975، ودور بعض الأطراف العربية في التسبب في اندلاعها في المقام الأول ثم ما أدت إليه تلك الحرب واستمرارها لعقد ونصف من الزمان تقريبا، من تداعيات سلبية عديدة على الصعيد العربي، كان من أهمها إحداث تصدُّع في العلاقات بين العديد من الدول العربية، ومن ثم شروخ في النظام الإقليمي العربي، واستهداف للأمن القومي العربي، وهي ظواهر وأعراض تعززت بعد زيارة الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات للقدس في نوفمبر 1977، وما تلاها من انقسام العرب بين أغلبية من الدول معارضة لهذه الخطوة، وما تلاها من اتفاقيات كامب دافيد ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، وأقلية رفضت القطيعة مع مصر، ثم اندلاع الحرب العراقية الإيرانية في عام 1980، بعد عام ونصف فقط من انتصار الثورة الإيرانية التي أعلنت قطع علاقاتها مع إسرائيل ودعم النضال الفلسطيني، أيًا كانت الدلالات العملية لهذا الموقف آنذاك، واستمرار تلك الحرب لثماني سنوات وانقسام العرب ما بين أغلبية مؤيدة للعراق وأقلية وقفت بجانب إيران أو على الحياد، ثم الغزو الإسرائيلي للبنان ودخول القوات الإسرائيلية لأول مرة منذ نشأتها في عام 1948، عاصمة عربية وهي العاصمة اللبنانية بيروت في صيف 1982، وحالة العجز العربي أمام هذا الغزوـ وتوج ذلك كله بالغزو العراقي للكويت في أغسطس 1990، وانقسام العرب إلى أغلبية مناهضة للغزو، وأقلية داعمة له أو وقفت على الحياد.
وفي نهايات ذلك العقد أيضا، شهدت إيران وفاة القائد المؤسس لنظام ولاية الفقيه آية الله الخميني، في فترة كانت إسرائيل تشهد تغيرات كثيرة في التركيبة السياسية، وانتقال السلطة في شكل متسارع بين يسار الوسط، ممثلا في حزب العمل، واليمين ممثلا في “الليكود” أو تشكيل حكومات وحدة وطنية جمعت بين اليمين واليسار.
وكانت النقطتان المضيئتان عربيا في هذا العقد، هي اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى في عام 1987، وما أفرزته من نتائج دفعت الولايات المتحدة الأمريكية لفتح حوار مع منظمة التحرير الفلسطينية، وفتح مكتب تمثيلي للمنظمة في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعودة العلاقات بين مصر والدول العربية الأخرى، وعودة جامعة الدول العربية إلى مقرها الدائم في القاهرة، بعد تولي الرئيس الراحل محمد حسني مبارك مقاليد الحكم، بعد اغتيال الرئيس الراحل محمد أنور السادات في عام 1981.
وفي عقد التسعينات تعاقبت التطورات، التي زادت من الانقسام العربي، ومن تراجع النظام الإقليمي العربي، ما بين اتفاقيات أوسلو عام 1993، بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، ثم اتفاقية وادي عربة للسلام بين الأردن وإسرائيل في عام 1994، وفقد العرب زعماء من العيار الثقيل في نهايات ذلك العقد، سواء اتفقنا أو اختلفنا معهم في توجهاتهم ومواقفهم، مثل الملك حسين بن طلال ملك الأردن، والملك الحسن الثاني ملك المغرب، والرئيس السوري الراحل حافظ الأسد.
وربما كان الإنجاز الجماعي الأكبر للعرب في ذلك العقد، هو الخروج بقرار من مؤتمر المراجعة لمعاهدة عدم الانتشار النووي، الذي استضافته مصر في شرم الشيخ آنذاك، وبدعم إيراني بإخلاء الشرق الأوسط من كافة أسلحة الدمار الشامل، بما فيها السلاح النووي، رغم أنه قرار لم يطبق حتى الآن، كما يرى البعض أن تواجد السلطة الوطنية الفلسطينية في قطاع غزة، وبعض أجزاء من الضفة الغربية بدءًا بأريحا منذ 4 مايو 1994، بينما لم يكن استقلالا أو خاليا من العيوب وأوجه القصور ومواطن الخطر المستقبلي والضمانات المطلوبة، فقد كان تحوّلا نوعيا إيجابيا في المجمل في تاريخ القضية الفلسطينية.
وإن كان ذلك العقد قد بدأ مبشِّرا من خلال مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط، في ظل الأمم المتحدة وبرعاية أمريكية روسية مشتركة، فإنه تمخّض عن القليل فعليا على أرض الواقع، بتطبيع عدد من الدول العربية، غير المتاخمة لإسرائيل لعلاقاتها معها، وهو تطبيع سرعان ما انهار مع انهيار لمسارات السلام بين إسرائيل وكل من الفلسطينيين وسوريا، وانهيار ما كان يسمى بالمسارات متعددة الأطراف للمفاوضات، التي تناولت قضايا نزع السلاح والأمن الإقليمي والمياه واللاجئين والتنمية الاقتصادية والبيئة، وصعود ثم سقوط حكومة اليمين في إسرائيل بزعامة بنيامين نتنياهو التي حكمت ما بين 1996، و1999، وفشل مفاوضات كامب دافيد 2 في عام 2000، بوساطة أمريكية للرئيس الأسبق بيل كلينتون، بين الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك “إيهود باراك”، ومن ثم اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، التي اختلفت في العديد من معالمها عن الانتفاضة الأولى، وشهدت صعود نجم التنظيمات الفلسطينية الرافعة لشعارات الإسلام السياسي الأصولي مثل “حماس” و”الجهاد الإسلامي”.
وبدأت الألفية الثالثة باعتداءات 11 سبتمبر 2001، في الولايات المتحدة الأمريكية، وما تلاها من ردود فعل أمريكية تمثلت في غزو أمريكي لأفغانستان في عام 2001، ثم للعراق في عام 2003، والأخير كان مرة أخرى محل خلاف عربي/عربي بين معارض وصامت ومؤيد ضمنيا، وما بين التاريخين حدث تطور إيجابي تمثل في إعلان الرئيس الأمريكي آنذاك، جورج دبليو بوش، الاعتراف بحل الدولتين للقضية الفلسطينية للمرة الأولى في تاريخ هذه القضية، من جانب الولايات المتحدة الأمريكية، وتلا ذلك محاولات غزو وحروب إسرائيلية موجهة ضد كل من لبنان وقطاع غزة، الذي انفصل عن الضفة الغربية وأصبح خاضعا لحكم حركة “حماس” مقابل سيطرة السلطة الفلسطينية على أجزاء من الضفة الغربية، وذلك بعد عامين فقط من غياب قيادة تاريخية عربية وفلسطينية أخرى، مرة أخرى سواء اتفقنا أو اختلفنا معه، وهو الزعيم الراحل ياسر عرفات الذي رحل عن عالمنا في عام 2004، وقد كانت المقاومة التي لقيتها إسرائيل عند هجومها على كل من لبنان وغزة في العقد الأول من القرن الحالي- كاشفة عن مدى تعمق العلاقات الاستراتيجية بين كل من حركة “حماس” و”حزب الله” من جهة وإيران من جهة أخرى، ودعم الأخيرة التسليحي والتدريبي والمعلوماتي لهما، وكذلك من خلال الخبراء وبعض أوجه الدعم المادي والاقتصادي.
أما العقد الثاني من القرن الحالي، فقد بدأ بما أطلق عليه الإعلام الغربي تعبير “الربيع العربي”، وما أطلق عليه بعض العرب “الثورات”، والبعض الآخر “الانتفاضات” والبعض الثالث “المؤامرات”، وهو الذي أدى إلى آثار ونتائج متنوعة في الدول العربية، ولكنها جميعا أسهمت في انكفاء الدول العربية على ذاتها لعدد زاد أو قل من السنوات، وعدم انغماسها بنفس المستوى والدرجة، كما كان في السابق في لعب أدوار دولية أو إقليمية أو في الاهتمام بالقضايا ذات الطابع القومي العربي، ومن ثم نَجَمَ عن ذلك تراجع كبير في فعالية النظام الإقليمي العربي. فهناك دول شهدت أحداث “الربيع العربي” لسنوات قليلة ولكنها خلال تلك السنوات انشغلت بقضاياها الداخلية وابتعدت نسبيا عن التأثير في محيطها الإقليمي أو نطاقها الدولي، وهناك دول أخرى تحولت ظاهرة “الربيع العربي” بداخلها إلى ما يشبه الحروب الأهلية الممتدة زمنيا، سواء على أسس طائفية أو مذهبية أو عرقية أو قومية أو قبلية أو جهوية أو غير ذلك، وهناك دول ثالثة شهدت إرهاصات لما حدث في دول عربية أخرى؛ فسارعت للتحرك داخليا من خلال إجراءات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية لتتجنب انفجار الأوضاع بشكل يخرج عن السيطرة، وهناك أخيرا دول عربية سعت للتركيز الكامل على ذاتها، وداخل حدودها لتفادي أي مظاهر قد تؤدي لاندلاع أحداث مماثلة للربيع العربي بين شعوبها وداخل بلدانها. وكما ذكرنا فيما سبق، ففي كل تلك الحالات الأربعة، كانت المحصلة النهائية واحدة، وهي تراجع كبير في الدور والتأثير الإقليمي لغالبية الدول العربية، وحالة من التفكك النسبي للنظام الإقليمي العربي، وحدوث اختراقات كبيرة وخطيرة لمنظومة الأمن القومي العربي، في ظل تصاعد اتهامات متبادلة بين بلدان عربية، بالتدخل في الشئون الداخلية لدول عربية أخرى، أو بالتحالف مع أطراف دولية أو إقليمية غير عربية ضد دول عربية.
وتزامن ذلك مع تزايد ملحوظ لدور الأطراف الإقليمية الأساسية غير العربية، سواء في آسيا مثل إسرائيل وتركيا وإيران، أو في أفريقيا مثل إثيوبيا. وسعت الأطراف الأربعة إلى تعظيم نفوذها وتأثيرها، بأشكال متعددة وعبر آليات متنوعة، سواء داخل بلدان عربية بعينها أو على صعيد القضايا والمسائل والتحديات التي تهم المنطقة بأسرها، على حساب نفوذ وتأثير الأطراف العربية، منفردة أو مجتمعة عندما كان ذلك ممكنا.
بالفعل، نجحت تلك البلدان غير العربية في تعزيز دورها الإقليمي من جهة ومصداقيتها بوصفها أطرافا إقليمية مؤثرة، أمام القوى الدولية الأساسية من جهة أخرى، وتزايد تأثيرها في مسار الأحداث داخل بعض الدول العربية، كما تحالفت مع بلدان عربية ضد بلدان عربية أخرى، في مشهد اعتبره العديد من المراقبين والمحللين مشابها في العديد من جوانبه وأبعاده لمشهد عصر “ملوك الطوائف” في الأندلس، الذي أدى في نهاية المطاف إلى اندثار الوجود العربي كليةً، في الأندلس.
كذلك تصاعد دور تلك الأطراف العربية في الـتأثير على قضايا المنطقة، بما فيها قضايا ظلت على مدار عقود قضايا مركزية للأمة العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
كما أن التطور الأهم خلال ذلك العقد الثاني من القرن الأول من الألفية الثالثة – كان تزايد التناقضات فيما بين الأطراف الإقليمية غير العربية في آسيا، وتحديدا إسرائيل وتركيا وإيران، وهي تناقضات كانت قد بدأت في الظهور في العقد الأول، سواء بين إيران وإسرائيل حول الملفين الفلسطيني واللبناني، أو بين تركيا وإسرائيل، في ظل حكم حزب الحرية والعدالة في تركيا وهو صاحب التوجه نحو الشرق، وبتوجهات اعتبرها البعض إسلامية واعتبرها البعض الآخر عثمانية، وهو ما تجلّى آنذاك أكثر من مرة في الشأن الفلسطيني، أو حتى بين إيران وتركيا في تنافس، فسره البعض أنه سُني/ شيعي في جانب منه، بينما فسره البعض الآخر أنه قومي تاريخي فارسي/عثماني في جانب أهم منه، ولم يدر ذلك التناقض فقط داخل في الوطن العربي، بل وامتد إلى مناطق مجاورة مثل الجمهوريات السوفيتية السابقة، في دول القوقاز والبحر الأسود وآسيا الوسطى، بل وامتد أحيانا إلى جنوب آسيا.
إلا أنه في العقد الثاني من القرن الحالي زاد الأمر تعقيدا، فتركيا سعت لتبين أنها القائد الإقليمي لمنظومة تضم بعض الدول العربية، التي حكمتها آنذاك حكومات أعلنت أنها تتبع مرجعيات إسلامية سنية، ولم يسلم ذلك من مزاحمة إيرانية في بعض تلك الحالات، وإيران من جانبها سعت للتركيز على بعض بلدان عربية، شهدت أو تأثرت بأحداث “الربيع العربي” وبها إما أغلبية شيعية أو أقليات كبيرة من الشيعة، حتى وإن لم يكونوا من أتباع الشيعة الاثني عشرية. وكادت أن تكون المواجهات مباشرة بين الدولتين في بعض الحالات، وخاصة الحالة السورية، وبدرجة أقل الحالة العراقية -خلال تلك الحقبة- وذلك بسبب تعارض المصالح أحيانا، وتناقض الحلفاء المحليين أحيانا أخرى. كما بدا في بعض الحالات أن تباين الأهداف الإقليمية للدولتين يدفع إلى ارتفاع حدة الاستقطاب السني/الشيعي، الذي تجدد بوضوح في المنطقة، وربما في العالم الإسلامي بأسره، منذ الحرب العراقية الإيرانية في عام 1980، وضرب ذلك عدة صفارات إنذار لبعض الحكومات العربية منذ ذلك التاريخ، سواء زاد أو قل عدد الشيعة من بين مواطنيها أو المقيمين فيها.
إلا أن التطور الأبرز تمثل في أن التنافس الإيراني/ التركي على كسب محبة ودعم الشعوب العربية، حمل في طياته تبني مواقف أقوى وأكثر صراحة ومباشرة من الطرفين ضد الطرف الإقليمي الثالث غير العربي في آسيا، وهو إسرائيل.
وإن كانت هذه السجالات قد أخذت طابعا كلاميا أو إعلاميا أو دبلوماسيا، وفي حدود معينة لم تتخطاها، في حالة التفاعلات بين تركيا وإسرائيل، فإنها كانت أكثر إنذارا بتوترات واحتكاكات ومواجهات بين إيران وإسرائيل، وبدأت بالوكالة بينهما، من خلال حزب الله وبعض حلفائه في لبنان، وحماس وبعض حلفائها في الأراضي الفلسطينية خاصةً غزة، وجماعة أنصار الله (الحوثيون) في اليمن، وعدد من التنظيمات الشيعية العراقية المسلحة المتحالفة مع الحكم الإيراني، فإنها علت وتيرتها وتحولت تدريجيا -ولكن سريعا- لتقترب من أن تكون مباشرة بين إيران وإسرائيل، بل وأصبحت مباشرة بالفعل، وكان السبب الرئيس في ذلك التصاعد الدراماتيكي للأحداث، هو التواجد العسكري الإيراني المباشر، والمكثف في سوريا بدءا من عام 2014، لدعم نظام حكم الرئيس السابق بشار الأسد، وهو الأمر الذي أشعر إسرائيل، بأن إيران تسعى لمحاصرتها، ومكّن إيران من موطئ قدم عسكري صلب على الحدود مع إسرائيل، وأدّى إلى ضرب إسرائيل أهداف إيرانية في سوريا، وعزّز من مسعى إيران المستمر منذ عام 1979، لتجميع أكبر قدر من “الأوراق” الإقليمية بين أيديها؛ لتعزيز مكانتها ودورها ووزنها وثقلها وتأثيرها الإقليمي، سواء لدعم شرعية الحكم الإيراني في الداخل، أو صورته أمام دول وشعوب المنطقة، أو نظرة الأطراف الدولية الخارجية إليه وتعاملها معه.








