الزمن في القرءان الكريم ليس مجرد ساعات وأيام، بل هو مفهوم وجودي يرتبط بحكمة الله وقدرته سبحانه؛ فالزمن الإلهي مطلق ولا نهائي، بينما الزمان البشري محدود ومحكوم بنهاية الموت. من خلال فهم هذا التمايز، يدرك المسلم أن حياته الدنيا مجرد محطة عابرة، وعليه أن يستثمر وقته في ما ينفعه في الآخرة. كما أن إدراك سعة علم الله تعالى يزيد المؤمن تواضعا ويقينا، فلا يتعالى على قدر الله، ولا ييأس من رحمته.
ويقدم القرءان الكريم رؤية فريدة للزمن، والزمان، تميز بين طبيعتين متمايزتين له: الزمن الإلهي المطلق، والزمان الإنساني النسبي المحدود. ومن ثم، فإن فهم هذا التمييز ضروري لاستيعاب العديد من آيات التنزيل الحكيم المتعلقة بالتاريخ، والوعد والوعيد، والحياة الدنيا والآخرة.
فالزمن في القرءان إذن ليس مادة جامدة، بل هو علامة على عظمة الخالق، وتذكرة للإنسان بأن حياته قصيرة، وعليه أن يعمل لما بعدها.. عبر القيام بالمهمة التي كلفه الله سبحانه بها، “تعمير الأرض”.
الزمن المطلق
يقدم القرءان الكريم الله عز وجل باعتباره الأزلي الأبدي، الذي لا تحده بداية ولا نهاية؛ وزمنه سبحانه ليس كزمان المخلوقات، بل هو مطلق وسرمدي، خارج نطاق القياس والحركة والتغير. يقول سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ ٱلۡأَوَّلُ وَٱلۡأٓخِرُ وَٱلظَّٰهِرُ وَٱلۡبَاطِنُۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: 3]. هذه الآية تشير بوضوح إلى أن الله تعالى يحيط بالزمن كله، فهو مبدؤه ومنتهاه، ولا يخضع لتقلباته. أما بالنسبة إلى قوله سبحانه: ﴿وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥۚ وَإِنَّ يَوۡمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلۡفِ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: 47]؛ فهذه الآية، لا تعني بالضرورة تحديدا كميًّا ليوم القيامة، بل هي تعبير عن عظمة هذا اليوم وطوله بالنسبة للإدراك البشري المحدود.
كما يؤكد القرءان على أن علم الله محيط بكل شيء في كل زمان ومكان، فلا يغيب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء؛ وذلك كما يتبدى في قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَۚ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۚ وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةٖ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ﴾ [الأنعام: 59]. هذا العلم الشامل يستلزم إدراكا كاملا للماضي والحاضر والمستقبل في لحظة أزلية واحدة، وهو ما يتجاوز التصور الزمني البشري (الزمان)، القائم على التتابع والتعاقب.
الزمان النسبي
في المقابل، يقدم القرءان الكريم الزمان الإنساني على أنه محدود وقابل للقياس والتغير؛ ويرتبط هذا الزمان بحركة الشمس والقمر وتعاقب الليل والنهار، وهي الآيات التي سخرها الله لخدمة الإنسان وتنظيم حياته. يقول عزَّ وجل: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءٗ وَٱلۡقَمَرَ نُورٗا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ﴾ [يونس: 5]. وهذه الآية تربط مباشرة بين الظواهر الفلكية وإمكانية حساب الزمن وتقدير الآجال.
أيضا، يصف القرءان الكريم الحياة الدنيا بأنها فترة زمنية قصيرة ومحدودة، سرعان ما تنقضي وتزول؛ وهو ما يتضح في قوله عزَّ من قائل: ﴿وَمَا هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا لَهۡوٞ وَلَعِبٞۚ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَ لَهِيَ ٱلۡحَيَوَانُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 64]. ولنا أن نلاحظ، كيف أن هذا التصوير يؤكد على نسبية الزمان الدنيوي، الإنساني، وقيمته الزائلة مقارنة بالخلود الأبدي في الآخرة.
وتتضح نسبية الزمان الإنساني، كذلك، في القصص القرءاني التي تذكر أحداثا وقعت في الماضي البعيد، والتي تُعرض بطريقة تجعلها حاضرة وكأنها تحدث الآن؛ فقصص الأنبياء والأمم السابقة ليست مجرد سرد تاريخي، بل هي دروس وعبر مستمرة تتجاوز حدود الزمن. ففي سورة يوسف، يقول تبارك وتعالى: ﴿نَحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ أَحۡسَنَ ٱلۡقَصَصِ بِمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ﴾ [يوسف: 3]؛ حيث إن استخدام فعل المضارع “نَقُصُّ” يدل على استمرار هذا القصص وتجدده.
تفاعل الزمنين
بالرغم من التمايز الواضح بين الزمن الإلهي والزمان الإنساني، إلا أن هناك تفاعلا بينهما في سياق التنزيل الحكيم؛ فالوعد والوعيد الإلهيان، على سبيل المثال، يتحققان في إطار الزمان الإنساني، ولكن بتوقيت وحكمة يعلمها الله وحده. وقد يستعجل الإنسان وقوع الوعد أو الوعيد، بينما يمهل الله لحكمة بالغة، خاصة إذا لاحظنا قوله سبحانه: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٞۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَأۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ﴾ [الأعراف: 34]؛ إذ إن هذه الآية تشير إلى أن لكل أمة ولكل فرد أجلا محددا في علم الله، ولكن توقيته يظل ضمن نطاق الغيب الإلهي.
أضف إلى ذلك، أن الأحداث التاريخية التي يذكرها القرءان تحمل دلالات تتجاوز إطارها الزماني المحدد؛ فهي تقدم سننا إلهية ثابتة عبر التاريخ، وتوضح عاقبة الظلم والإيمان والصبر. وبالتالي، يصبح الماضي عبرة للحاضر والمستقبل، ويتجلى الزمن الإلهي في هذه السنن الثابتة التي تحكم مسار التاريخ الإنساني.
هذا، فضلًا عن أن فهم التمييز بين الزمن الإلهي المطلق والزمان الإنساني النسبي، له آثار عميقة على نظرة المسلم للحياة والكون. فهو يساعد على: تقدير عظمة الله سبحانه وتعالى؛ إذ، إن إدراك أن زمن الله ليس كزماننا يعزز الشعور بعظمته وجلاله، وأنه سبحانه فوق حدود الزمان والمكان. أيضًا، النظر إلى التاريخ بمنظور أعمق؛ من حيث إن إدراك أن هناك سننًا إلهية تحكم التاريخ، يساعد على فهم الأحداث الجارية واستخلاص العبر منها.
في هذا الإطار.. يمكن القول إن فكرة الزمن في القرءان الكريم تتسم بالعمق والشمولية، حيث تميز بين الزمن الإلهي المطلق السرمدي، الذي لا يحده قياس ولا تغيير، والزمان الإنساني النسبي المحدود، الذي يرتبط بحركة الكون وتقلبات الحياة الدنيا. وبالرغم من هذا التمايز، هناك تفاعل مستمر بين الزمانين، حيث تتحقق إرادة الله وسننه في إطار الزمن الإنساني.
ومن ثم، فإن فهم هذا التمييز ضروري لتدبر آيات القرءان الكريم واستيعاب رؤيته الشاملة للكون والحياة والتاريخ، ولتعزيز الإيمان بالله وعظمته، والتعامل بحكمة وصبر مع تقلبات الزمن. فالقرءان يدعونا إلى تجاوز النظرة الضيقة للزمان، والانفتاح على أبعاد أوسع تتجاوز حدود إدراكنا المحدود، وتذكرنا دائما بعظمة الخالق الذي يمسك بزمام الأمور كلها في كل زمان ومكان؛ عبر القوانين والسُنن الإلهية الحاكمة للمكان والزمان.. كليهما.







