رؤى

الدولة الحديثة.. مرويات مقبولة و”حقائق كاذبة”

هناك من المفكرين من رأى أن الدولة – في أحد تعريفاتها – ليست مجرد جهاز بيروقراطي أو كيان قانوني، بل بناء متماسكا من الحقائق المُتفق على تصديقها، وإن لم تكن كلها صادقة.. حتى أن أحدهم وصف الدولة بأنها “كذبة مؤسسة”.

أشار كثير من المفكرين والفلاسفة منهم: نيتشه، ماكيافيلي، بيير بورديو، جاك إلول، تشومسكي.. وآخرين إلى أن جزءا من استقرار الدولة يرتكن إلى “مرويات مقبولة” أو “حقائق كاذبة”، تشمل: فكرة أن السلطة تعمل دائما لصالح الشعب، أن القانون فوق الجميع، أن سيادة الدولة مطلقة، أن المواطن حرٌ تماما داخل إطار الدولة… إلى آخره.

لا يمكن القطع مطلقا بكذب تلك العبارات؛ يمكن القول أن هناك تراوح، وقدر من المصداقية، يفضل الإبقاء عليه- ولو في حدوده الدنيا- معظم الوقت؛ لكن الاستبداد يؤدي بتلك المقولات إلى هاوية من الأكاذيب لا قرار لها. ويبرر ذلك من قبل منظري دولة الفرد الواحد، بأنه من قبيل المحافظة على توازنات بالغة التعقيد، تستلزم تقديم التنازل تلو الآخر من جانب الشعب في حقوقه الأساسية، وتنازل الدولة ذاتها عن بعض مقومات وجودها، بدوافع غامضة وملتبسة. يقول جورج أورويل: “الحرية تعني حقك في قول إن اثنين زائد اثنين يساوي أربعة. فإذا تم ذلك، فإن كل شيء آخر يتبع”. يعني أن الأمر يبدأ بكذبة صغيرة، لا يُسمح لأحد بتكذيبها.. حتى تصل إلى القبول العام؛ عندئذ ينهار الإحساس بالحقيقة كلها.  ويرى البعض أن الدولة الحديثة -في إحدى تجلياتها- هي: اتفاق جماعي على تصديق روايات متماسكة، ليس لأنها صادقة بالكامل، بل لأنها ضرورية لاستمرار النظام.. يتعلق مفهوم الدولة الحديثة بالمجاز، وليس بالحقيقة؛ لذلك تعمل طول الوقت على إنتاج سرديتها الخاصة، المؤسسة على مقولات عاطفية – في معظمها- بهدف الإلهاء والتسكين. هذه “الحقائق الكاذبة” تبقى بعيدا عن التشكيك، مع إحاطتها بهالة من القداسة، والتشديد على أن العبث بها “قد يُسقط الثقة الجماعية التي تحفظ بقاء الدولة”.

تتمترس الدولة الحديثة خلف مناوءة مستمرة للحقائق والحقوق، في مساومة يومية لكسب الحد الأدنى من الرضاء العام، بالوسائل المشار إليها سلفا. وأحيانا تدخل الدولة في حالة من التكذيب المتواصل، للحقائق على الأرض.. فعندما يسود الإخفاق، يعلو الصوت بالحديث عن الإنجازات، وعندما تصرخ الجموع من شدة المعاناة، تصدح الأغاني بمعاني الرفاه والرخاء، وحين تبلغ التبعية حد الانحطاط، ستجد التأكيد من جانبها على استقلالية القرار.

“إذا كنت تعاين ما هو فادح.. فإننا نحول بينك وبين الأفدح” المقارنات تحضر بقوة والأمثلة تجل عن الحصر؛ وحين تفشل المقارنات في بناء القناعات؛ لا بد من وضع المواطن في مواجهة مباشرة مع الأسئلة الكبرى، ثم مصارحته بضاءلته، ومحدودية قدرته على الصمود، وعجزه التام عن تحمّل تبعات ما يدعو إليه، ليجد نفسه في النهاية قانعا ببؤسه، مسوِّقا له بين من هم على شاكلته.

يدعونا جرامشي إلى التمييز بين الدولة بوصفها أداة قمع “سلطة” وكونها أداة هيمنة ثقافية “قناعة” ربما لفهم أدوار الدولة، وتقدير مرونتها في الانتقال بين تلك الأدوار، والموازنة بينها. ويرى بيير بورديو أن الدولة تنتج عقائد اجتماعية نابعة من احتكارها للرموز والتصنيفات الشرعية، بمعنى أنها منشئة للتصورات الخاصة بها لدى مواطنيها، كما يمكن لها تصنيف فئة ما من مواطنيها في خانة الأعداء؛ إذا هم كانت لهم تصوراتهم الخاصة عنها وعن أدوارها، أو قصرت عقولهم عن استيعاب تجاوزاتها، أو تفهم بطشها.. على الجميع إذن التظاهر بالإيمان بشرعية الدولة، رغم معرفتهم بالخلل كما يقول جيمس سكوت.

غرامشي
جرامشي

لا تمانع الدولة في التعامل مع الحقائق، ولكنها غالبا ما تلجأ للإنكار؛ لأنها مجبولة على رفض كل ما يصمها بالضعف، فهو ألد أعدائها، وهو ما يدفع بها نهاية في طريق السقوط، فتراها مضطرة للتضليل حينا ولإخفاء المعلومات حينا آخر، أو إعادة تأطيرها بما يناسب مصلحتها.. لذلك يمكننا القول أن الدولة هي “كيان رمزي تنظيمي يوازن بين البنية القانونية والهيمنة الرمزية، يفاوض مواطنيه بشكل يومي على قبول مروياته، ويتعامل مع الحقيقة لا بوصفها قيمة مطلقة، بل كعامل يجب احتواؤه وتدويره”.

لا تفطن الدولة في كثير من الحالات، إلى خطورة انقسام مواطنيها بين فئتين لا ثالث لهما: مؤيدون مصدقون طوال الوقت، ومكذبون رافضون دائما.. وذلك لأن كلا الفريقين صار في حالة امتناع تام عن التعاطي مع الدولة بوصفها فكرة تنطوي على مقومات للقبول والرفض تستلزم حدًا أدنى من الوعي وإثارة النقاش.. ما يعني أن اكتفاء الدولة بهذين الفريقين، سيدخلها حتما في حالة من الموات.. وهو الأمر الذي يقوِّضها داخليا دون جلبة.

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.
زر الذهاب إلى الأعلى