رؤى

مفهوم “ٱلشَّهۡرَ”.. بين القمر والعبادة والتاريخ

يتميّز الخطاب القرءاني بالدقة اللغوية والرمزية الوظيفية للمفاهيم، ومنها مفهوم “ٱلشَّهۡر” الذي يتكرر في القرءان في سياقات تتجاوز الإشارة إلى الزمن، لتندمج في بنية دينية وتاريخية محكمة. فـ”ٱلشَّهۡر” في التنزيل الحكيم ليس مجرد وحدة زمنية، بل هو هيكل ذو بعد كوني وشرعي وتاريخي، يُقرأ على ضوء القمر، ويُستخدم كأداة لتنظيم العبادة، ويشكل إطارا تأريخيا يضبط وعي الأمة بأحداثها المفصلية.

وهنا، نُحاول تحليل هذا المفهوم القرءاني عبر ثلاثة مستويات: علاقته بالقمر، ووظيفته في تنظيم العبادات، ودوره كأداة تأريخ.

“ٱلشَّهۡر” و”ٱلۡقَمَر”

من أوضح الأسس القرءانية لفهم “ٱلشَّهۡر” وارتباطه بـ”ٱلۡقَمَر”، يأتي قوله سبحانه: ﴿يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَهِلَّةِۖ قُلۡ هِيَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلۡحَجِّۗ…﴾ [البقرة: 189]؛ وفي قوله تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءٗ وَٱلۡقَمَرَ نُورٗا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ﴾ [يونس: 5]. في هذه الآيات الكريمة، يتضح أن “ٱلشَّهۡرَ” في المنظور القرءاني غير معزول عن الظاهرة الفلكية، ظاهرة “ٱلۡقَمَرَ”؛ بل هو ناتج مباشر لتقدير منازل القمر. فالهلال، وهو أول أطوار القمر، علامة على بدء الشهر، ومراحل نموه وتقلصه تعين تمامه ونهايته.

هذه الرؤية، تُقدّم بُعدا كونيا لمفهوم الشهر، إذ يصبح جزءا من “التقدير الإلهي” الذي يربط بين السموات والأرض، ويمنح الزمان بُعدا مرئيا، ملموسا، متكررا. ومن ثم، ليس الزمان في القرءان مجرّد أرقام بل منظومة مشهودة، يدركها الإنسان عبر نظره إلى السماء. إن استخدام القمر لا الشمس، في ضبط الشهور، يعكس قصدا شرعيا يرتبط بقدرة الناس على ملاحظة الهلال، خِلافا للشمس التي يصعب من خلالها تحديد بداية شهر بدقة. فالشهر القمري يتناسب مع حاجة المجتمع الإنساني، لا سيما المجتمعات التي تعتمد على الرؤية المباشرة، وهو ما يجعل من “الهلال” عُنصرا شعبيا ديمقراطيا في حساب الزمان، لا يحتاج إلى أجهزة معقدة، بل إلى أعين تراقب وضمائر تصدق.

وقد يكون من اللافت، أن القرءان يركز على “ٱلۡأَهِلَّةِۖ” لا القمر المطلق، أي على تلك اللحظة الوليدة من كل شهر، حيث تبدأ دورة زمنية جديدة. فالهلال هو مفتاح الشهر، ومبدؤه، ولهذا جُعل “مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ”، أي علامات ظاهرة يعتمدون عليها في تنظيم حياتهم ونسكهم؛ كما في “ٱلۡحَجِّۗ”، الذي ارتبط تحديد وقته بهذه “ٱلۡأَهِلَّةِۖ”.

العبادات والنسك

إذا كان “ٱلۡقَمَر” هو البنية الكونية التي ينبني عليها “ٱلشَّهۡر”، فإن وظيفة هذا الشهر في السياق القرءاني تتجلّى بوضوح في تنظيم العبادات الكبرى، مثل الصيام والحج. عن الصوم، نقرأ في سورة البقرة، قوله سبحانه وتعالى: ﴿شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ…﴾ [البقرة: 185]؛ وعن الحج، يأتي قوله سبحانه: ﴿ٱلۡحَجُّ أَشۡهُرٞ مَّعۡلُومَٰتٞۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلۡحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي ٱلۡحَجِّۗ…﴾ [البقرة: 197].. هذا، فضلا عن التأكيد على أن تقسيم الزمن إلى اثني عشر شهرا ليس اجتهادا بشريا بل تشريع إلهي، غايته التنظيم وإقامة الموازين؛ فهي إشارة إلى توافق الدورة الزمنية مع نظام كوني مقدّر؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثۡنَا عَشَرَ شَهۡرٗا فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوۡمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ مِنۡهَآ أَرۡبَعَةٌ حُرُمٞۚ…﴾ [التوبة: 36].

في هذا السياق القرءاني، تُشير هذه الآيات إلى أن الشهر لا يُفهم فقط بوصفه وحدة زمنية، بل وحدة تعبّدية أيضا. فالصيام لا يُفرض في أي شهر، بل في “شَهۡر رَمَضَانَ” تحديدا، الذي يُخصَّص لعبادة مخصوصة مرتبطة بالوحي والتنزيل. و”ٱلۡحَجُّ”، على خلاف ما قد يتصوّره البعض من كونه مؤطرا بعدد من الأيام، هو -في رؤيتنا- شعيرة ممدودة زمنيا، تبدأ من أشهر محددة (شوال وذو القعدة وذو الحجة)، أي ضمن “أَشۡهُر مَّعۡلُومَٰتٞۚ”؛ وهذا يدل على أن الشعائر الكبرى تحتاج إلى إطار زمني محدد ومنظّم، لا فوضى فيه.

كذلك، يُشكّل نظام الأشهر الحرم “أَرۡبَعَةٌ حُرُم”، واحدة من أبرز تجليات وظيفة “ٱلشَّهۡر”في تنظيم الحياة الدينية والاجتماعية؛ فقد جُعلت أربعة من الأشهر الاثني عشر محرمة فيها الحرب والقتال، بغرض تمكين السلم، وحماية الحجاج، وتوفير فسحة للتأمل والعبادة. ويكفي أن نتأمل قوله عزَّ وجل: ﴿ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُۚ فَلَا تَظۡلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمۡۚ…﴾ [التوبة: 36]، لنعرف أن هذه الأشهر الحرم (ذو القعدة، ذو الحجة، المحرّم، ورجب)، تخلق إيقاعا دوريا من الهدوء والروحانية في مجتمعات كانت معتادة على الحروب الدائمة.

تلك الوظيفة التنظيمية للشهر تظهر كذلك في تفاصيل الصيام، كما في قوله عزَّ من قائل: ﴿أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاس لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاس لَّهُنَّۗ…﴾ [البقرة: 187]؛ ففي هذا الموضع، يصبح الشهر سياقا محددا لسلوك الإنسان، سواء في العبادة أو العلاقات الشخصية. فـ”الزمان” هنا ليس مجرد خلفية، بل شرط تعبّدي، يُحدّد ماذا يجوز وما لا يجوز، متى يبدأ الإمساك ومتى ينتهي.

الإطار التأريخي

أيضا، يأتي مفهوم “ٱلشَّهۡر” في السياق القرءاني أداة لتأريخ الأحداث وتنظيم السرد التاريخي المقدس. أحد أبرز الأمثلة هو قوله عزَّ من قائل عن سليمان: ﴿وَلِسُلَيۡمَٰنَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهۡرٞ وَرَوَاحُهَا شَهۡرٞۖ…﴾ [سبإ: 12]. ففي هذا الموضع، يُستخدم “ٱلشَّهۡر” وحدة لقياس المسافة والزمن، إذ كانت الريح تسير بسليمان “شهرا في الذهاب وشهرا في الإياب”، ما يمنحنا صورة عن الفاعلية الزمنية في عصره، وعن إعجاز القدرة التي آتاها الله تبارك وتعالى إياه. فـ”ٱلشَّهۡر” هنا ليس وقتا محضا، بل مقياسا للإمكانات السياسية والكونية.

وفي موضع آخر، يرتبط مفهوم “ٱلشَّهۡر” بالسرد التاريخي عند الحديث، كمثال، عن “ميقات” موسى، الذي ذكر التنزيل الحكيم أنه أربعون ليلة، أي شهرا وثلثًا تقريبا؛ كما في قوله سبحانه: ﴿وَوَٰعَدۡنَا مُوسَىٰ ثَلَٰثِينَ لَيۡلَةٗ وَأَتۡمَمۡنَٰهَا بِعَشۡرٖ فَتَمَّ مِيقَٰتُ رَبِّهِۦٓ أَرۡبَعِينَ لَيۡلَةٗۚ…﴾ [الأعراف: 142]. إلا أن أحد أقوى الأمثلة القرءانية التي يُستخدم فيها “ٱلشَّهۡر” لتأطير حدث تاريخي روحي هو ما ورد عن “شَهۡرِ رَمَضَانَ”، الذي قال تعالى عنه: “شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ”. إذ إن هذا الربط المباشر بين الشهر و”إنزال القرءان” يمنح “رَمَضَانَ” مكانة تاريخية محورية، فهو لا يُعرّف بالصيام فقط، بل بـ”إنزال القرءان” ذاته، أي بلحظة التحول في الوعي الإنساني.

وبالتالي، فإن “ٱلشَّهۡرَ” هنا يتحول من وحدة زمنية إلى وعاء حضاري، يحمل بداخله حدثا مفصليا يغير مجرى البشرية؛ بل والتاريخ أو بالأحرى “التأريخ الإنساني”.. فكما أن ﴿لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ خَيۡرٞ مِّنۡ أَلۡفِ شَهۡرٖ﴾ [القدر: 3]؛ فإن “ٱلشَّهۡرَ” قد ورد في السياق ذاته مرتبطا بأنه: “ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ”.

في هذا الإطار.. يمكن القول إن مفهوم “ٱلشَّهۡر”، في السياق القرءاني، ليس مجرد وحدة زمنية بسيطة، بل هو بنية متداخلة من الدلالات؛ إنه يتأسس على حركة القمر، ويتفاعل مع حياة الإنسان في عباداته وتنظيم مجتمعه، ويُستخدم أداة تأريخ لحفظ الذاكرة الدينية والروحية. هذا التعدد في الدلالة، يُعبّر عن مركزية الزمن في الوعي القرءاني، فكما أن الإنسان هو “ابن يومه”، فإن المجتمعات هي “بنات شهورها” و”سنواتها”.

بهذا المعنى، فإن “ٱلشَّهۡرَ” في القرءان هو نوع من “اللغة المشتركة” بين الإنسان والسماء، بين الأرض والوحي، بين الفرد والتاريخ؛ ففي كل مرة يخرج الهلال، يُولد زمن جديد، ويُفتح باب لعبادة أو ذكرى، ويُكتب سطر جديد في دفتر التاريخ الإنساني.. وللحديث بقية.

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى