منذ التغير الذي حدث في إيران عام 1979، ارتبطت طهران وحلفاؤها بعدة محاور إقليمية ودولية، لعل أبرزها علاقتها مع روسيا والصين. في العام 2025، وصل هذا التوازن إلى مفترق حاسم، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وتنامي الحاجة الإيرانية إلى دعم عسكري بعد ضربات واسعة استهدفت منشآتها النووية والصناعية في يونيو الماضي.
زيارة وزير الدفاع عزيز ناصر زاده، للصين ضمن اجتماع وزراء دفاع منظمة شنغهاي للتعاون، في 26 يونيو 2025، كانت إشارة مهمة إلى تحوُّل محتمل في محاور العلاقة الإيرانية؛ هذا وإن بدت روسيا ما تزال موجودة على الطاولة.
من هنا، فإن التساؤل الذي يطرح نفسه: هل تتجه إيران فعليا نحو الصين بوصفها طرفا رئيسا في استراتيجيتها الخارجية؟ وهل هو بعيد المدى أم تكتيكي مؤقت؟
تحولات إيرانية
لعل الاقتراب من هذا التساؤل ينبني على عدد من الملاحظات، تلك التي تخص كل من روسيا والصين في علاقاتهما مع طهران، خلال الأشهر الأخيرة.
أولى هذه الملاحظات، تتعلق بتوقيع إيران وروسيا، في يناير 2025، على معاهدة شراكة استراتيجية شاملة تمتد لعشرين عاما، تَعِد بتعزير التعاون الدفاعي والسياسي، لكن بدون أي بند دفاعي جماعي يُلزِم روسيا بالدفاع عن إيران إذا تعرضت للهجوم.
ورغم تفعيل هذه المعاهدة، خلال صراع يونيو مع إسرائيل والضربات الأمريكية، عندما طالبت إيران روسيا بمساعدة عسكرية ملموسة؛ لكن الرد الروسي اقتصر على الدعم السياسي، وعروض محدودة لنظم دفاع جوي، وبعض المساعدات الإنسانية أو التقنية، وليس مشاركة مباشرة في الصراع.
وبالتالي، تصاعدت الشكوك في طهران حول جدوى الاعتماد على موسكو، خصوصا بعد تحقيقات روسية كشفت عن مستندات تُنَبِّه إلى مستوى عالٍ من “عدم الثقة المتبادلة” بين الجانبين، لا سيما في مجالات التجسس والمصالح الاستراتيجية القديمة على بحر قزوين والقوقاز.
على الجانب الآخر، تتبدى ملاحظة تحولات الصين من الاقتصاد إلى الأهمية الأمنية؛ فإيران والصين وقّعتا، عام 2021، على برنامج تعاون استراتيجي لمدة 25 عاما، يغطي قطاعات متعددة، من الطاقة والبنية التحتية إلى التعاون الدفاعي غير العسكري المباشر. و برغم أن الصين توقفت عن بيع الأسلحة التقليدية لإيران، منذ عام 2005، إلا أنها ظلت تزودها بمكونات وصناعات مزدوجة الاستخدام، مثل ذخائر الطائرات بدون طيار ووقود الصواريخ، وساعدت في تهريب النفط الإيراني وتزويدها بالمواد الخام. إذ إن ما يقترب من 90 % من صادرات النفط الإيراني تذهب للصين، وهو دعم اقتصادي حاسم لإيران في مواجهة العقوبات الغربية.
نقطة تحول
في هذا السياق، من العلاقات الإيرانية مع كل من روسيا والصين، حدثت نقطة التحول في صيف 2025، حيث اندلعت حرب قصيرة، حرب الـ”12″ يوما، شهدت ضربات إسرائيلية وأمريكية مكثَّفة لمواقع نووية وإنتاجية في إيران، بين 13 و24 يونيو الماضي. وهنا توقف التمثيل العسكري الفعلي من روسيا والصين تحت الضغط، رغم إصدارهما بيانات أدانة في الأمم المتحدة ومعارض منفصلة.
في أعقاب الحرب، بدا أن إيران بدأت تبحث فعليا عن شريك بديل، بعد خيبة أملها من موسكو؛ حيث بدأت وزارة الدفاع الإيرانية تطلب شراء مقاتلات “J-10C”، إضافة إلى نظم تحكم ومراقبة جوية “AWACS”، وهي معدات لم يتم توفيرها من روسيا.
من هنا تأتي دلالة زيارة وزير الدفاع عزيز ناصر زاده، ورفقة قيادات عليا، في 26 يونيو 2025، إلى الصين لحضور اجتماع دفاعي ضمن منظمة شنغهاي، قابل خلالها وزير الدفاع الصيني. هذه الزيارة تُعد الأولى لوزير الدفاع الإيراني إلى بكين بعد “حرب يونيو”، وتحمل دلالة رمزية قوية: محاولة بناء مسار أمني مباشر مع الصين. وبالرغم من أن الاتفاقات الكبيرة، مثل شراء مقاتلات “J-10C”، لم يُعلن عنها رسميا؛ فإن وجود طهران -في هذا الحوار- جدّي ويشير إلى نية لإعادة توازن العلاقة بعيدا عن الاعتماد المطلق على روسيا.
ومن هنا، يمكن الإشارة إلى نقطة أساسية، مفادها: إن إيران تشعر بخيبة أمل من روسيا، بسبب عدم تقديم مساعدة فعلية خلال الأزمات، وهو ما ظهر بوضوح خلال الحرب الأخيرة؛ وفي الوقت نفسه، تجد في الصين شريكا اقتصاديا واستراتيجيا أقل مخاطرة وأكثر احتمالا لتقديم معدات معينة. وبالرغم من تحفّظ بكين على دعم مباشر بالصواريخ أو الطائرات المقاتلة؛ أو بالأحرى بالرغم من أن الصين لا تريد التورط في صراع مباشر ضد الولايات المتحدة أو إسرائيل، إلا أنها يمكنها تقديم معدات أو مكونات تقنية أو مبادرات نقل التكنولوجيا التي تعتبر أقل إثارة للقلق “الغربي”.
درجات التحول
ومن هنا.. يُصبح التساؤل يدور حول درجات التحول الإيراني في التعامل “استراتيجيا” مع كل من روسيا والصين؟.. وكما يبدو، فإن التحول هو في كل الأحوال “تحول تدريجي” وليس انقطاعا نهائيا عن روسيا، أو توجها نهائيا نحو الصين. بمعنى أن ما يحدث هو تحوّل تدريجي نحو تنويع الاعتماد، لا استبدال كامل. إيران تحافظ على اتصالاتها مع روسيا لدوافع تاريخية، دفاعية وتقنية، بينما تبدأ في تعزيز مسارات جديدة مع الصين لتنويع الخيارات، والحصول على معدات لم تنجح في الحصول عليها من روسيا.
فالصين، تُمثل مصدرا حيويا للطاقة والموارد والأسواق، وهي تحافظ على مواقف دبلوماسية داعمة لإيران بشكل متكرر، لكنها ترفض الانخراط العسكري المباشر. هذا يجعل شراكتها آمنة، لكنها تفتقر إلى العمق الأمني الكامل المطلوب لإيران في مواجهة تهديدات كبرى .
أما في ما يخص روسيا، فهي تعاني من التشتت الجغرافي في أوكرانيا، وضغوط اقتصادية وعقوبات، بينما تحتاج إيران لمساعدة مباشرة عسكرية. الأمثلة تشير إلى أن موسكو لم تلبِّ توقعات طهران عمليا، إلا أن بنية التعاون المرتبطة، بالبنية التحتية النووية والعسكرية، ما تزال قائمة ومعقدة، وليس من السهل تجاوزها بالكامل.
في هذا الإطار.. يمكن القول إن زيارة وزير الدفاع الإيراني للصين، في 26 يونيو 2025، والمباحثات حول شراء معدات عسكرية، تمثل مؤشرا قويا على أن إيران تسعى فعليا لتحقيق إعادة توازن تدريجية في تحالفها الخارجي بين روسيا والصين. خلف هذا التوجه دوافع حقيقية: التضاؤل في الاعتماد على موسكو نوعيًا، ورغبة الصين في توسيع النفوذ من خلال تعاون اقتصادي علني يبني شبكة علاقات أكثر أمانا.
لكن حتى الساعة، لا يوجد تحول نهائي أو قطعي. إيران تتجه نحو الصين كخيار رئيس للتعزيز الاستراتيجي، بينما روسيا ما تزال مؤسسة سياسية وتقنية لها حضور. لقد استيقظت طهران على حدود الثقة المفقودة، وما تزال توازن مسارها بأناة وواقعية.








