رؤى

فشل قمة القاهرة.. هل يُساهم في “نكبة” ثانية؟

طرح اجتماع قادة ورؤساء ومبعوثي عددٍ من الدول الإقليمية والدولية، في القاهرة، تحت عنوان “قمة القاهرة للسلام”، مجموعة من التساؤلات، لعل من أهمها: لماذا فشلت القمة في إصدار ـ مجرد ـ بيان ختامي لأعمالها، بما يعني أن القمة لم تكن وفق المأمول؛ بل ربما لا نُغالي إذا قلنا إنها “قمة مُخيبة للآمال”؛ الآمال التي تتمحور، أو التي كانت تتمحور حول إمكانية وقف التصعيد في قطاع غزة.

الأهم أن فشل القمة في مجرد صدور بيان ختامي عنها، يوضح كم الخلافات، والاختلافات، بين الدول التي شاركت في هذه القمة؛ خاصة أن التسريبات حول القمة تؤكد أن الخلاف قد تركّز في مستوى الإدانة، بين من يُريد إدانة طرف واحد، ومن يتغيا التوازن. ولعل هذا ما يطرح التساؤل: إذا كانت مواقف الدول المشاركة في قمة القاهرة واضحة وثابتة، من قبل انعقاد القمة؛ فلماذا إذن كانت الدعوة إلى انعقاد القمة، أصلًا، ما دامت المواقف معروفة؟

قمة الاختلاف

أنهت القمة أعمالها، السبت 21 أكتوبر، مع بروز الخلاف الكبير في وجهات النظر بين الجانبين الأوروبي والعربي؛ حيث بدا أن الجانب الأوروبي قد حضر ممثلوه للحصول على إدانة واضحة لعملية “طوفان الأقصى”، وإدانة أكثر وضوحًا تخص حركة “حماس” بوصفها “حركة إرهابية”؛ فضلًا عن  الحصول على دعم لـ”إسرائيل” وحقها في “الدفاع” عن نفسها.

كما يبدو أيضا أن معظم العرب الذين شاركوا في القمة، لم يتوقف عند رفض هذا الموقف، ولكن كانت هناك مُطالبة، وإن كانت خجولة بعض الشيء، بالبدء في عملية سياسية للتوصل إلى حل للقضية الفلسطينية، دون تصفيتها على حساب أطراف عربية تجاور جغرافيتها فلسطين التاريخية المحتلة، أو تحديدًا غزة والضفة الغربية.

رغم ذلك، فإن اللافت في الأمر أن هذا الخلاف، الذي عبّر عن نفسه في عدم صدور بيان ختامي عن القمة، ليس بأمر غريب أو مباغت؛ بل إنه كان أمرًا متوقعًا، أو على الأقل يمكن توقعه قبل انعقادها، نظرًا لحجم الخلافات والاختلافات، بين الدول المشاركة في القمة على مستوى المفاهيم والمواقف السياسية المختلفة، في الأصل، من أطراف الصراع.

ولعل مما له دلالة، إضافة إلى غياب كلمتي قيادتي الإمارات وقطر؛ هو البيان  الصادر عن رئاسة الجمهورية المصرية، الذي حمل استنكارًا لما اُعْتُبِرَ أنه “القصور الجسيم في عدم إيجاد حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية”، مُرجعًا هذا القصور إلى سبب رئيس تبدّى من خلال القمة، وهو “السعي إلى إدارة الصراع، وليس إلى إنهائه”.

حدود التأييد

إضافة إلى ما سبق، فقد طرحت القمة عمليًا، سؤالًا حول حدود الدعم الدولي الذي يؤيد إسرائيل في حربها على غزة، خاصة في استهدافها للمدنيين وليس لأطراف مُقاتلة أو مُسلحة. وهنا يبدو بشكل لافت أن هذه الدولة، التي تمارس “البلطجة” على المستوى الإقليمي أي إسرائيل لا تلقى دعمًا علنيًا إلا من القوة التي تمارس “البلطجة” على المستوى الدولي، أي الولايات المتحدة الأمريكية، وتابعيها في أوروبا بريطانيا وألمانيا وفرنسا، التي هرول قادتها إلى إسرائيل عقب زيارة الرئيس الأمريكي تل أبيب.

في هذا الإطار، فإن الموقف الأمريكي، وتابعيه في أوروبا، لا يُشكل تأييدًا عالميًا بالطبع، خاصة أن مواقف قوى دولية أخرى تأتي نسبيًا، على العكس من ذلك، مثل روسيا والصين فضلًا عن مواقف الدول الأفريقية التي شاركت في قمة القاهرة. ولكن على الجانب الآخر، يمكن اعتبار أن القمة، في ملامحها العامة، كانت محاولة للتأكيد على رفض تهجير الفلسطينيين، سواء إلى مصر أو الأردن؛ باعتبار أن ترك الفلسطينيين قطاع غزة سوف يُساهم في “تصفية القضية الفلسطينية”.

وكما يبدو، فإن المخطط الإسرائيلي، ومن قبله الأمريكي، لن يتوقف عند هذا الحد، حد تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة؛ ولكن سوف تأتي المرحلة التي يتم من خلالها دفع فلسطينيي الضفة الغربية في اتجاه الأردن.

مصر والأردن

من الواضح أن أكثر الأصوات العربية في رفض تهجير الفلسطينيين، كانت أصوات مصر والأردن؛ من حيث إن كل منهما هو الطرف المباشر في أية نتائج، تتمخض عنها الحرب التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة، في حراسة حاملات الطائرات الأمريكية، وبوارجها الحربية، وأعداد من جنود المارينز.

لقد عبرت مصر والأردن، عبر مسئوليهما الرسميين عن الاعتراض، ليس على تصفية القضية الفلسطينية، التي كانت إلى وقت قريب “قضية العرب المركزية؛ ولكن تركز الاعتراض على “تهجير الفلسطينيين” إلى سيناء، وليس إلى أي مكان آخر (صحراء النقب مثلا، كما صرّح الرئيس المصري). يعني هذا -في ما يعنيه- أن السلطة الرسمية في كل من مصر والأردن، ترى في هذه العملية، عملية تهجير الفلسطينيين، دافعًا إلى عدم الاستقرار النسبي في كلا البلدين.

ويبدو أن رفض الأردن استقبال مهجر فلسطيني واحد بحزم، ينبع من أن نصف الأردنيين هم من أصول فلسطينية؛ ومن ثم فإن القبول بمهجرين جدد يعني، عمليًا، تغيير الوضع الديمغرافي في البلاد، التي تواجه بدورها أزمات حادة، سياسية واقتصادية، واجتماعية أيضًا.

أما مصر، فهي تواجه أزمة اقتصادية حادة تُشعل غضب الشارع المصري ضد السلطة الحاكمة؛ إضافة إلى أن مكانة القضية الفلسطينية لدى الرأي العام المصري، تجعل عملية التهجير أمرًا يستحيل قبوله، حتى ولو كانت في مقابل “حذف الديون المصرية”. هذا، فضلًا عن أن وجود ذلك التجمع الفلسطيني الكبير (تتحدث إسرائيل عن تهجير “مليون” فلسطيني، من غزة إلى مصر)، سيؤدي إلى انفجار الوضع على الحدود المصرية الإسرائيلية.

سيناريو مختلف

في هذا السياق، يمكن القول بأن قمة القاهرة لـ”السلام”، ساهمت في إبقاء الوضع على ما هو عليه، إلى حين إشعار آخر؛ وأن هذا الإشعار الآخر لا يعني عمليًا سوى أن تقوم إسرائيل، تحت الحماية الأمريكية والأوروبية، باجتياح قطاع غزة، بعد التمهيد الذي تحاوله منذ انطلاق عملية طوفان الأقصى، بالقصف والتدمير الهائلين. وهو ما يؤشر إلى أن إسرائيل، سوف تضطر إلى خوض هذا الاجتياح البري، في مناخ غير واضح، وفي وسط إقليمي يرفض الذهاب بهذه المعركة حتى الحدود التي تُريدها إسرائيل، وأمريكا وأوروبا.

وكما يبدو، فإن القادة هناك، في إسرائيل، وفي الغرب أيضًا، يعرفون ذلك جيدًا؛ ولذا، نرى هذا التأخر في إطلاق العملية البرية. إذ تخشى إسرائيل في حال احتدام المعارك، الخسائر البشرية في صفوف جيشها، الذي اهتز واهتزت معنوياته أمام عملية “الطوفان”؛ فضلًا عن احتمال خروج المواجهات من الحدود مع غزة إلى الحدود مع جنوب لبنان، وتحول المواجهة إلى معركة إقليمية مع تدخل أطراف أخرى. ورغم أن هذا الاحتمال، ليس بالقوة التي تجعله قريبًا، إلا أنه يبقى مجرد احتمال.

بيد أن الاحتمال، الأكثر واقعية، الذي نود أن نطرحه للتفكير في نتائجه؛ هو ذلك الذي يتعلق بإمكانية تهجير الفلسطينيين، ليس إلى سيناء، وإنما إلى الداخل، إلى المحيط المجتمعي المصري، مثلهم في ذلك مثل السوريين والعراقيين والسودانيين، وغيرهم؛ خاصة في ظل الحديث الدائر من جانب بعض المراكز البحثية الإسرائيلية، حول وجود أكثر من “مليون” وحدة سكنية فارغة، في مدينتي (ولنا أن نلاحظ دلالات اختيار هذه المدن تحديدًا)، السادس من أكتوبر والعاشر من رمضان.
ترى.. ماذا سيكون دور “النخبة السياسية”، و”النخبة المثقفة”، في مصر من احتمال كهذا، يُمثل في حقيقته “نكبة ثانية”؛ خاصة وأننا تعودنا من إسرائيل على إشغالنا بقضية، للتغطية على مسألة أخرى أكثر خطورة.. فهل يكون الحديث عن سيناء، مجرد ملهاة لصرف النظر عن 6 أكتوبر و10 رمضان؟

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock