فن

هل روَّجت السينما لقضايا القتل.. دفاعا عن الشرف؟

القتل دفاعا عن الشرف.. من القضايا الشائكة في مجتمعاتنا الشرقية، هذه الجريمة ليس لها أي أساس ديني وإنما موروث شعبي واجتماعي، هذا الموروث منحها حصانة أخلاقية ثم قانونية، وكان من الطبيعي أن تتعرض السينما لهذا النوع من القضايا، لما يحمله من أهمية اجتماعية وأيضا ثراء درامي، حيث أدانت السينما هذه الجريمة في نهاية العمل؛ لكن -بشكل عام- منحته كثيرا من المبررات الدرامية اللازمة للبناء الدرامي للعمل، هذه المبررات وجدت صدى كبير لدى الجمهور المتعاطف -من الأساس- مع هذه الجريمة. وبدلا من أن تُدين السينما هذه الجريمة؛ روجت لها أو بررتها دون قصد، رغم أن هذه الجريمة مع الزمن أصبحت مرفوضة اجتماعيا -بشكل عام- إلا من بعض المتعصبين، وبالطبع ما زال القانون في صالح هذا القاتل.

من أشهر الأعمال التي تناولت جريمة الشرف فيلم “دعاء الكروان” إنتاج عام 1959، احتل الفيلم المركز السادس في قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية، عن رواية لـ طه حسين، يتحدث الفيلم عن قتل الخال لابنة أخته هنادي، والتي فرطت في شرفها باسم الحب، عندما خدعها المهندس الذي كانت تخدم في منزله، وهو الذي كانت هوايته إغواء الخادمات، ولهذا قررت أختها الصغرى آمنة، الانتقام لأختها من هذا الوغد بنفس السلاح وهو الحب، لأن أختها لم تُخطئ عندما أحبت ووثقت في هذا الشخص الذي غدر بها، وبحث عنها خالها لقتلها هي الأخرى لتلحق بأختها، وكأن العقاب لا بد أن يكون من نصيب البنت دائما، ولا عقوبة أو خطأ على الرجل الذي غدر وخان، لكن يُقتل المهندس بالخطأ عند محاولته افتداء آمنة حبا فيها، وهي النهاية التي وضعها يوسف جوهر للفيلم، حيث كانت نهاية الراوية هي انتصار الحب على الانتقام، عندما وقعت آمنة في حب المهندس وغفرت له.. لم تتزوجه ولم تنتصر لأختها.

الفيلم الآخر هو “البوسطجي” إنتاج عام 1961، عن رواية لـ يحيى حقي، ويحكي عن سلامة، ذلك الرجل القوي الغني الذي يتحرش بالخادمة ويغتصبها، وعندما تعلم زوجتة تطردها وتسلمها لأهلها للانتقام لشرفهم، في حين لم توجه أي لوم أو كلمة عتاب لزوجها، وكأن له الحق لفعل كل ما يريد واللوّم دائما على الضحية، يرفض سلامة زواج ابنته من شقيق زميلتها في المدرسة، بعد معرفته بوجود علاقة حب بينهما، وأنهما تقابلا أكثر من مرة، تتطور العلاقة بين الابنة وحبيبها حتى تحمل منه، تحاول الهرب من أبيها إلا أنه يطاردها ويقتلها بعد أن علم بحملها، وأنها دنست شرفه وسمعته أمام أهل القرية، وكأن فعلة الابنة كانت عقاب إلهي لهذا الأب الذي غدر بالخادمة.. وربما قتلها أبوها أيضا.

لدينا أيضا فيلم “حادثة شرف” إنتاج عام 1971، عن رواية لـ يوسف ادريس، وتحكي عن بنت اسمها بنات، جميلة جدا أجمل بنت في القرية، كل رجال وشباب القرية يرغبوا فيها ويطلبوا الزواج منها، وكل نساء القرية يغرن منها.

تعيش بنات مع أخيها فرج وزوجته التي تغار منها أيضا، يتقدم لخطبتها شعبان، توافق هي وأخيها الذي يحبها بشدة، لكن يهيم بها غريب ذلك الشاب المستهتر كثير العلاقات النسائية، الذي حاول مرارا التقرب منها لكنها كانت تصده، تذهب يوما إلى أخيها في الحقل بالطعام، ينتظرها غريب وسط الزرع ويحاول الحديث معها وإقناعها بحبه لها، لكنها ترفض الاستماع له، وعندما تحاول الانصراف يجذبها بشدة وتتمزق ملابسها وتنجرح، تستغل هذا الموقف زوجة أخيه وحبيبة غريب وزكية القوادة التي حاولت كثيرا إغراءها للعمل معها، الكل تآمر عليها لتلويث شرفها وسمعتها، شعبان يفسخ الخطوبة وأخوها يضربها بعد أن دنست شرفه في القرية، تحاول اقناعه بأنها لم ترتكب أي خطأ، لكنه صدق أهل القرية ولم يصدقها، تفكر زوجته في الكشف عليها للتأكد من عذريتها، وتجتمع كل نساء القرية لمشاهدة هذا الفحص، تظهر براءتها لكنها براءة بطعم المهانة والانكسار، لم يعد لها خطيبها ولم يصدق أهل القرية إنها شريفه رغم ما شاهدوه من فحص وتبقى أمام الجميع “بنات” التي أخطأت وفرطت في شرفها، وفي النهاية تذهب بكامل إرادتها إلى زكية القوادة، حيث لم تشفع لها البراءة والشرف أمام أهل القرية فهم يعشقون من يخدعهم، رفضوها وهي شريفة حتى لا تفضح كذبهم وحقدهم، والآن سوف يقبلوها بعد أن أصبحت عاهرة لأنها أصبحت مثلهم أو أقل منهم.

وفي فيلم “شفيقة ومتولي” لـ علي بدرخان إنتاج 1979، تهرب شفيقة من أخيها متولي حتى لا يقتلها، بعد أن سلمت نفسها لدياب، الذي وعدها بالحب والزواج، ثم تنصّل منها بعد ما نال ما يريد، تهرب شفيقة وأمام الفقر والعوز تتحول لعاهرة تمارس الدعارة مقابل المال، وخلال رحلتها نرى نماذج كثيرة لبيع الجسد، مثلما فعل دياب بعد ذلك مع سيدة غنية من أجل المال والسلطة، ورجل آخر يبيع جسد امراته لتسهيل مصالحه وأعماله الخاصة، لكن العقاب والخطيئة فقط لـ شفيقة ومن مثلها، وتنتهي الرحلة بمقتل شفيقة، ولم نعرف هل بيد أخيها الذي عاد من السُّخرة وحفر قناة السويس وهي أيضا نموذج آخر لبيع الجسد لكن مقابل الحياة، أَمْ قتلها الكبار بعد أن اكتشفت حقيقتهم ورخصهم، وأنهم بلا شرف وبائعين للجسد أيضا.

وفي أولى تجاريها السينمائية وأفضلها “عفوا أيها القانون” إنتاج عام 1985، قدمت إيناس الدغيدي تناولا مختلفا لهذه القضية، وهو زوجة تقتل زوجها عندما تكتشف خيانته، من وجهة نظر أن وقع الخيانة النفسي والعصبي على الزوجة مماثل للرجل، وأن الشريعة لم تُفرِّق بين الرجل والمرأة في حد الزنا، أو في أي من الحدود.

حاولت إيناس الدغيدي تنبيه المجتمع لما اقترفه من ظلم وتمييز ضد المرأة، وبالطبع في النهاية يُحكم على الزوجة بالسجن بتهمة القتل العمد، وليس القتل بسبب الخيانة أو الشرف، هذا الحكم إدانة للمجتمع كله الذي لم يساوِ بين الرجل والمرأة في أي شيء ولا حتى في القتل.

وعن قضية السُمعه والشرف قدّم عاطف الطيب فيلم “ملف في الآداب” انتاج عام 1986، عن تلفيق أحد الضباط قضية دعارة لعدد من القتيات والرجال بسبب فشله في القبض على قوادة لها نفوذ، وبعد أن تظهر براءتهن، تقف إحدى الفتيات في القفص لتعلن أن سجن الناس أقوى وأشد، سجن لا براءة منه، لن يشفع معه ألف حكم براءة، ستبقى مدى الحياة المراة المتهمة في قضية الدعارة، حتى أمام من في القاعة، وهم من سمعوا حكم البراءة بأنفسهم.

وفي فيلم “اشتباه” انتاج 1991، عانت الطبيبة والزوجة المخلصة نادية، من تشويه سمعتها وهدم حياتها بسبب اتهامها في قضية منافية للآداب وتصوير أفلام إباحية فبركها أحد زملائها القدامى ويدعى مدحت، بعد أن فشل في إقامة علاقة معها، وبعد براءتها والقبض عليه، ظلت موصومة بنفس التهمة وتركها زوجها وأهلها رغم علمهم ببراءتها، فأي تهم خاصة بالشرف والعِرض تمس المرأة، تظل في عنقها مدى الحياة مهما حصلت على أحكام بالبراءة.

في النهاية ما زالت قضايا الشرف في المجتمعات الشرقية تحمل إدانة للمرأة وتبرّئ الرجل سواء كان هو المُتحرش أو المُغتصب أو حتى القاتل، وهو ما قدمته السينما أكثر من مرة، ولم تنجح في تغيير هذا المفهوم الخاطئ؛ بل روجت له وقدمت مبررات قوية له، حتى وإن كانت النهاية هي الحكم بالسجن أو الإعدام للقاتل، وحدث مؤخرا تغيرا في المجتمع، وأصبح رفض هذا النوع من الجرائم أكثر انتشارا عن ذي قبل، لكن السينما المصرية لم تكن شريكة في هذا التغيير؛ بل حدث بعيدا عنها، وهي التي تناولته بشكل حمل ترويجا ودعاية أكثر مما حمل من الإدانة.. ربما عن غير عمد.

 

زر الذهاب إلى الأعلى