يرى كثيرون من محبي رياضة كرة القدم، أن جزءا لا يتجزّأ من سحر تلك اللعبة، ومتعة مشاهدة مبارياتها، عبر شاشة التلفاز.. هو صوت المعلق الرياضي.
حيث يُضفي صوت المعلق -في كثير من الأحيان- وهو يتناول المباراة بالوصف والتحليل، طابعا ملحميا على أحداثها؛ خاصةً إن كان صوت هذا المعلق ذو نبرة حماسية عالية.
ووفقا لرسالة مصوّرة عبر أحد مواقع التواصل الاجتماعي، بثَّها صحفي من قطاع غزة المحاصر، فقد وجد متعة أيضا في صوت معلق، لكن المعلق هنا لا يصف أحداث لعبةٍ كروية، وإنما يوثق عملية نوعية جريئة للمقاومة الفلسطينية ضد قوات الاحتلال.
يشير الصحفي هنا إلى تسجيل نشرته المقاومة ليلة الخامس من يوليو ٢٠٢٥، يصوّر كمينا نصبته المقاومة لآليات العدو في منطقة خان يونس جنوب قطاع غزة.
ويبرز في التسجيل المصور -منذ البداية- صوت لا يظهر صاحبه على الشاشة، وهو في أغلب الظن قائد المجموعة التي نفذت الكمين المذكور أعلاه.
يبدأ “المعلق” هنا -إذا صح التعبير- بالبسملة والابتهال إلى الخالق تعالى، أن يوفِّق رفاقه في مهمتهم، وهو يراقب عن كثب الآلية الصهيونية المستهدفة، ثم يشير إلى زميله بالانطلاق نحوها؛ حاملا عبْوَة ناسفة يلصقها بالآلية.
وما إن تنفجر العبْوَة حتى يصدح صوت “المعلق” بالتكبير والتهليل بحماس بالغ، ويجذب زميله الذي عاد سالما الى قواعده؛ ليقبل جبينه ويلهج لسانه بالحمد والشكر للخالق، وهو يؤكد لرفاقه بصوت لم تفارقه الحماسة، أن ما بذلوه من جهد لم يذهب هدرا بل آتى ثماره.
أغلب الظن أن ما يعنيه المعلق في هذا التسجيل، هو إدراكه التام أن ما يشنه -بشكل يومي تقريبا- هو ورفاق السلاح، من هجمات على جيش العدو، قد أحبط ما أسماه العدو بعملية “عربات جدعون”.
وهو إدراك بات يتسرب إلى نفوس الصهاينة أيضا، فعلى صفحات صحيفة معاريف العبرية، كتب المحلل العسكري آفي أشكنازي قائلا: “عملية عربات جدعون في غزة مُنيت بفشل ذريع، ولم تحقق أي إنجاز، كان واضحا منذ البداية أنه لا يمكن إدارة عملية يكون هدفها تحقيق أمنيات، بدلا من هدف عسكري حقيقي”.
وأضاف: “وزير الجيش ورئيس الأركان فشلا فشلًا ذريعا، في النهج الذي قاداه في الأشهر الأخيرة بغزة، نهج مستمد من عقلية سلاح المدرعات: “ما لا يُحل بالقوة، يُحل بمزيد من القوة”.
كما انتقد أشكنازي محاولات جيش الاحتلال إنشاء ميليشيا تابعة له في جنوب قطاع غزة، لمواجهة المقاومة.. مؤكدا أن “محاولات إنشاء ميليشيات من تجار المخدرات والمدمنين لحماية مراكز توزيع المساعدات التابعة للشركة الأمريكية تحولت إلى نكتة سخيفة”.
وهي إشارة واضحة لميليشيات سلحتها قوات الاحتلال، وتوعَّدتها الفصائل الفلسطينية في بيان مشترك بالملاحقة.
المشهد المصوَّر الذي بثته المقاومة والمشار إليه أعلاه، دفع مراسل إذاعة جيش الاحتلال للقول إنه “من خلال التوثيق.. يمكن استخلاص الكثير، حول حرب العصابات التي تخوضها حماس -في هذه الأيام- ضد قواتنا في القطاع، يتحرك المسلحون من بين الأنقاض، ويستخدمون عبْوَات ناسفة، ما زالوا يمتلكونها في الميدان، ويراقبون تحركات قواتنا من خلال نقاط مراقبة وكاميرات موزعة في المنطقة، ثم يقتنصون الفرصة ويقومون بلدغة”.
وأضاف: “هذه السمات مشتركة، في معظم الحوادث التي تكبّد فيها الجيش خسائر، خلال الأسابيع الأخيرة في غزة، وتتزايد علامات الاستفهام: هل تحقق هذه الحرب -بين جيش نظامي وعصابات- النتائج المرجوة؟”
وفي مقابل إخفاق جيش الاحتلال، في تحقيق أهداف عملية “عربات جدعون” يعترف العسكريون الصهاينة أن المقاومة في غزة، قد استعادت زمام المبادرة.
حيث صرّح الجنرال المتقاعد إسحق بريك لصحيفة معاريف أن المقاومة “عادت إلى حجمها قبل الحرب بنحو 40 ألف مقاتل متمركزين في الأنفاق” مؤكدا أن جيش الاحتلال يواجه “واقعا مريرا” على أرض القطاع.
هذا الواقع المرير الذي وصفه الجنرال السابق، كان له أثره على مستوطني ما يعرف بـ”غلاف غزة” فبعد أكثر من 20 شهرا من الهجوم الذي شنته المقاومة الفلسطينية على مستوطناتهم في 7 أكتوبر2023، ورغم كافة محاولات حكومة الاحتلال إقناعهم بالعودة إلى مستوطنات، لا يبدو أن هؤلاء مطمئنون لوعود الحكومة.
حيث كشف استطلاع لصحيفة معاريف أن 70% منهم يعتقدون أن الردع الإسرائيلي أمام غزة ضعيف أو ضعيف جدا و78% منهم لا يشعرون بأي قدر من الأمان في منطقة الغلاف كلها و30.4% من سكان غلاف غزة أفادوا بأنهم يخططون لمغادرة المنطقة أو لا يزالون مترددين.
افتقاد الأمان لدى جمهور المستوطنين الصهاينة- أدى إلى تفاقم ظاهرة جديدة رصدتها صحيفة “إسرائيل هيوم” العبرية وهي الهجرة العكسية، حيث قدّرت الصحيفة أن “عدد الإسرائيليين الذين انتقلوا إلى اليونان منذ بداية حرب “السيوف الحديدية” حوالي 10,000 إسرائيلي، اشترى بعضهم عقارات في اليونان، بينما يعيش معظمهم في مساكن مستأجرة، ويعيش عدد مماثل من الإسرائيليين في قبرص”.
كل ما سبق، دفع الكاتب في صحيفة معاريف، عميت يغور إلى القول بأن المشهد يبدو وكأننا “لم نعش حربا طاحنة” حيث مازالت المقاومة “تشكل قوة رئيسية في قطاع غزة”.
وهو نفس ما ذهب إليه المحلل العسكري عاموس هرئيل في صحيفة هآرتس حيث كشف أن القيادة الأمنية الصهيونية تدرك أن الحرب استنفدت أهدافها في غزة.
هذا الإدراك لا يبدو قاصرا على القيادة الأمنية أو العسكرية الصهيونية أو حتى على الجنود في الميدان وإنما يمتد أيضا إلى الجنود العائدين من قطاع غزة، مثل الجندي دانيئل إدري، الذي أحرق نفسه داخل سيارة في أحراش قرب صفد، بسبب معاناة نفسية طويلة بعد مشاركته في القتال بقطاع غزة ولبنان.
وأوضحت أسرة الجندي أنه انتحر “إثر مقتل اثنين من أصدقائه في 7 أكتوبر وخدمته العسكرية المتواصلة” و”كان ينقل جثث جنود من جبهتي لبنان وغزة خلال الحرب”.
تبدو حالة هذا الجندي المنتحر تجسيدا لحالة مجتمع استيطاني بأكمله، يدرك تماما ما فعله “المعلق” بـ”عربات جدعون”.








