رؤى

المنهج التفكيكي ودوره في قراءة خطابات مشكلة البطالة في الواقع الاجتماعي المعاصر (2-2)

”إن أي منهج نقدي قبل أن يكون أدوات إجرائية، هو رؤية وتصوّر عن العالم والوجود والتاريخ والإنسان“.

”المعرفة ليست صحيحة؛ إلا بمقدار قبولها أو توظيفها من قبل ثقافة ما أو في سياق لغةٍ ما، وهو ما آمنت به البنائية الاجتماعية، إلا أن التفكيكية بوصفها أحد أهم اتجاهات نقد ما بعد الحداثة الذي ركّز على القارئ، بعد أن كانت الاتجاهات النقدية السابقة، تركّز على النص كالبنيوية والأسلوبية، فقد ارتبطت بقراءة النصوص وكيفية إنتاجها للمعاني، وما تحمله من دلالات متناقضة، الأمر الذي يتسق ومقولات التفكيكية، التي أرادت الإعلاء من سلطة القارئ، وجعله يفكك النص؛ ليصل إلى قراءة مختلفة في كل مرة“.

-الملخص: أصبح استخدام المنهج التفكيكي في السنوات الأخيرة، أداة نقدية هامة لتحليل المشكلات الاجتماعية، إذ يسهم في كشف البُنى الخفية والخلافات الداخلية في الخطابات الاجتماعية والثقافية السائدة. ويُعدُّ المنهج التفكيكي، الذي ظهر في سياق ما بعد الحداثة وبروز أفكار جاك دريدا، من الأساليب التي تعيد قراءة النصوص والظواهر الاجتماعية باستقراء التناقضات والازدواجيات التي تغفلها المناهج التقليدية.

يقدم هذا المقال السوسيولوجي دراسة متعمِّقة حول توظيف المنهج التفكيكي في تحليل المشكلات الاجتماعية البطالة نموذجا، مستعرضا الإطار النظري والمنهجي والتطبيقات العملية. كما يهدف إلى توضيح كيفية توظيف المنهج التفكيكي، أداة نقدية لتحليل المشكلات الاجتماعية، وتحديد آلياته النظرية والمنهجية، إضافةً إلى عرض أمثلة تطبيقية تبرز فاعلية هذا النهج في إعادة صياغة الخطابات السائدة وتحليلها نقديا.

– تطبيق عملي.. البطالة (نموذجا): يمكن القول إن مفهوم البطالة يتناول الأشخاص الذين هم في سن العمل، وغير قادرين على الحصول على فرصة عمل. وتعرف ظاهرة البطالة بأنها تعطُّل الأشخاص الراغبين بالعمل والقادرين عليه. وهناك تعريف آخر للبطالة، وهو عدم قيام فرد أو جماعة بأي جهد بدني أو ذهني يبذله الإنسان فردا أو جماعةً خلال مدة زمنية معينة، مقابل أجر محدد. وتعرف اقتصاديا على أنها تعطُّل جانب من قوة العمل عن العمل الاقتصادي تعطلا اضطراريا، على الرغم من وجود القدرة والرغبة في العمل أو التوقف غير الإرادي والممتد عن العمل، والذي يرجع الى استحالة العثور على عمل.

أما منظمة العمل الدولية، فقد عرّفت البطالة بأنها تشمل كل الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن سن معين، من دون عمل وهم مستعدون له، وباحثون عنه واتخذوا خطوات محددة بحثا عن العمل بأجر أو عمل للحساب الخاص.

وفي هذا السياق.. سنحاول تطبيق المنهج التفكيكي، في فهم كيفية حدوث مشكلة البطالة من خلال تفكيك الخطابات والمفاهيم التي تحيط بها، وكشف التناقضات والافتراضات الخفية التي تساهم في استمرارها أو تبريرها. في البداية يجب علينا أن نطرح التساؤلات التالية بالاستناد إلى رؤية المنهج التفكيكي للواقع الاجتماعي وهي كالآتي:

– كيف يُعرّف الخطاب الرسمي “البطالة” ؟ هل تُصور “كأزمة فردية” أم “كخلل بنيوي”؟

– ما الثنائيات التي تستخدم في وصف العاطلين مثل: “الكسالى – المجتهدين”؟

– من يملك سلطة تحديد “العمل المقبول” مثل: إقصاء العمل غير الرسمي أو المنزلي؟

– كيف تخفي مصطلحات مثل “سوق العمل” علاقات القوة بين الرأسمال والعمال؟

بعد أن طُرحت التساؤلات السابقة، بغية الإلمام بشكل تام، بكل حيثيات مشكلة البطالة، سوف نحاول -في هذا السياق- تطبيق أسس المنهج التفكيكي، في فهم كيفية حدوث مشكلة البطالة من خلال ما يلي:

1- تفكيك الثنائيات الهرمية المُهيمنة: (العامل/ العاطل) من خلال تصور البطالة غالبا كفشل فردي “الكسل” أو “عدم الكفاءة”، بينما تُهمَّش العوامل البنيوية مثل: (السياسات الاقتصادية، التكنولوجيا، العولمة). فالمنهج التفكيكي يسعى إلى الكشف عن أن هذه الثنائية تُستخدم لتحميل الضحايا مسئولية النظام الذي خلق الأزمة. بالإضافة إلى ثنائية الإنتاجية/ العاطلين، حيث يُعتبر العاطلون “غير منتجين” في خطاب السوق الرأسمالي، لكن التفكيك يظهر أن مفهوم “الإنتاجية” نفسه مبني على معايير استغلالية مثل: (الربح بدلا من القيمة الاجتماعية).

2- تحليل الخطاب السائد حول البطالة: أي تحليل خطاب “تحسين المهارات” حيث تقدم البطالة بوصفها مشكلةَ نقص مهارات الأفراد، ما يخفي دور الشركات في خفض الوظائف لتحقيق أرباح أكبر مثل: (الاستعانة بالروبوتات أو العمالة الرخيصة). بالإضافة إلى تحليل خطاب “الاستثمار الأجنبي” في هذا السياق، يروَّج لسياسات جذب الاستثمار بوصفها حلا، لكن التفكيك يكشف أنها قد تعمق البطالة عبر خصخصة القطاع العام أو تدمير المشاريع الصغيرة.

 وأخيرا خطاب “المسئولية الفردية” حيث في هذا الجانب التركيز على “ريادة الأعمال” بوصفها حلا فرديا يُهمِّش حقيقة أن النظام الاقتصادي لا يوفر فرصا متكافئة للجميع.

3- الكشف عن التناقضات في السياسات: فعندما تعلن الحكومات عن “مكافحة البطالة” عبر برامج تدريبية، لكنها تتبنى سياسات تقشفية تقلِّص الوظائف العامة (التناقض بين الخطاب والممارسة). بالإضافة إلى الكشف عن الكيفية التي تشجع من خلالها الشركات على “التوظيف المحلي”، بينما تستفيد من العمالة المهاجرة الرخيصة (تناقض بين الشعارات والمصالح).

4- تفكيك مفهوم “البطالة” بحد ذاته: إن البطالة بوصفها بناءً اجتماعيا يمكننا تحديدها بأنها تعتمد على معايير ثقافية واقتصادية متغيرة. ففي بعض المجتمعات، لا يعتبر العمل غير الرسمي مثل: (الزراعة العائلية) “وظيفة”، رغم كونه مصدر دخل. وفيما يتعلق بالبطالة المقنعة نجد أنه يصنّف الشخص “موظفا” حتى لو كان عمله غير مستقر أو غير كافٍ، ما يخفي أشكالا أخرى من الاستغلال.

5- تحديد علاقات القوة الكامنة: دور الرأسمالية، حيث يسعى المنهج التفكيكي إلى الإقرار بأن البطالة ليست “خللا” في النظام الرأسمالي، بل نتيجة طبيعية لسعيه نحو الربح عبر خفض التكاليف مثل: (التسريح الجماعي). وفيما يتعلق بالهيمنة السياسية يوضّح لنا المنهج التفكيكي أن مفهوم البطالة يستخدم أداة للسيطرة عبر إبقاء جزء من السكان في حالة ضعف اقتصادي، ما يُسهِّل استغلالهم بوصفهم قوة عمل رخيصة أو جمهورا انتخابيا.

6- تفكيك الخطاب الإعلامي: يصوّر العاطلون في الإعلام إما ضحايا سلبيين أو “مهملين”، ما يعزز الصور النمطية، ويحول الانتباه عن الفساد الهيكلي. كما يكشف المنهج التفكيكي كيف يروج الخطاب مقولة “الفرص المتاحة للجميع” من خلال أسطورة “الحراك الاجتماعي” عبر سرد قصص نجاح فردية، بينما تُهمّش العوائق النظامية مثل: (التمييز الطبقي أو العنصري).

7- إعادة طرح تعريف المشكلة عبر سياقها الاجتماعي: فالبطالة في المجتمعات النامية مثل دول إفريقيا أو آسيا، قد تفسر البطالة بأنها نتيجة للإرث الاستعماري الذي دمر الاقتصادات المحلية لصالح المركز الرأسمالي.

أما في المجتمعات المتقدمة صناعيا، قد تعتبر البطالة نتاجا لمفرزات التطورات التكنولوجية، حيث تقدم التكنولوجيا في وقتنا المعاصر بوصفها حلا، لكن في حقيقة الأمر.. يكشف المنهج التفكيكي على أنها تزيد البطالة، حين تستخدم لصالح الشركات دون ضمانات اجتماعية.

خلاصة القول، إن البطالة ليست مشكلة “طبيعية” أو “محايدة”، بل نتاج لخطابات وهياكل سلطوية تخفي الأسباب الحقيقية وتبرر الوضع القائم. في حقيقة الأمر المنهج التفكيكي لا يقدم حلولا مباشرة، لكنه بالمقابل يكشف كيف تستخدم اللغة لتحويل الأزمة البنيوية إلى مشكلة فردية، كما أنه يفضح تناقضات النظام القائم الذي ينتج البطالة ثم يلوم ضحاياه.

وفي النهاية نجد أنه يدعو إلى إعادة تعريف “العمل” بحد ذاته بوصفه مفهوما خارج إطار الرأسمالية الاستغلالية.

خامسا- أهم الانتقادات الموجهة للمنهج التفكيكي في رؤيته للمشكلات الاجتماعية: تنحصر بما يلي:

– التركيز المفرط على النقد دون حلول، أي تركيزه على تفكيك الواقع دون تقديم بدائل عملية.

– التعقيد المبالغ فيه من خلال استخدام مصطلحات فلسفية معقدة، قد يبعده عن الواقع الملموس للمشكلات.

– إهمال البعد المادي من خلال تجاهل العوامل الاقتصادية أو المادية التي تساهم في المشكلات الاجتماعية.

بمعنى آخر تتمحور سلبياته في غياب الحلول العملية حيث يركز على النقد دون تقديم بدائل ملموسة، بالإضافة إلى ذلك تعقيده المفرط في تفسير المشاكل الاجتماعية، حيث يصعب تطبيقه خارج السياق الأكاديمي بسبب لغته الفلسفية المعقدة. وأخيرا إهمال الجوانب المادية من خلال تركيزه المفرط على الخطاب دون الأخذ بعين الاعتبار تحليل الظروف والعوامل الاقتصادية أو المادية التي ساهمت في إنتاج المشاكل الاجتماعية.

أما عن أهم إيجابياته نجد أنه يحاول الكشف عن علاقات القوة الخفية في الخطابات الاجتماعية، ليعطي صوتا للمهمشين عبر تحدي الهياكل المهيمنة. كما أنه يشجع على القراءة النقدية للواقع، بدل القبول السلبي. أي إن المنهج التفكيكي يساهم في تفكيك البُنى الإيديولوجية، حيث إذ يظهر كيف تبنى الخطابات الاجتماعية لتخدم مصالح طبقات معينة، ما يساعد في نقد النظام السائد. كما يساعد على فتح آفاق جديدة للتفسير من خلال الكشف عن التعددية في التأويلات، ما يُمكّن الباحثين من تقديم رؤى بديلة تثري الحوار العلمي. وفي النهاية يعزز الوعي النقدي ويحفز على التساؤل، عن مشروعية المعايير التقليدية والتفكير في طرق مختلفة لفهم الواقع الاجتماعي.

وفيما يتعلق بنقد رؤية المنهج التفكيكي لمشكلة البطالة نجد أنه استطاع الكشف عن زيف الادعاءات بتحييد المشكلة، من خلال ربط مشكلة البطالة بعلاقات القوة الأوسع (الاقتصاد، السياسة، الثقافة). إلا أنه بالمقابل لا يقدم بدائل عملية تمكننا من مكافحة البطالة والقضاء عليها بعد عملية التفكيك. كما أنه يُتهم بالتجريد الزائد وإهمال التجارب اليومية للعاطلين.

وهكذا يعتبر المنهج التفكيكي أداة قوية؛ لفهم كيف تُبنى المشكلات اجتماعيا عبر الخطاب والسلطة أي عبر الكشف عن الأسس الفكرية التي تُبنى عليها، لكنه يحتاج إلى دمجه مع مناهج أخرى (كالتحليل الماركسي أو النسوي) لتقديم رؤية شاملة وقابلة للتطبيق في مواجهة التحديات الاجتماعية، لأنه يبقى محدودا في تقديم حلول عملية. إلا أنه يستخدم في وقتنا المعاصر في مجالات متعددة مثل دراسات النوع الاجتماعي، النقد الثقافي، وتحليل الخطاب السياسي، خاصةً في فضح الخطابات الشعبوية أو التمييزية.

إلا أنه بالمقابل يسهم في توفير رؤية نقدية عميقة تساعد على فهم كيف تُشكّل الخطابات الاجتماعية واقع المشكلات وتعزز من استمراريتها. وفي ظل التحديات المعاصرة، يظل هذا النهج أداة ثمينة للتغيير الاجتماعي والبحث عن بدائل تحقق العدالة والمساواة في المجتمع.

وفي نهاية المطاف يجب أن نقر أن التفكيكية ارتبطت بحركة ما بعد الحداثة التي رفضت القصور والسلطة المطلقة للنظم الفكرية التقليدية. فقد استلهم جاك دريدا، المؤسس الأساسي للتفكيكية، أفكاره من مفاهيم الشك والعدم والاختلاف، إذ رفض المفهوم القياسي الذي يحاول حصر المعنى في إطار ثابت يمليه المؤلف أو الثقافة السائدة، معتمدا على فكرة أن النص عبارة عن بنية مفتوحة للتأويل والقراءات المتعددة.

– المراجع المعتمدة:

– جاك دريدا: الكتابة والاختلاف، ترجمة: كاظم جهاد، تقديم: محمد علال سيناصر، دار توبقال للنشر، المغرب، ط2، 2000.

– جاك دريدا: في علم الكتابة، ترجمة وتقديم: أنور مغيث ومنى طلبة، المركز القومي للترجمة، القاهرة، العدد: 950/2، ط2، 2008.

– جاك دريدا: أحادية الآخر اللغوية، الدار العربية للعلوم ناشرون، منشورات الاختلاف، ترجمة وتقديم: عمر مهيبل، بيروت والجزائر، ط1، 2008.

– سارة كوفمان، روجي لابورت: مدخل إلى فلسفة جاك دريدا، الشركة العالمية للكتاب، بيروت، ط1، 1994.

– بسام قطوس: دليل النظرية النقدية المعاصرة – مناهج وتيارات، فضاءات للنشر والتوزيع، الأردن، ط1، 2016.

– فهد بن محمد القرشي: التفكيكية (مفهومها، أصولها، تطورها، نقدها)، مجلة أبحاث، كلية التربية، جامعة الحديدة، العدد: 19، سبتمبر 2020.

– أحمد عبد الحليم عطية: جاك دريدا والتفكيك، الفكر المعاصر سلسلة أوراق فلسفية، دار الفارابي، بيروت، ط1، 2010.

– كريم جدي: المنهج التفكيكي بين النظرية والتطبيق، صفحة فيس بوك، تاريخ النشر 26 نوفمبر 2024. https://www.facebook.com/permalink.php/?story_fbid=584898390561894&id=100071252139656

– فراس جبار كريم: ما هو المنظور العام لمشكلة البطالة، مركز النهرين للدراسات الاستراتيجية، 11/07/2024. https://www.alnahrain.iq/post/1138

– وفاء داري: أبعاد المنهج التفكيكي في المشهد الأدبي والنقدي العربي، موقع نخيل عراقي، 2024.11.30. https://www.iraqpalm.com/ar/a5007

– IBRAHIM ALSIBLİ: Postmodern Criticism: Deconstruction as a Model, Şarkiyat Mecmuası – Journal of Oriental Studies )45(, Istanbul university press, 2024.

حسام الدين فياض

الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة قسم علم الاجتماع - كلية الآداب في جامعة ماردين - حلب سابقاً.
زر الذهاب إلى الأعلى