يعدّ القرءان الكريم نصّا إلهيّا زاخرا بالدلالات الرمزية والفلسفية والعقائدية، تتكشّفُ أبعاده كلما تعمّق المتأمل في بنائه اللفظي والمفاهيمي. ومن أبرز ما يميز النصّ القرءاني هو ذاك التلازم العجيب والدقيق بين مفهومي المكان والزمان، بحيث لا ينفصل أحدهما عن الآخر في السياقات الكبرى، التي تتحدث عن الوجود الإنساني، والحدث التاريخي، والوعد الإلهي، والحساب الأخروي. هذا التلازم يكشف عن نظرة قرءانية فريدة تربط بين الفضاء والمصير، وبين حركة الإنسان في الأرض وسياق الزمان الذي يحيا فيه.
تلازم وجودي
فالزمان في القرءان ليس مجرد تعاقب آلي للساعات أو دوران للأفلاك، بل هو وِعاء للأحداث الكونية والإنسانية. وقد وظّف التنزيل الحكيم مفاهيم “الدهر”، و”الزمن”، و”السنة”، و”العام”، و”الليل”، و”النهار”، و”الساعة”، في سياقات تحمل أبعادا وجوديةً وتكليفية.
أما المكان، فهو ليس حيّزا جغرافيا فقط، بل مجال لتجلّي الإرادة الإلهية وتجسيد الفعل الإنساني. فالمكان في القرءان ليس محايدا، بل مُحمَّل بالدلالة: منه المقدّس، ومنه المُهان، ومنه ما تُرفع فيه الأعمال، ومنه ما يُضرب عليه التيه عقوبة. ومن هنا، تنشأ العلاقة الوثيقة بين المكان والزمان في القرءان الكريم، بوصفهما بعدين متداخلين في تشكيل المعنى الديني والفلسفي للوجود.
تتجلى هذه العلاقة في عدد كبير من المواضع، منها على سبيل المثال لا الحصر، قصة خلق الإنسان وسجود الملائكة لآدم. يقول سبحانه وتعالى: ﴿إِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي خَٰلِقُۢ بَشَرٗا مِّن طِينٖ﴾ [ص: 71].. “إِذۡ” الزمنية، هذه، تترافق دوما مع مكان مخصوص هو السماء أو “الملأ الأعلى”، قبل أن يُنزَل آدم إلى الأرض، فتكون بداية التاريخ الإنساني في الزمان والمكان معا.
ومثل ذلك أيضا حين يُذكر حادث الهجرة النبوية، حيث يتداخل المكان (الغار، المدينة، مكة)، مع الزمان (ليلة الهجرة، بداية التاريخ الإسلامي، عام الفيل)، فيبنى الحدث على تقاطع المكان والزمان، ليكتسب بُعدا قدسيّا وتاريخيّا. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ…﴾ [التوبة: 40]. فـ”إِذۡ”، هنا، “إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ”، ظرف زمانيّ، لكنه لا يُفهم إلا في علاقته بـ”الغار”، وهو موضع محدّد جعلت منه الحادثة المركزية إيمانيا وسياسيا وتاريخيا.
واللافت، أن التلازم بين مفهومي المكان والزمان، لا يرد في التنزيل الحكيم قياسا إلى الحياة الدنيا، فقط؛ ولكن، أيضًا، يرد “يَوۡمُ ٱلۡخُرُوجِ”. يقول سبحانه: ﴿وَٱسۡتَمِعۡ يَوۡمَ يُنَادِ ٱلۡمُنَادِ مِن مَّكَانٖ قَرِيبٖ ٭ يَوۡمَ يَسۡمَعُونَ ٱلصَّيۡحَةَ بِٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلۡخُرُوجِ﴾ [ق: 41-42]. فـ”النداء” يحصل في يوم معلوم، من مكان محدد؛ ويحدث السمع والاستجابة في لحظة محكمة. والبعث لا يكون إلا عندما تكتمل شروط الزمان والمكان: الصيحة، النفخ في الصور، الأرض التي تُبدّل.
دلالات عقائدية
هذا التلازم بين الزمان والمكان يؤشر إلى عدد من الدلالات في السياق العقائدي؛ فالعقيدة القرءانية تؤسَّس على إدراك تام لتداخل الزمن والمكان في تقرير الحقائق الكبرى. اليوم الآخر مثلا، هو زمنٌ في مكان. الجنة والنار ليستا وجودين مفارقين عن الزمان، بل هما مرتبطان بيوم معلوم، وساعة تأتي، ومشهد يُعاش في موضع مخصوص. يقول الله تعالى: ﴿يَوۡمَ تُبَدَّلُ ٱلۡأَرۡضُ غَيۡرَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُۖ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: 48]. هنا، يتغير المكان (الأرض والسموات)، في لحظة زمنية مخصوصة (يوم القيامة)، بما يدل على أن الجزاء والعقاب، والثواب والمصير، لا يتحقق إلا في نسق زمني مكاني متداخل.
ولعلّ أعظم تعبير عن هذا التلازم في العقيدة القرءانية، هو واقعة “الإسراء”، كما يرد في قوله عزَّ وجل: ﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ [الإسراء: 1]. فـ”لَيۡلٗا” هو الزمن، و”ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ” و”ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا” هما المكانان. والحدث معجز في اختراق الزمان والمكان، ليشير إلى انتقال النبوة، وترسيخ العقيدة، وربط المقدسات، ووضع الإنسان في قلب الحدث الكوني الذي يتجاوز الزمان الأرضي والمكان الجغرافي.
ومما له دلالة، أن القرءان الكريم يُقدم المكان والزمان، بوصفهما علاماتٍ على قدرة الله اللامتناهية. فخلق السموات والأرض، وتتابع الليل والنهار، ليست مجرد ظواهر طبيعية، ولكن هي آيات تدعو إلى التفكر. يقول عزَّ من قائل: ﴿إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [آل عمران: 190]. هذه الآية تربط بين خلق المكان “خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ”، وتغير الزمان “ٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ”، وتجعل منهما دليلا عقليا على وجود الخالق وقدرته.
كما أنَّ حركة الأجرام السماوية، التي تحكمها قوانين دقيقة، تُعدُّ مظهرا من مظاهر هذا التلازم. يقول تبارك وتعالى: ﴿لَا ٱلشَّمۡسُ يَنۢبَغِي لَهَآ أَن تُدۡرِكَ ٱلۡقَمَرَ وَلَا ٱلَّيۡلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِۚ وَكُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ﴾ [يس: 40]. هذه الآية تُبيّن أنَّ لكل جرم سماوي مكانا يسير فيه “كُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ”، وله زمان محدد لحركته، مما يُظهر نظاماً كونيا محكما لا يتأثر بالعشوائية، بل هو دليل على تصميم إلهي.
دلالات فلسفية
بالطبع، لا يتحدث القرءان الكريم عن الزمن باعتباره مجرد “ساعة” ميكانيكية، بل يخلع عليه صفة التقدير والحكمة والتدبير. يقول سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ﴾ [القمر: 49]؛ ويقول تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَحۡمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلۡأَرۡحَامُ وَمَا تَزۡدَادُۚ وَكُلُّ شَيۡءٍ عِندَهُۥ بِمِقۡدَارٍ﴾ [الرعد: 8].. هذا الـ”مِقۡدَارٍ” هو تداخل دقيق بين المكان الذي يجري فيه الفعل، والزمان الذي يحدده. لا عبث في خلق الله، ولا فوضى في مجريات الأحداث.
ومن هنا، تأتي الفلسفة القرءانية لتؤسس فكرة الـ”قَدَرٖ” بوصفها حتمية زمنية مكانية، لا جبرا ميكانيكيا، بل تنظيما إلهيا. فالزمن يتوزع بين “الأجل المسمى” و”الكتاب المكنون”، والمكان يتحدد باعتباره مسرح التجلي والتكليف، وكلاهما يخضع لإرادة الله وتدبيره.
بل، إن القرءان يُظهر أن إدراك الإنسان لذاته لا يحدث إلا من خلال إدراكه لمروره في الزمان والمكان؛ إذ، سوف يُسئل الإنسان يوم القيامة، كما يرد في قوله عزَّ وجل: ﴿قَٰلَ كَمۡ لَبِثۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: 112].. وعندئذ، سيكون الرد، كما في قوله عزَّ من قائل، في الآية التالية مباشرة: ﴿قَالُواْ لَبِثۡنَا يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖ فَسۡـَٔلِ ٱلۡعَآدِّينَ﴾ [المؤمنون: 113]. هنا، “الزمان” يصبح مفتاحا لفهم الإدراك الإنساني، والمكان (الأرض) هو الموضع الذي يُقاس فيه هذا اللبث. إن الزمان في الفلسفة القرءانية ليس دائما موضوعيا، بل ذاتي أيضا، يتشكل بإدراك الإنسان وتجاربه.
في هذا الإطار.. يمكن القول إن التلازم بين المكان والزمان في القرءان الكريم ليس مجرد توافق ظاهري، بل بناء فلسفي وعقائدي محكم، يُظهر أن الحدث الإلهي لا يقع إلا حين يكتمل زمانه ومكانه، وأن الفعل الإنساني لا يكتسب قيمته إلا في ضوء هذا التلازم. في التصور القرءاني، الزمان والمكان ليسا إطارين محايدين، بل حاملان للمعنى، ومن خلالهما تُفهم العقيدة، وتُؤسس الفلسفة، وتُبنى مقاصد الشريعة.
وللحديث بقية.








