رؤى

السويداء السورية.. والمشروع الإسرائيلي “ممر داود”

في الجنوب السوري، وتحديدا في محافظة السويداء ذات الأغلبية الدرزية، تتصاعد مؤخرا مظاهر الاقتتال الداخلي والاضطرابات الاجتماعية والسياسية، في مشهد يبدو للوهلة الأولى محليا، لكنه يتشابك ضمن شبكة إقليمية ودولية أعقد مما يظهر على السطح.

بالتوازي، يعاد طرح مشروع إسرائيلي استراتيجي تحت اسم “ممر داود”، يهدف إلى ربط الخليج العربي بالموانئ الإسرائيلية على البحر المتوسط، بما يعيد رسم خرائط التجارة الإقليمية والعالمية. هذا المشروع، وإن بدا اقتصاديا في جوهره، يحمل أبعادا أمنية وجيوسياسية عميقة قد تطال ممرات تاريخية (قناة السويس) ومشاريع استراتيجية (طريق الحرير الصيني).

في هذا السياق.. تصبح السويداء – رغم صغر حجمها الجغرافي والديمغرافي- نقطة تقاطع بين مشاريع النفوذ والصراع على الممرات، وحالة اختبار للتوازنات بين قوى متعددة: إسرائيل، وإيران، والولايات المتحدة، وروسيا، ودول الخليج، والصين.

التشابك الجيوسياسي

منذ اندلاع الأزمة السورية، في عام 2011، ظلت محافظة السويداء في الجنوب، ذات الغالبية الدرزية، بمنأى نسبي عن الصراعات المسلحة الكبرى. ومع ذلك، شهدت تطورات متسارعة في السنوات الأخيرة، تمثلت في بروز جماعات مسلحة محلية، وتزايد الاغتيالات، وانتشار الميليشيات؛ فضلا عن تصاعد خطاب الانفصال والاعتراض على السلطة الانتقالية في دمشق.

والواقع، أن السويداء باتت في موقع جيوسياسي حساس، كونها تشكل “خاصرة الجنوب السوري” القريبة من الجولان المحتل، وعلى تماس مع محافظة درعا المنفلتة أمنيا، وبجوار الحدود الأردنية. ومع تصاعد التوترات الداخلية، في هذه المنطقة ذات الطبيعة العشائرية والطائفية المركّبة، يصبح التساؤل: لماذا الآن؟ ولماذا السويداء تحديدا؟ والأهم، هل هناك علاقة بين ما يحدث في السويداء السورية، ومشروع ممر داود؟

أولا المشروع الإسرائيلي ممر داود:

ممر داود هو الاسم غير الرسمي لمشروع إسرائيلي استراتيجي، طرح في الأصل منذ ثمانينات القرن العشرين الماضي، ثم أعيد إحياؤه بطرق مختلفة خلال العقود اللاحقة، خاصةً بعد محاولات التطبيع الأخيرة بين إسرائيل وعدد من دول الخليج العربية. يقوم المشروع على إنشاء ممر بري “لوجستي”، يبدأ من الخليج العربي، ويمر عبر الأردن، ويصل إلى ميناءي حيفا أو أشدود، وعبرهما تصدّر البضائع وتستورد من وإلى أوروبا وأفريقيا.

الممر الذي نحن بصدده إذن، له علاقة بالأدبيات التوراتية، وهو جزء من الحلم الصهيوني “دولة إسرائيل الكبرى”؛ حيث إن العُقد الاستراتيجية للممر تبدأ من الجولان السوري المحتل؛ ثم القنيطرة ودرعا وجبل حوران، ومنه إلى البادية السورية باتجاه التنف على الحدود السورية الأردنية العراقية؛ ومنها إلى منطقة كردستان داخل العراق وفي ملامسة الحدود التركية.

وبهذا الشكل، يفترض بالممر أن يفتح بوابة جديدة باتجاه أوروبا؛ وتكمن أهميته بالنسبة لإسرائيل في استغنائها عن “قناة السويس” وفي الوقت نفسه عن “طريق الحرير الصيني”، حيث يصبح طريقا لنقل البضائع من الخليج وآسيا الوسطى إلى أوروبا. وبهذا الشكل، يبدو بوضوح لماذا تريد إسرائيل التطبيع، وبأسرع وقت مع البلدان العربية الخليجية خاصةً. وبهذا الشكل، لا بُدَّ من استقرار أمني وسياسي في المنطقة الممتدة من جنوب سوريا إلى شمال الأردن، مرورا بالحدود الشرقية لفلسطين المحتلة (إسرائيل).. وهنا، تأتي أهمية السويداء ومحيطها الجغرافي.

ثانيا السويداء السورية وممر داود:

رغم التوتر المتصاعد الذي تشهده محافظة السويداء، إلا أن استقرار المحافظة يشكل جزءا من “الهلال الآمن” الذي تسعى إسرائيل لتشكيله على حدودها الشمالية الشرقية. وبالتالي، فإن تفتيت السويداء داخليا، عبر الصراعات الطائفية والعشائرية، يخدم أهدافا عدة:

من هذه الأهداف، إضعاف السلطة المركزية في دمشق، التي هي في الأصل ضعيفة ولا تستطيع السيطرة على أحداث السويداء؛ بما يمنح إسرائيل هامشا أوسع للحركة في الجنوب السوري. ومنها أيضا، تفكيك البنية الاجتماعية الدرزية، وربطها بالمشروع الإسرائيلي، خاصة أن لإسرائيل علاقات تاريخية مع بعض القيادات الدرزية في فلسطين المحتلة والجولان المحتل. أضف إلى ذلك.. خلق فراغ أمني تملؤه شبكات موالية لإسرائيل، أو على الأقل غير معادية للمشروع الإسرائيلي، خصوصا في حال توسع التطبيع مع دول أخرى.

وبالتالي، فإن الاقتتال الداخلي في السويداء ليس محض صدفة أو ناتجا عن خلافات محلية فحسب، بل جزء من مخطط أوسع لإعادة تشكيل المشهد الحدودي لصالح مشاريع إقليمية (ممر داود).

بهذا المعنى، يستهدف ممر داود ليس فقط تفتيت الدولة في سوريا، ولكن أيضا تفتيت الدولة في العراق، عبر إقامة كانتونات إثنية وطائفية، متناحرة؛ حتى لو كانت تحت مظلة “الدولة المركزية”، سواء في سوريا أو العراق.

ثالثا ممر داود والمشروع الهندي الأوروبي (IMEC):

يُعد “الممر الاقتصادي الهندي الشرق أوسطي الأوروبي” (IMEC)، الذي أعلن عنه في قمة مجموعة العشرين عام 2023، جزءا من مشروع استراتيجي مدعوم من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والهند، ويهدف إلى ربط الهند بأوروبا عبر الإمارات والسعودية، ثم الأردن وإسرائيل، وصولا إلى موانئ البحر المتوسط. في هذا السياق، يظهر ممر داود الإسرائيلي، ليس فقط بوصفه مشروعا موازيا، بل حلقة محورية داخل هذا الممر الأوسع.

وكما يبدو، فإن التقاطع بين المشروعين واضح: من حيث البنية التحتية المشتركة؛ إذ يعتمد كلا المشروعين على استخدام الموانئ الإسرائيلية (حيفا أو أشدود)، وخطوط سكك حديدية تمتد عبر إسرائيل والأردن، ما يجعل إسرائيل نقطة وصل لا غنى عنها.. أيضا، من حيث التكامل الاستراتيجي؛ حيث يشكل ممر داود، البنية التحتية الجاهزة التي يمكن إدماجها سريعا ضمن المشروع الهندي الأوروبي، ما يمنح إسرائيل موقعا استراتيجيا في التجارة بين آسيا وأوروبا.

إجمالا، فإن ممر داود لا يعمل بمعزل عن المشروع الهندي- الأوروبي، بل يمثل نقطة التمكين الحقيقية له، كما يُمكّن إسرائيل من التحول إلى عقدة مركزية في شبكة التجارة الدولية الجديدة، على حساب قنوات تقليدية (قناة السويس).

في هذا الإطار.. يمكن القول إن السويداء، برغم كونها منطقة محدودة جغرافيًا وسكَّانيا، تعكس اليوم حجم التداخل بين المحلي والإقليمي والدولي؛ ومن ثم فالاقتتال الدائر فيها ليس مجرد فوضى داخلية، بل مرآة لصراع أوسع على النفوذ، وعلى الطرق، وعلى الهندسة الجغرافية للمنطقة.

ممر داود إذن، ليس مجرد مشروع لوجستي، بل رؤية إسرائيلية لإعادة تموضع في قلب التجارة العالمية، على حساب ممرات تاريخية، ومشاريع مستقبلية. وإن لم تواجهه المنطقة بمشاريع متكاملة مضادة، واستراتيجيات تضمن توازن القوى، فإن التحول الجغرافي القادم؛ قد يعيد رسم خرائط التأثير والثروة لمصلحة أطراف جديدة.

وفي النهاية، فإن كل طلقة تُطلق في السويداء، قد يكون لها صدى في ميناء صيني، أو على ضفاف قناة السويس.. إنها لحظة مفصلية في تاريخ الممرات.

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى