رؤى

المشمئزون..  والنظر للتاريخ من ثقب إبرة!

لم أجد توصيفا للموقف الغريب للبعض مما يحدث في غزة الأن، أبلغ من وصف (المشمئزون)، وهو وصف عميق بعمق وجود الإنسان في الكون، وفهمه للمعنى من هذا الوجود، ولا أتصور أنه ما من إنسان إلا وحدّث نفسه، بدرجة أو بأخرى بهذا الحديث، فمنهم من احتضنه الوجود، بكل سهولة ويسر، وبادل الوجود حضنا بحضن، لما يراه من إبداع الصنع والخلق والتدبير، الذي يظهر في كل شيء، وفهم وتيقن أن هناك إرادة عليا، أوجدت كل ذلك بحكمة وعلم وتقدير وتدبير.

ومنهم من لم يكن كذلك، وغفل عن أهم سند للعقل في رحلة السؤال، وهو الروح التي سترى فيه وتجعل منه مخلوقا يختلف كل الاختلاف عن باقي المخلوقات التي من حوله، إدراكا وشعورا ومعرفة وعلما وفهما وعاطفة وحنينا.

كما قال لنا المفكر والطبيب الفرنسي الراحل اليكسى كاريل ت/1943، في كتابه الرائع “الإنسان ذلك المجهول” ترجمة الأستاذ شفيق فريد.

والذي سينصحنا فيه قائلا: يتوجب علينا أن ننكب على دراسة الظواهر التي تفلت عادة من معاييرنا المعتادة، مع أنها قادرة على أن تفتح لنا آفاق مناطق لا تزال حتى يومنا هذا مجهولة.

ويعيب على الحضارة الغربية تجاهلها عمدا للبعد الروحي “المجهول” في تكوين الإنسان: إن حضارتنا -وحتى اليوم- لم تتمكن من خلق بيئة تلائم نشاطاتنا الروحية، لأنها تتجاهل الجانب الروحي من وجود الإنسان عمدا! وسيكون أمام الرجل محطة واحدة فقط ليصل إلى الآية الكريمة في سورة الانشقاق ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾

إذ يقول لنا: يجب أن يعيد الإنسان صياغة نفسه حتى يستطيع التقدم ثانية.. ولكنه لا يستطيع صياغة نفسه دون أن يعانى، لأنه الرخام والنحّات في وقت واحد!

الفطرة أهدى من العقل كما يقولون، وأذكر أن أخي الأصغر (ياسر) رحمه الله (توفي 24/7/2025) كان يسألني في ذهول: أهناك بالفعل أناس لا يؤمنون بالله؟ فأجيبه وما الذي يجعلك أنت بهذا اليقين؟ فيقول التقدير والتدبير في شئون الدنيا والناس، أكبر أية على وجود الله.

وتذكرت مقولة ذاك العابد الناسك الذي قال لأحد تلاميذه مشيرا إلى رجل صالح يمر أمامهما: ما أمضيت عمرك كله تبحث عنه، أهتدى إليه هذا الأعمى بعكازه.

رحم الله أخي ياسر الذي كان أبصرنا وأعقلنا وأرشدنا، ورحم الله ذاك العابد الناسك الذي أشار إشارة خفيه لتلميذه، كيف يرى ويسعى ويطلب المعرفة، ليصل إلى مراده ومبتغاه في الحياة والوجود.

﴿… فملاقيه سبحانه العلى الأعلى الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا. ولعل الله أن يدخل في رحمته كل من قام لله في الناس بحٌجة، يدعوهم فيها الى معرفة أنفسهم وحقيقة وجودهم من أوسع أبواب المعرفة وأشملها (العقل والروح) مثل مؤلف كتاب “الإنسان ذلك المجهول”

لكن ماذا نعمل في هذه الحياة مع طائفة “المشمئزون”؟

هذا توصيف قرآني، للذين لا يؤمنون بالحياة الممتدة.. الحياة العابرة للموت.. حياة ما بعد الحساب عن أحوالهم في الدنيا. هذا أدراك عقلي إنساني بامتياز. فيستحيل أن تكون هذه الحياة وهذا الوجود الأكمل “كده.. وكده”.

وها هو صاحب العقل الجبار أبو حامد الغزالي (ت/1111م) الذي لم يترك علما إلا وكان في أسبق السابقين للحصول والوصول، يقول لنا في قصيدة من أروع المعاني:

لا تظنوا الموت موتا إنه** لحياة وهي غاية المـــنى

لا ترعكم هجمة الموت فما** هو إلا نقلة من ها هنا

وقد سمعنا في التعليق على ما حدث منذ 7 أكتوبر حتى اليوم، ألوانا وأشكالا من الاشمئزاز، بؤرته المركزية إنكار الحياة الممتدة.

ليس هذا فقط، بل والأسوأ، غياب الوعي بالتاريخ، الذي هو مدرسة المدارس كلها في فهم الحركة، وتداول الناس للحياة على الأرض.

وقد يفهم الإنسان مواقف بعض المرتزقة من كتاب وإعلاميين عرب، في نظرتهم للأحداث الجارية في المنطقة من “ثقب إبرة”.

القصة بالنسبة لهم، ليست أكثر مما قاله فيهم الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم: “إنت شوف لك سهره حلوه بكام قزازه، وجوز حمام، واحنا صاحيين للخواجة/واللي جايبين الخواجة /وإحنا كاشفين كل حاجه وأنت تتنيل تنام..”.

لا داعى فعلا لأن يشغلوا أنفسهم بتلك الموضوعات التاريخية الكبرى، فقط عليهم أن يذهبوا إلى حيث طلب منهم  الشاعر.

لكن كيف نفهم نظرة (نتنياهو) مثلا وهو الذى يقدم نفسه للعالم على أنه (حَبر التاريخ) والذي قال ذات مرة: أنه ليس واثقا من أن عمر دولته، سيجتاز الثمانين عاما بسهولة!

قال ذلك في ندوة عقدها بمنزله هو وزوجته سارة بمناسبة (عيد العرش) في سبتمبر سنة 2017، وشبه دولة إسرائيل الراهنة بمملكة (الحشمونائيم/ سنة 63 ق.م) والتي كانت إلهاما كبيرا للصهيونية المعاصرة، ولم تستمر 80 سنة!

وهو يرغب فقط في ضمان 20 سنة أخرى، الرجل بالفعل ينظر للتاريخ من “ثقب إبرة” يتحدث عن دولة من 3000 سنة ويتمثلها الآن!

ليس هذا فقط، بل ويخاطب المنطقة العربية كلها قائلا: إن انتصرت علينا حماس، فلن تكون فقط هزيمة لإسرائيل، بل هزيمة لكل الأنظمة الحليفة لنا في المنطقة، لذلك يجب أن تدعمونا ضد حماس.

شر الكلام ما ناقض بعضه بعضا فعلا! ليس شرا فقط.. أنت أصلا وبلسانك، لا مستقبل لك في المنطقة.. مالك والمنطقة؟

السيناتور ليندسي جراهام سيقول لنا ما غاب عن وعى أرسطو وأفلاطون وشعبان عبد الرحيم فكرا وفهما “إسرائيل ستفعل في غزة ما فعلناه نحن في طوكيو وبرلين.. أعتقد أنكم ستشاهدون في المستقبل تغييرا في التكتيكات، واستخداما كاملا للقوة العسكرية لإسقاط غزة، إسرائيل ستسيطر على المنطقة بالقوة، ثم ستبدأ كل شيء من الصفر”.

هذا شخص لا ينظر للتاريخ من ثقب إبره فقط، بل من “فم نملة”

يا أيها السيناتور، الم تتعلم في السياسة والتاريخ والقانون، معادلة تقول “قارن بين ما يقبل المقارنة” ألا تستشعر الخجل؟

أنتم تحاربون “فئة مؤمنة” بربها وأرضها من 22 شهرا، وفعلتم أحقر إبادة عرفها التاريخ المعاصر.. ولم تحققوا شيئا مما تريدون.. ولا زالت لديك الصفاقة السياسية لتقول ذلك؟ من أي منظور تاريخي استلهمت هذا الإلهام يا رجل؟ وبأي مقياس قمت بهذا القياس؟

عجز الجميع وانطفأت أبصارهم وبصائرهم، عن إدراك أن هذه المعركة، في تاريخ الحرب المفتوحة بيننا وبينهم عبر التاريخ الحديث، أنها معركة ذات خصائص خاصة، معركة يقاتل فيها “فتية” آمنوا بربهم، وأدركوا سر الوجود، من خلال الإيمان بخالق الوجود.

فوضعوا في بؤرة وعيهم، حقيقة وجودهم في هذا الزمن، وعرفوا أن عليهم فقط “فتح الباب”.

فقالوها بأعلى الأصوات، وبكل الممكنات والمستحيلات، وبكل الدماء والتضحيات

﴿…ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ جزء من آية 23 المائدة.

 إنه النظر للتاريخ، من أقدس أبوابه وأكملها وأعدلها.. وانتظروا.

زر الذهاب إلى الأعلى