رؤى

قطاع غزة.. “جبال الصوان” الجديدة

كثيرا ما تسبق بصيرة الفنان -لا سيما إن كان مبدعا حقيقيا- تطورات الواقع؛ حتى تبدو إبداعات الفنان، وكأنها تنبُّؤ بمستقبل قادم.

هكذا يبدو عمل مسرحي أبدعه الأخوين عاصي ومنصور الرحباني، وعُرض لأول مرة في أواخر الستينات تحت عنوان “جبال الصوان”.

يسهل على من يشاهد هذا العمل المميز اليوم، أن يشعر وكأنه عمل معاصر يتناول -ولو بشكل رمزي- ما حدث ويحدث على أرض قطاع غزة الصامد، منذ أكثر من عشرين شهرا.

كما جرت العادة في أعمال الأخوين الرحباني المسرحية، لا يسمي الأخوان الذين ابدعا هذا العمل بلدا بعينه، بل يلجان إلى أرض متخيلة، لطرح تساؤلات عن الحرية والعدالة والحق.

ففي أرض “جبال الصوان” المتخلية، يتصدى “مدلج” زعيم القرية للطاغية “فاتك” الذي يسعى لاحتلال القرية.

يرفض مدلج أن يسلم قريته لفاتك أو أن يغادرها ويقاتل حتى النهاية، إلى أن يقتله الطاغية على أبواب القرية، ويحكم شعبها بعد ذلك بالقهر والخوف.

ولكن أهل القرية رغم عيشهم في خوف من فاتك وجنده، يتمسكون بخيط رفيع من الأمل في أن يبرز من يستطيع التصدي لفاتك يوما ما، كما فعل مدلج.

وبالفعل، بعد سنوات طوال من حكم فاتك، تظهر غِربة (السيدة فيروز) ابنة مدلج، وتدعو أهل القرية لمقاومة فاتك وظلمه.

يدرك فاتك أن ظهور غربة، أو أي شخص من نسل مدلج أو ينهج نهجه، هو تهديد لشخصه ولحكمه، لأنها ببساطة لا تخشاه وتتحدى سلطته وجبروته علنا.

وفي مشهد يمثل لحظة الذروة في هذا العمل المسرحي، تكون المواجهة بين الطاغية فاتك والفتاة المتمردة غِربة.. يهدد فاتك غِربة بأن يحبسها، فتسخر من تهديدها مؤكدة أنه لا يستطيع حبس القرية برمتها، وحين يهددها بالقتل، تسخر منه مرة أخرى مؤكدة أن أهل القرية أحياء، ولن يستطيع قتلهم جميعا.

هنا يبدو فاتك وكأنه يستخدم منطق “الواقعيين” العرب من المشككين في جدوى المقاومة، حين يلوم غِربة على عودتها الى القرية، مشيرا إلى أن أهل القرية كانوا يمارسون حياة طبيعية قبل عودتها، كانوا “يأكلون ويشربون وينامون”.

إلا أن غربة ترفض هذا المنطق المعوج، وتؤكد أنها عادت إلى قريتها تلبية لنداء أهل القرية، إذ لا قيمة لحياة ولا طعام ولا شراب، في ظل عيش ذليل قائم على الخوف.

وكما هو الحال مع الساسة الأمريكيين اليوم، الذين يعرضون على قادة المقاومة مغادرة أرضهم والخروج إلى المنافي تحت وعد الأمان لهم، يعرض فاتك على غِربة أن تترك القرية وترحل، مهددا بأن وجودها سيتسبب في مقتلة لأهل القرية.

لكن غِربة مرة أخرى ترد على منطق الطاغية، وتبين أن المشكلة لا تكمن في عودتها، وإنما في وجوده على أرض اغتصبها دون وجه حق؛ ولذا فإن الحل الجذري يكمن في رحيله هو عن هذه الأرض.

وتذكِّر غِربة فاتك أنها مؤتمنة على هذه الأرض، من قبل أبيها الذي قتل على يديه، وأن أباها دافع عن هذه الأرض وقتل وهو يزود عنها؛ لأن الأرض لا تتسع لصاحبها ومغتصبها في آن واحد.

هنا لا يجد فاتك أمامه سوى أن يهدد غِربة صراحة؛ بأنه سيقتلها وسيمحو بقتلها كل أثر متبقٍ لأبيها الذي واجهه ذات يوم.. لكن غِربة لا تبدو عابئة بتهديده، حتَّى أن قتلها وقتل غيرها؛ سيبقى على حد تعبيرها: “خلف كل شجرة وتحت كل حجر وفي كل بيت سيبقى أثر لمدلج”.

وبالفعل يقتل فاتك غِربة كما قتل أباها من قبل؛ لكنه يدرك أن ما فعله – على حد تعبيره- مجرد ضرب من العبث، ويصارح ذاته قائلا: هل سأستمر في القتل لمجرد القتل؟ ألن تنتهي هذه القصة؟

ثم يدرك أن نبوة غربة صارت واقعا وأنه لم يغير شيئا بقتلها، فأولاد مدلج يولدون في كل يوم٫ وهنا يتوجه إلى قائد جنده، ويأمره أن يجمع العساكر، وينسحب من جبال الصوان، قبل أن يجرفهم طوفان أولاد مدلج.

لو أنك استبدلت اسم فاتك بالاحتلال، وغِربة بالمقاومة، وجبال الصوان بقطاع غزة، لما غيرت من جوهر المسرحية شيئا.

فالاحتلال شأنه شأن فاتك، يتصور واهما أن المقاومة لوجوده الجاثم على الأرض، يمكن أن تنتهي إذا اغتال قياداتها، لكن يفاجأ أن كل قيادة يغتالها ينشأ محلها قيادة أخرى أكثر راديكالية.

وغِربة شأنها شأن قيادات المقاومة، تتسلم الراية ممن استشهد لتوصلها لمن يحملها بعدها، وهي تدرك تماما أنه سيواصل حملها، حتى وإن قتلت حتى يجلو الاحتلال عن صدر الوطن.

وقطاع غزة، شأنه شأن جبال الصوان، كلما زاد العدو إمعانا في سفك دم أهلها، كلما ازدادت استعصاءً حتى يصل إلى لحظة فارقة، يدرك فيها كما أدرك فاتك تماما، أن كل ما يفعله تجاه أهل الأرض التي احتلها، كوجوده عليها تماما، هو مجرد عبث.

زر الذهاب إلى الأعلى