رؤى

المكان في القرءان.. الرمزية والدلالة العقائدية

يتبوّأ المكان في القرءان الكريم منزلةً مركزية، ليس فقط من حيث الإشارة إليه بوصفه حيزا جغرافيا تقع فيه الأحداث؛ بل بصفته حاملا رمزيا ودلاليا عميقا، يرتبط بالبناء العقائدي والتوجيهي للتنزيل الحكيم، ويُسهم في ترسيخ مقاصده الكبرى، وعلى رأسها التوحيد. فالمكان القرءاني ليس جامدا أو محايدا، بل هو مشحون بالقيم، محكوم بالعلاقة بين الإنسان والخالق، ومشحون بدلالات تتجاوز الجغرافيا إلى الرمزية والوظيفة الأخلاقية والروحية.

مسرح الوجود

ينظر القرءان إلى المكان بصفته وعاء الكون، و”مسرح الوجود”، الذي أبدعه الله بقدرته، ودلالة لتجليات عظمته. فالكون الفسيح، بسمواته وأرضه، ببحاره وجباله، بنباته وحيوانه، هو كله أماكن خلقها الله بإتقان وبديع صنع. يقول سبحانه وتعالى: “إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ” [آل عمران: 190]. هذه الآية، وغيرها الكثير، تحث على التدبر في خلق المكان، فكل بقعة وكل زاوية فيه تحمل بصمة الخالق وتدعو إلى التفكر في عظمته.

الأرض -على سبيل المثال- ليست مجرد كوكب، بل هي مستقر للإنسان ومهد لحياته؛ كما في قوله سبحانه: “هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ ذَلُولٗا فَٱمۡشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزۡقِهِۦۖ وَإِلَيۡهِ ٱلنُّشُورُ” [الملك: 15].. فالمكان -هنا- ليس ثابتا ومحدودا؛ بل ممتد ومهيأ للحركة والتنقل، ما يشير إلى سعة فضل الله على عباده.

وتتضح دلالة المكان الكونية في وصف القرءان لأحوال السموات والأرض، وتغير أحوالها من الخسف والزلزال إلى الاستقرار والعمران. هذه التغيرات التي تطرأ على المكان هي جزء من آيات الله التي يُذكِّر بها عباده، ويُعرفهم من خلالها بقدرته على التصرف في ملكوته. فالأرض، بقدر ما هي مستقر، يمكن أن تكون أيضا “محل عذاب وعقاب”، مثل ما يرد في قوله تعالى: “أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَخۡسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلۡأَرۡضَ أَوۡ يَأۡتِيَهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ” [النحل: 45]. هذا التنوع في وظيفة المكان، يُرسخ فكرة أن كل ما في الكون هو تحت تصرف الله ومرتبط بمشيئته سبحانه.

رمزية التوحيد

يرتبط مفهوم المكان في القرءان الكريم ارتباطا وثيقا بـ”فكرة التوحيد”، من خلال ربط أماكن معينة بتجليات الربوبية والنبوة، وإخراجها من الحياد الجغرافي إلى القداسة الرمزية. فـ”البيت الحرام” في مكة، كمثال، ليس مجرد بناء حجري، بل هو ما جعله الله مقصدا للتوحيد، وموضعا لتجدد العهد بين الإنسان وربه عبر الشعائر.

ولعلنا لا نُغالي إذا قلنا إن أقوى أشكال علاقة المكان بالتوحيد، في التنزيل الحكيم، تتمثل في مكة المكرمة، التي تختزن في ذاتها رمزية تاريخية وروحية. فهي المهد الأول للتوحيد على لسان إبراهيم، كما أنها تحوي الكعبة، التي جعلها الله قبلةً للناس، ومهوى أفئدتهم، ومركز وحدتهم. يقول تبارك وتعالى: “وَإِذۡ بَوَّأۡنَا لِإِبۡرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلۡبَيۡتِ أَن لَّا تُشۡرِكۡ بِي شَيۡـٔٗا وَطَهِّرۡ بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ” [الحج: 26]. كما يربط القرءان بين الأمن والعبادة في هذا المكان؛ إذ يجعل من حرمة مكة نموذجا لعالمية الدين وأمان التوحيد، كما يؤكد ذلك قوله عزَّ من قائل: “أَوَ لَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا جَعَلۡنَا حَرَمًا ءَامِنٗا وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنۡ حَوۡلِهِمۡۚ أَفَبِٱلۡبَٰطِلِ يُؤۡمِنُونَ وَبِنِعۡمَةِ ٱللَّهِ يَكۡفُرُونَ” [العنكبوت: 67].

“ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ” في مكة المكرمة، إذن ليس مجرد نقطة على خارطة الجزيرة العربية، بل رمز لعالم يسوده التوحيد، وتُقصَد إليه القلوب طلبا للتزكية والطمأنينة. هذا الارتباط الوثيق بين المكان والتوحيد يتكرر في مواضع كثيرة، منها دعوة إبراهيم إلى تطهير البيت للطائفين؛ في قوله عزَّ وجل: “وَإِذۡ جَعَلۡنَا ٱلۡبَيۡتَ مَثَابَةٗ لِّلنَّاسِ وَأَمۡنٗا وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبۡرَٰهِـۧمَ مُصَلّٗىۖ وَعَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡعَٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ” [البقرة: 125]. ومن ثم، فالدعوة إلى إفراد الله بالعبادة في موضعٍ واحدٍ في جزيرة العرب، يؤشر إلى أن المكان يُصبح علامة على التوحيد، ومركزا للاتصال الروحي.

في هذا السياق، ليست “الكعبة”، أو “ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ”، مجرد بناء، بل رمز للتوحيد ومركز لتوجه القلوب إلى الله وحده. فالحج إلى البيت الحرام يمثل رحلة روحية، حيث تتجلى دلالة المكان المقدسة. ففي هذا المكان، يتساوى الناس جميعا، لا فرق بين غني وفقير، ولا بين حاكم ومحكوم – أو هكذا ينبغي – إيذانا بوحدة الأمة تحت راية التوحيد؛ طوافهم وسعيهم حول الكعبة، وداخل حدود الحرم، يؤكد على أن العبادة لله وحده، وأن هذا المكان خصص لتجليات إيمانية عميقة، حيث تذوب كل الفروق الدنيوية أمام عظمة الخالق.. الواحد الأحد.

دلالة البركة

وكما يرد في التنزيل الحكيم، ليس “ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ” فقط هو المكان الذي يحمل رمزية التوحيد؛ ولكن هناك أيضا “ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا” في القدس الشريف، الذي يأتي بوصفه مكانا آخر ذا دلالة عقائدية ورمزية كبيرة. فكونه مسرى النبي محمد عليه الصلاة والسلام، يمنحه مكانة خاصة في الإسلام. يقول سبحانه وتعالى: “سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ” [الإسراء: 1]. وكما نُلاحظ، فإن البركة حول المسجد الأقصى لا تقتصر على الجانب المادي، بل تمتد لتشمل الجانب الروحي والتاريخي. هذا الارتباط المكاني بالنبيين السابقين يبرز وحدة الرسالة الإلهية وتكاملها، وأن المكان كان شاهدا على استمرارية دعوة التوحيد من آدم عليه السلام، إلى خاتم الأنبياء محمد عليه الصلاة والسلام.

وهكذا.. تُسهم الأماكن المقدسة، مثل المسجد الحرام والمسجد الأقصى، في تحصين العقيدة ضد الشرك، حيث تمثل مراكز للعبادة الموحدة، وتوجيه القلوب إلى الله وحده. ففي هذه الأماكن، لا يُدعى إلا الله، ولا يُسجد إلا له، ما يزيل أي لبس أو التباس حول من يستحق العبادة. إن قدسية هذه الأماكن تعزز من مفهوم “التوحيد الخالص” وتمنع أي محاولة لإشراك أحد مع الله في العبادة.

في هذا الإطار.. يمكن القول إنه من خلال تتبع مواضع المكان في القرءان الكريم، يتّضح أن القرءان لا يعرض الجغرافيا بوصفها معطًى محايدا، بل يُضفي على المكان بُعدا رمزيا وعقائديا، يخدم المعنى التوحيدي ويُعزز البنية الرسالية للنص. فالمكان في التنزيل الحكيم هو موضع فعلٍ إلهي، ومنصةٌ للوحي، وساحةٌ للصراع بين الإيمان والكفر، ورمزٌ للاختيار الأخلاقي، سواء أكان جنةً أو نارا، واديا أو طورا، بيتا أو دارا. ومن ثمّ، فإن فهم البنية المكانية في القرءان، إنما هو باب من أبواب التوحيد، ومسار نحو إدراك مركزية العلاقة بين الله، والإنسان، والعالم.

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى