مشاكسٌ مندفعٌ يميل للعنف في التعامل مع أترابه؛ معتمدا على بنية قوية بشكل فطري.. تتلبَّسه روح السخرية من كل شيء، مبادرٌ يتقدم الصفوف دائما، بتهوّر واستهانة.. الأخطار خُلقت لنخوضها لا لنتجنبها.. لم يقل ذلك صراحة، لكن فعاله كانت تشي بذلك، ابتسامته الخفيفة التي لم تكن لتفارق وجهه، عذبة ومخادعة في آن؛ غير أن لها ما يُعزز حظوظها من الصدق.. تشبه النجاة من أمر ما.. الفرح بالتنصل المؤقت من القسوة، وكبح الرغبة في الانطلاق والأوامر الصارمة.. والتضييق في كل شيء.
أما اللعب فكان متنفسا لطاقة هائلة، تعلن عن نفسها في إجادة وتميُّز واضحين.. رأيت ذلك بمثابة استدعاء أمين، لحياة أخرى كان لا بد أن تعاش في معزل عن الحزن. إياك والحزن فإنه أفقد للتجلد لواقع شائك ومرتبك.. وأنا اخترتك لتجرّب الأشياء بحثا عن المعنى.. بشرط ألا تحزن أبدا، في الحزن مقتلك، أما اليأس فقد عُصمت منه بحرارة الحياة التي تعتمل في قلبك، على نحوٍ لا يقعد بك عن الصراع.
حُرّمت عليه الوحدة.. لم يُرَ وحيدا قط. بين الناس دائما، يسعى دون كلل.. يخطئ تارات ويصيب تارة.. يتراجع؛ لكنه لا يهدأ. يجرّب من جديد.. لا يخلو إلى نفسه أبدا.. المراجعة لا تتطلب ذلك، ربما مشروطة بالحضور النشط وسط الجموع.
أجزم أن قائمة تطلعاته لم تكن لتعوزها البساطة.. التواضع حد الرضا بالقليل.. شيء من النجاح.. بعض المال لا بأس به بعد سنوات من الفاقة مع الكد.. مسافة من الغياب أسدلت عليها حاجبة التغرُّب.. تلك الحياة الأخرى التي وددت لو عاشها.. دون شحناء تولدت بسوء الفهم.. ودون ميزات كبيرة، ودون تدخّل سافر من بعض من يرون أنفسهم أبعد نظرا، رغم ألف دليل على ضيق الأفق.. لكنها المعايير المعتمدة لدى الغالبية في زمن معيب.
ماذا تترك لك كل تلك السنوات من المغايرة الإجبارية؟ ماذا يُبقي لك هذا اللّيُّ المستمر لعنق الحقيقة الناصعة؟ ماذا تخلّفه تلك السنوات العجاف على صفحة من القلب كانت مثقلة بالحنين، إلى حياة كان لا بد أن تُعاش؛ لكنها استبدلت فكانت علة القلب؛ استجابة صادقة للألم الذي كان من الصعب تجاوزه.
سيكون ماثلا في الأذهان ذلك الرحيل المنتظر.. لأنه ابن الغياب الطويل.. والتغرُّب دون مقاومة.. والعودة الشاردة على عنفوانها ورغبتها الأكيدة في وصل ما انقطع.. لكن كل شيء كان قد تغيّر.. ولم تكن هناك مفاصلة.. ميراث عناء لم يتبدد، وراحة لم تكن ضمن حسابات الأقدار رغم نُشدانها من كل طريق، كل ذلك أسلمه للسفر المؤجل على نحوٍ من الخلاص.. لتنكشف تلك المساحة الشاسعة من الافتقاد، فيغمرها الحزن بضراوة، وكأنه كان حارسا لبوابات من المسرّة، تكبح دون وجل غائلة ذلك الحزن، ووقعه الصعب الذي يشبه كثيرا مرارة الخذلان.
وأنا رأيت أن ذلك إخلالٌ بأمور كثيرة كان من المهم أن تُذكر في سياق.. لكني تحيّرت في ذلك بين مجانبة التفكُّه الذي كسا كثيرا من المواقف بيننا في الزمن الأول، والتحرُّز من الوقوع في ذكر ما قد يزعج البعض.. ولدي مبررات كثيرة؛ لأزعم أني أقرب منهم جميعا إليه؛ حتى أرثيه كما يليق به.. وبما يناسب حزني على فقده.. دون أن أخالف طبيعتي البائسة في التخلّف عن المواعيد الواجبة بذرائع واهية.. لذلك فقد حرصت كل الحرص على الإغراق في ما يشبه الفصد الطبي؛ للتخلص من آثار لوعةٍ لا تهدأ منذ يوم الرحيل، ضمن محاولات كثيرة وددت لو لم تؤجل.. كان من شأنها إنعاش ما بيننا من مودة قديمة.. لم تجهضها ضراوة المناوشات الماثلة في الذاكرة بوجود آخرين لا تقبلهم أكثر إطارات الصور البالية تعاطفا.. لكنها الحياة التي أردتها لك.. وعاندك كل شيء دونها.. فصرت تحملها على سبيل التذكار، لا يراها إلا من عرفك بحق، ولا يغالطها إلا أولئك المنتشون سرا بانكشاف الشمس عن عتمة واجمة.








