في بنية الوجود التي يعرضها القرءان الكريم، تتبدّى سنة الاختلاف بوصفها قانونا ثابتا يجري في الخلق كله، من المادة الأولى إلى الاجتماع البشري، ومن الظواهر الكونية إلى أنماط التفكير. فالاختلاف ليس حالة طارئة ولا شذوذًا عن الأصل؛ بل هو جزء من التقدير الإلهي الذي يُحكم به العالم، ويجعل منه ساحة للتفاعل والنموِّ والامتحان.
ولأنّ النص القرءاني كتاب هداية قبل أن يكون سجلّا معرفيا، فإنّ حديثه عن الاختلاف يقدَّم في سياق بيان وظيفة الإنسان في مواجهة هذا التنوع، وتوجيهه إلى تحويله من مصدر صراع إلى مصدر تعارف وإثراء.
تبدأ سنّة الاختلاف من عالم الخِلقة ذاتها؛ فالقرءان يؤكّد أنّ الاختلاف بين مكوّنات العالم أمر مقصود، يعكس حكمة الله في جعل الكون متعدّد المظاهر، كما في قوله سبحانه وتعالى: “وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفُ أَلۡسِنَتِكُمۡ وَأَلۡوَٰنِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡعَٰلِمِينَ” [الروم: 22]. هذه الآية تجمع بين اختلاف التكوين الكوني، واختلاف البشر في لغاتهم وألوانهم، في إشارة إلى أنّ التنوّع قدرٌ لا ينفكّ عن الوجود. وهذا الارتباط بين التعدد الكوني والبشريّ، يضع الإنسان في قلب سنّة واسعة تمتدّ من النجوم إلى لهجات الناس وملامحهم.
الاختلاف الإنساني
ولا يتوقف التنزيل الحكيم عند اختلاف الظاهر، ولكن يتناوله في عمق الاجتماع الإنساني. فالبشر، منذ بداياتهم، لم يكونوا نسخة واحدة؛ وقد عبّر القرءان عن ذلك بوضوح، في قوله سبحانه: “وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخۡتَلِفِينَ” [هود: 118]. ولنا أن نُلاحظ أن هذه الآية تُعدّ من أرسخ النصوص التي تضع الاختلاف في إطار السننية؛ إذ تقرّر أن اختلاف الناس أمر مستمرّ لا ينقطع، ولو شاء الله لرفعه، لكنه لم يفعل، ما يعني أنّ الاختلاف في الرؤى والمواقف جزء من طبيعة التكليف. وفي هذا السياق، ترتفع المسئولية الأخلاقية؛ فالله جعل الاختلاف قائما، لكنه وجّه الإنسان إلى إدارة نتائجه لا إلغاء وجوده.
وفي آية أخرى يجمع القرءان بين الاختلاف والابتلاء، كما في قوله تعالى: “كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَنَبۡلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلۡخَيۡرِ فِتۡنَةٗۖ وَإِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ” [الأنبياء: 35]. إذ، وما الابتلاء بالشر والخير إلا انعكاس للاختلاف في الأحوال والظروف التي يعيشها الناس. ومن هذا الباب، يمكن فهم “الاختلاف الإنساني”، الاجتماعي والاقتصادي والبيئي، ضمن الامتحان الإلهي، حيث تتمايز المواقف وتُختبر النفوس. ولا يقف التنزيل الحكيم عند حدود الاختلاف الطبعي، وإنما يذهب إلى أنّ التفاوت نفسه جزء من الحكمة، كما في قوله عزَّ وجل: “أَهُمۡ يَقۡسِمُونَ رَحۡمَتَ رَبِّكَۚ نَحۡنُ قَسَمۡنَا بَيۡنَهُم مَّعِيشَتَهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَرَفَعۡنَا بَعۡضَهُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَتَّخِذَ بَعۡضُهُم بَعۡضٗا سُخۡرِيّٗاۗ وَرَحۡمَتُ رَبِّكَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ” [الزخرف: 32]. وبالطبع، هذا الاختلاف في الدرجات لا يسوّغ الظلم، لكنه يكشف عن تنوّع الأدوار والقدرات والمسئوليات.
ومن المسائل الدقيقة التي يعالجها القرءان الكريم أن الاختلاف في البشر لا يقتصر على المظهر والفكر؛ ولكن يشمل أيضا اختلاف الأزمنة والأمكنة والأقدار. فالليل والنهار، والفصول المتعاقبة، والأيام المتباينة بين رخاء وشدّة، كلها من سنن الله التي تجعل الحياة في حركة مستمرة؛ وهنا، نتأمل قوله عزَّ من قائل: “وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ خِلۡفَةٗ لِّمَنۡ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوۡ أَرَادَ شُكُورٗا” [الفرقان: 62]. هنا، يتجلّى معنى الـ”خِلۡفَةٗ” باعتبارها تعاقبا واختلافا وظيفيا، بحيث لا يستقيم نظام الكون إلا بهذه الدورية التي تتيح للإنسان العمل والراحة، وتمنح الحياة إيقاعها المتوازن؛ وذلك من حيث إنّ اختلاف الليل والنهار ليس فقط ظاهرة فلكية، وإنما رمز للتغيُّر والتحول الذي يشكّل جزءا من اختبار الوجود.
الاختلاف الديني
ثم يأتي القرآن ليعالج الاختلاف في مستوى آخر، وهو اختلاف الناس في الدين والهداية. هذا الجانب هو الأكثر حساسية، لأنه يتصل بمصير الإنسان. لكن القرءان الكريم يتعامل معه بوضوح وعمق؛ فالهداية بيد الله، والاختلاف في الإيمان والكفر جزء من سنّة الامتحان، كما في قوله سبحانه: “وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَأٓمَنَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ كُلُّهُمۡ جَمِيعًاۚ أَفَأَنتَ تُكۡرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ” [يونس: 99]. فالله لم يجعل الناس على شاكلة واحدة، ولكن جعل الاختلاف قائما، حتى يكون الإنسان مسئولا عن اختياره.
ولذلك يعقّب القرءان بأن الإكراه في الدين لا ينسجم مع هذه السنّة، إذ يرد في آية أخرى قوله تعالى: “لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ…” [البقرة: 256]. فلو كان الأصل أن يتوحَّد الناس في العقيدة، لما كان لمعنى الدعوة والحوار أثر، ولكنّ الله أراد أن ينشأ الإيمان من الاقتناع لا من القسر.
وعند الحديث عن الاختلاف، يُبرز التنزيل الحكيم الفرق بين الاختلاف المشروع والاختلاف المذموم. فالأول ناشئ عن التنوّع في الفهم والاجتهاد، أو عن الاختلاف الفطري؛ أما الثاني فهو نتاج البغي والهوى. هذه التفرقة الدقيقة، تتبدى بوضوح في قوله تبارك وتعالى: “وَمَا ٱخۡتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۗ…” [آل عمران: 19]. إذ، الاختلاف هنا ليس سنة إيجابية، وإنما انحراف عن جادة الحقّ، لأنّه نشأ بعد العلم لا قبله، وتحركه إرادة التفوق والصراع لا إرادة الهداية. وهذا يُظهر كيف يحوِّل البغي الاختلاف الطبيعي إلى انقسام مرضيّ.
وفي المقابل، يعرض التنزيل الحكيم صورة الاختلاف الذي يقوم على الاجتهاد، وهو اختلاف لا يجلب الضلال، ولكن يفتح أبواب التعدد المعرفي. ويظهر ذلك بوضوح في قوله سبحانه: “وَلِكُلّٖ وِجۡهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَاۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ أَيۡنَ مَا تَكُونُواْ يَأۡتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِير” [البقرة: 148]؛ حيث يوجّه القرءان الكريم الناس إلى أن يجعلوا اختلاف طرقهم بوابة للتنافس في الخير، لا للتنازع المدمر. وهذا معنى دقيق؛ إذ إنّ تعدد الأفكار والمقاربات يمكن أن يتحوّل إلى إثراء إذا ارتبط بالقيم الأخلاقية.
الاختلاف والتعارف
ومن اللافت أنّ القرءان لم يكتفِ بالتأسيس النظري لسنة الاختلاف، ولكنه ربطها بمبدأ التعارف، كما في قوله تعالى: “يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير” [الحجرات: 13]. ولنا أن نتأمل كيف تحوّل هذه الآية اختلاف الشعوب والقبائل إلى فرصة للتقارب، وتفتح بابا لرؤية إنسانية واسعة لا تتوقف عند الخصوصيات الضيقة. فالاختلاف ليس غاية، ولكن وسيلة للتعارف، ما يعني أن القرءان يؤسس للتواصل لا للعزلة، وللمعرفة المشتركة لا للتعصب.
وفي سياق آخر، يعرض التنزيل الحكيم الاختلاف بوصفه بابا للنظر والتفكّر. فالآيات التي تدعو إلى تأمل اختلاف الليل والنهار، وتعاقب الرياح، وتنوع الحيوان والنبات كثيرة منها قوله عزَّ وجل: “إِنَّ فِي ٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَّقُونَ” [يونس: 6]. هذه الآيات الكونية تؤكّد أن التفكّر في الاختلاف سبيل إلى الإيمان، وأنّ القلب الذي يتدبر الاختلاف في الظواهر يعود إلى الله ببصيرة أعمق؛ فالاختلاف هنا ليس فقط ضرورة وجودية، بل أيضا مفتاحا معرفيا.
في هذا الإطار.. يمكن القول إن القرءان الكريم يؤسس لفلسفة عميقة تجاه الاختلاف، تبدأ من الاعتراف به بوصفه سنةً كونيةً إلهيةً، مرورا بفهم حكمته وأهدافه، وصولا إلى وضع ضوابط للتعامل معه. هذا التصور يحول الاختلاف من مصدر للصراع إلى مصدر للثراء والتكامل، ومن دليل على العبث إلى آية على الحكمة الإلهية.
وللحديث بقية.








