رؤى

اللسان القرءاني.. والتمايز بين مفهومي “السَّنَة” و”العام”

من النافل القول إن القرءان الكريم يحتوي على عدد من المفردات التي تبدو مترادفة عند القراءة الأولية، السطحية؛ إلا أن التأمل في سياقاتها يكشف عن دقة لغوية وبلاغية شديدة، تعبّر عن فروق معنوية دقيقة تخدم المقصد القرءاني والبيان الإلهي. إذ يتسم القرءان بدقة لغوية لا نظير لها، تُوظّف الألفاظ وفق سياقاتها الدقيقة دون ترادف “اعتباطي”.

ومن بين أبرز الأمثلة التي تُظهر هذا التوظيف البلاغي العميق، الفرق بين كلمتي “السَّنَة” و”العام”؛ وهما مصطلحان يُستخدمان لحساب “عدة الشهور”، ويبدوان للوهلة الأولى -في نظر البعض- مترادفين.

غير أن التأمل في سياقات ورودهما في التنزيل الحكيم يكشف عن تمايز دلالي واضح، يعكس رؤية قرآنية دقيقة لمفهوم الزمن كحالة شعورية ومعنوية، لا مجرد حساب عددي. بل، يتضح من خلال المواضع التي وردا فيها أن ثمة فرقا دلاليا عميقا، يربط “السَّنَة” بالشدّة والابتلاء، ويجعل من “العام” رمزا للرخاء والنّعمة.

ومن هنا، تأتي الأهمية في تتبع المفهومين، واستقراء دلالتهما، وتحديد أوجه التشابه والاختلاف بينهما كما وردت في النص القرءاني.

اللسان القرءاني

من الناحية اللسانية، نجد أن كلمة “سنة” مشتقة من الجذر “س ن ن”، والذي يفيد في أصل معناه الاستمرارية والتكرار، كما في قولهم “سنَّ الشيء” أي جعله متكررًا أو جارٍ على نمط معين. والسنة في اللغة تطلق على الحول الكامل، وقد تأتي أيضا بمعنى القَحْط أو الشدة، كما في قولهم: “سنوات عجاف”. أما “العام”، فهو من الجذر “ع و م”، الذي يفيد الشمول والعموم؛ ورغم أنه يُطلق كذلك، على الحول الكامل، لكنه يوحي بطبيعة زمنية أكثر يسرا وانبساطا من “السنة”.

هذا، عن اللسان العربي؛ فماذا عن اللسان القرءاني؟

يأتي ورود المصطلحين، في التنزيل الحكيم، في سياقات محددة؛ حيث يُلاحظ أن “السَّنَة” غالبا ما ترتبط بمظاهر الشدة أو العذاب أو المحن، في حين أن “العام” يُستخدم في سياقات الرخاء والنعم أو حين لا تكون الشدة مقصودة في المعنى.

وكنا قد أشرنا من قبل إلى ما ورد على لسان نبي الله يوسف عليه السلام، في تأويله رؤيا الملك، في قوله سبحانه وتعالى: ﴿قَالَ تَزۡرَعُونَ سَبۡعَ سِنِينَ دَأَبٗا فَمَا حَصَدتُّمۡ فَذَرُوهُ فِي سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّا تَأۡكُلُونَ ٭ ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ سَبۡعٞ شِدَادٞ يَأۡكُلۡنَ مَا قَدَّمۡتُمۡ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّا تُحۡصِنُونَ﴾ [يوسف: 47-48]؛ وفي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَامٞ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعۡصِرُونَ﴾ [يوسف: 49].. لنا أن نُلاحظ أن هذا التمييز الدلالي، بين السنة والعام، يعكس أن التنزيل الحكيم لا يتعامل مع الزمن بوصفه مفهوما جامدا، بل يحمّله طابعا نفسيا واجتماعيا بحسب المضمون الذي يرد فيه.

بعبارة أخرى، استخدم يوسف عليه السلام كلمة “سِنِينَ” في إشارة إلى فترة الزرع المتواصل، ثم إلى السبع الـ”شِدَادٞ” التي ترمز إلى المجاعة والقحط، وجاءت كلها بصيغة “سنة”. بينما استخدم كلمة “عَام” للإشارة إلى فترة الرخاء التي سيُغاث فيها الناس ويعصرون من الزيت والعنب، ما يدل على أن “السنة” ارتبطت هنا بالكد والشدة، بينما “العام” ارتبط باليسر والرخاء.

كذلك، ورد في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَلَبِثَ فِيهِمۡ أَلۡفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمۡسِينَ عَامٗا فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمۡ ظَٰلِمُونَ﴾ [العنكبوت: 14]. هنا، يبرز الاستخدام المزدوج والدقيق للكلمتين في نفس الآية، إذ استخدم “أَلۡفَ سَنَةٍ” في مقام وصف المدة الطويلة التي قضاها نبي الله نوح عليه السلام في الدعوة، وهي فترة مليئة بالصعوبات والمكابدة؛ ثم استثنى “خَمۡسِينَ عَامٗا” من هذه المدة، وهي إشارة قد تحمل دلالة على أن هذه الفترة كانت أقل مشقة، أو ذات طبيعة مغايرة، ما دفع إلى اختيار كلمة “عام” بدلا من “سنة”.

التأويل البلاغي

هذا التمييز ليس مجرّد دقة لغوية، بل يحمل رؤية قرءانية مضمرة للزمان، فهو ليس شيئا ثابتا أو محايدا، بل يتلون بالمعنى. فالزمان الذي يمرّ على الإنسان في الجفاف أو البلاء هو “سنة”، بما تحمله من ثقل نفسي وضيق وجودي، بينما الزمان في حال الفرج والرخاء هو “عام”، يتّصف بالانفراج والسلاسة. هذا يعني، في ما يعنيه، أن القرآن يُحمّل الألفاظ بُعدا شعوريا، فيصبح الزمان ذاته شاهدا على معنى المعاناة أو اليسر، لا مجرد عدّاد رقمي.

وتنعكس هذه الرؤية في بناء الوعي الإسلامي للزمن والزمان كليهما؛ إذ لا يُنظر إلى الزمان بوصفه مجرى ساكنا، بل كائنا حيّا متقلّبا، يُثمر حينا، ويُجفّ حينا، ويختبر الإنسان في دوراته. وهذا ما يجعل التنزيل الحكيم يربط “ٱلسِّنِينَ” أحيانا بالابتلاء الإلهي، كما في تعالى: ﴿وَلَقَدۡ أَخَذۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 130]. فقد جاءت “ٱلسِّنِينَ”، هنا، بوصفها أدوات للابتلاء، لا مجرد مرور للزمن، بل كناية عن القحط والضيق المستمر.

أما “العام” فإنه لم يرد في القرءان إلا مرات معدودة، وهو لا يرتبط بسياقات العذاب أو الشدة، بل دائما ما يأتي في حالات رخاء أو حياد. وهذا يدل على أن “العام” يدلّ على زمن يمضي طبيعيا دون أن يكون محمّلا بالابتلاء أو العذاب.

وبالتالي، يمكن النظر إلى الفرق بين “السنة” و”العام” من زاوية البلاغة القرءانية أيضا؛ فالقرءان حين يختار مفردة دون غيرها، فإنه يعكس مقصدا دقيقا في بنية النص ودلالته الشعورية. فكلمة “سنة” في جرسها الصوتي تحتوي على صوت السين والنون والهاء، وهي أصوات تميل إلى الحدّة والامتداد، ما قد يعكس طابع الشدة والدوام. أما “عام”، فصوت العين والميم يعطي إحساسا باللين والانسياب، وهو ما يتناسب مع الرخاء واليُسر.

التمايز الدلالي

هذا التمايز الدلالي، بين “السنة” و”العام”، ليس ترفا لغويا، بل يحمل دلالة نفسية وروحية. فحين يُدرك المؤمن أن الشدائد توصف بـ”السنين”، يصبح الزمان -الإنساني- نفسه وسيلة للتطهير والاختبار، وتتحوّل “السنة” إلى علامة على التحمل والثبات. أما “العام” فيُصبح زمان العطاء والمكافأة بعد الصبر، ما يُكرّس العلاقة الجدلية بين الابتلاء والفرج، بين الضيق والانشراح، التي تتكرّر في بنية القصص القرءاني.

كما أن هذا التمايز يُعبّر عن حسّ زمني قرءاني يتّصل بالحالة الشعورية المرتبطة بالزمان، لا بمجرد قياسه العددي. فـ”السنة” ليست مجرد دورة شمسية، بل حالة من الكدح والمرور في طريق الامتحان، بينما “العام” زمان يُقاس بالراحة والبركة.

في المحصلة، يُظهر القرءان الكريم وعيا لغويا ودلاليا عميقا في استخدام “السنة” و”العام”، ليجعل من الزمان نفسه حاملا للمعنى، لا مجرد وعاء فارغ. إنّه فرق يتجلى في البنية النصيّة ويعكس تفاعل الإنسان مع الوقت، بين من يصبر في السنين، ومن يشكر في الأعوام.

في هذا الإطار.. يمكن القول إن التمايز الدلالي، بين “السنة” و”العام” يعكس عمق اللسان القرءاني ودقته، ويبرهن على أن ألفاظ ومصطلحات التنزيل الحكيم، تأتي محملة بالشحنات المعنوية والبلاغية، التي تخدم الرسالة وتثري المعنى، ما يجعل فهم هذه التمايزات ضروريا للدارسين والمتأملين في كتاب الله. هذا التمايز يُجسّد فلسفة قرءانية عميقة في النظر إلى حركة الزمان، ويعكس حساسية النص في اختيار كلماته، ومصطلحاته، بحيث تصبح اللغة نفسها جزءا من التجربة الروحية والوجودية التي يدعو إليها التنزيل الحكيم.. وللحديث بقية.

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى