من جديد، تعود التوترات إلى الواجهة بين الجارتين في القرن الإفريقي، إثيوبيا وإريتريا، بعد سنوات من السلام النسبي الذي أعقب اتفاق المصالحة في 2018، والذي مهّد لنهاية صراع طويل بدأ منذ استقلال إريتريا عام 1993. التوتر الحالي لا يدور فقط في فضاء التصريحات المتبادلة، بل ينطوي على رهانات استراتيجية كبيرة، أبرزها الطموح الإثيوبي في الوصول إلى البحر الأحمر، ومحاولة استعادة دور إقليمي فاعل في ظل تحديات داخلية وخارجية معقّدة.
فما الأسباب الحقيقية للتوتر الراهن؟ وكيف ترتبط بملف الموانئ والمنفذ البحري؟ وما الذي يجعل الموقع الإريتري عامل ضغط استراتيجي على أديس أبابا؟
والأهم، هل يمكن استثمار هذا التوتر “مصريا” في أكثر من ملف، سواء ملف سد النهضة، أو ملف النفوذ الإثيوبي في منطقة القرن الأفريقي؟
الداخل الإثيوبي
يشكل الداخل الإثيوبي عنصرا لا يمكن تجاوزه في تحليل التوتر الحالي؛ فمنذ اندلاع الحرب في إقليم تيغراي عام 2020، تواجه إثيوبيا تحديات سياسية وأمنية متزايدة، تهدد تماسك الدولة الفيدرالية. وقد أفرزت هذه الحرب ديناميات معقدة، لعل أبرزها التحالف العسكري المؤقت بين الحكومة الإثيوبية ونظام أسياس أفورقي ضد “جبهة تحرير تيغراي”، وهو تحالف بُني على منطق الضرورة، لا المصالح الاستراتيجية العميقة، ولذلك سرعان ما ظهرت تصدعاته بعد انتهاء العمليات العسكرية.
والواقع، تتّهم تقارير عديدة الجيش الإريتري بارتكاب انتهاكات في إقليم تيغراي، وهو ما أثار امتعاضا داخل إثيوبيا نفسها، خاصة من قبل التيغراويين. كما أن دور إريتريا في الشئون الإثيوبية أصبح محل جدل داخلي، خصوصا في ظل اتهامات بالتدخل الإريتري في إدارة مناطق حدودية، وتغذية النزاعات العرقية، وهو ما دفع بعض التيارات الإثيوبية للمطالبة بإعادة النظر في العلاقة مع أسمرة.
علاوة على ذلك، فإن أديس أبابا تشعر بأنها تعاني من عزلة جيوسياسية، في ظل علاقات متوترة مع السودان، وتصاعد التنافس الإقليمي على موانئ البحر الأحمر، ناهيك عن تعثر مشروع سد النهضة نتيجة الضغوط الدولية والإقليمية، مما يدفع القيادة الإثيوبية إلى البحث عن أوراق قوة جديدة، ومنها ملف الوصول إلى البحر.
منفذ بحري
منذ استقلال إريتريا، أصبحت إثيوبيا دولة حبيسة بلا منفذ على البحر، وهو ما يُعدّ نقطة ضعف استراتيجية لأي دولة ذات طموحات إقليمية. لطالما سعت إثيوبيا، عبر التفاهم أو الضغط أو التلويح بالقوة، إلى إيجاد حل لهذه المعضلة الجيوسياسية. وقد اعتمدت في البداية على موانئ جيبوتي بنسبة تزيد عن 90 % من تجارتها الخارجية، لكنها رأت لاحقًا أن الاعتماد الكلي على جيبوتي أمر محفوف بالمخاطر، خاصةً في حال تغيرت المعادلات السياسية.
في السنوات الأخيرة، طرحت إثيوبيا رؤى طموحة تهدف إلى استثمار موقعها الجغرافي كمحور ربط بين البحر الأحمر والداخل الإفريقي. وقد تحدث آبي أحمد، رئيس الوزراء الإثيوبي، في أكثر من مناسبة عن ضرورة حصول بلاده على “منفذ بحري خاص”، أو “وصول مباشر إلى البحر”، مشيرا إلى أن ذلك “حق تاريخي” و”مسألة أمن قومي”؛ بل ذهب إلى حد الحديث عن “حلول سلمية أو غير سلمية” إذا لزم الأمر، وهو ما اعتبرته أوساط إريترية تهديدا مبطّنا.
هذه التصريحات أثارت قلق أسمرة، التي تدرك أن أي تحرك إثيوبي للضغط نحو منفذ بحري يمكن أن يشمل أراضيها، سواء عبر الضغوط السياسية أو التفاهمات الدولية أو حتى الاحتمالات العسكرية، خصوصا أن الموانئ الإريترية (عصب ومصوع)، تُعدّ من أفضل الموانئ الممكنة بالنسبة لإثيوبيا.
جغرافية إريتريا
تحتل إريتريا موقعا جيوسياسيا بالغ الأهمية، فهي تشرف على مضيق باب المندب، وتملك شريطا ساحليًا يزيد عن 1100 كلم على البحر الأحمر. ويعد ميناء “عصب” من أبرز الموانئ القريبة من الحدود الإثيوبية، إذ لا يبعد سوى 60 كلم عن حدودها، وكان يُستخدم قبل استقلال إريتريا لتصدير واستيراد البضائع الإثيوبية.
هذا الموقع يعطي إريتريا أوراق ضغط مهمة، ليس فقط على إثيوبيا، بل على القوى الإقليمية والدولية الساعية للتمركز في البحر الأحمر. فالإمارات مثلا تستخدم ميناء عصب لأغراض عسكرية ولوجستية، في إطار تدخلاتها في اليمن وشرق أفريقيا؛ كما أن دولًا مثل إسرائيل وإيران والولايات المتحدة وتركيا تراقب عن كثب النشاط في هذا الممر البحري الحيوي، الذي يُعدّ شريانًا استراتيجيًا للتجارة العالمية وطرق الطاقة.
ومن ثم، تدرك إريتريا أن إثيوبيا لن تتوقف عن السعي للوصول إلى البحر؛ لكنها -في الوقت نفسه- لا ترغب في تقديم امتيازات بحرية دون مقابل سياسي أو اقتصادي كبير. وهي تلعب على وتر التوازنات الإقليمية، وتحاول قدر الإمكان استخدام موقعها، ورقة تفاوض مع جيرانها ومع القوى الكبرى، ما يجعلها تتعامل بتحفظ مع الطموحات الإثيوبية، خصوصا عندما تُطرح بصيغة الإملاء أو الإلحاح غير المتكافئ.
مؤشرات التوتر
في الشهور الأخيرة، ظهرت مؤشرات عدة على تصاعد التوتر بين البلدين. فقد بدأت تصريحات إعلامية من الجانب الإريتري تنتقد ضمنا مشروع آبي أحمد البحري، واتهامات متبادلة بخرق تفاهمات 2018، واحتكاكات على حدود إقليم تيغراي مع وجود وحدات إريترية لم تنسحب بالكامل. كما ظهرت إشارات إلى تحركات عسكرية غير مألوفة في المناطق الحدودية، أثارت القلق من احتمال انزلاق الأوضاع إلى صدام محدود أو صراع جديد.
من جهة أخرى، يبدو القلق الإريتري من محاولات إثيوبيا تعزيز علاقاتها مع جيبوتي والصومال للحصول على موانئ بديلة، لأنها ترى في ذلك تقليصا لدورها الحيوي. في المقابل، تسعى إثيوبيا إلى تنويع خياراتها البحرية، وطرح مشاريع إقليمية لربط أديس أبابا بخطوط سكك حديدية إلى الموانئ الصومالية، لكن هذه المشاريع تواجه تحديات سياسية وتمويلية.
طموح وهواجس
بين الطموح الإثيوبي والهواجس الإريترية، يتشكل مشهد إقليمي معقد؛ فإثيوبيا ترى أن بقاءها دولة حبيسة يحد من قدرتها الاقتصادية والعسكرية، ويجعلها رهينة لجيرانها؛ وهي تسعى لإعادة تموضعها كلاعب محوري في منطقة القرن الإفريقي، سواء عبر اتفاقيات بحرية أو إنشاء موانئ بالشراكة مع دول الجوار، أو حتى عبر التلويح بتعديلات جغرافية إذا اقتضى الأمر.
أما إريتريا، فتحرص على حماية سيادتها وموقعها الاستراتيجي، وترى أن منح إثيوبيا منفذا على البحر الأحمر يجب أن يكون مشروطا باتفاقات واضحة ومربحة. كما أنها تخشى من طغيان النفوذ الإثيوبي، خصوصا أن عدد سكان إثيوبيا يزيد على 120 مليون نسمة، مقارنة بإريتريا التي لا يتجاوز سكانها 6 ملايين، وهو ما يخلق شعورا دائما بعدم التوازن في أي شراكة مفترضة.
في هذا الإطار.. يمكن القول إن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا هو نتاج مركّب لعوامل جغرافية وتاريخية واستراتيجية؛ فالسعي الإثيوبي نحو البحر الأحمر ليس طارئا، بل هو مطلب حيوي يتجدد مع كل أزمة.. لكنه هذه المرة يتقاطع مع طموحات إقليمية وأزمات داخلية وأوزان دولية متشابكة، ما يجعله أكثر حساسية من أي وقت مضى.
إريتريا، رغم صغر مساحتها وسكانها، تحتفظ بموقع استراتيجي يتيح لها لعب أدوار تفوق حجمها، وهي تحاول استثماره بحذر. وفي المقابل، تدفع إثيوبيا بكل أوراقها لتقليص تبعيتها البحرية، لكن الطريق أمامها ليس سهلًا، بل محفوفًا بتعقيدات سياسية وأمنية.
ويبقى التساؤل: هل يمكن توظيف التوتر بين إريتريا وإثيوبيا، لتقييد النفوذ الإثيوبي في القرن الأفريقي، والضغط الجيوسياسي لتحقيق انفراجة “مصرية” في ملف سد النهضة؟








