رؤى

أنس الشريف.. وسلاح الكلمة

في قصيدته الشهيرة “على هذه الأرض” يشير الشاعر العربي الراحل محمود درويش، إلى خشية المحتل من استخدام مَنْ يحتل أرضهم لسلاح الكلمة، سواء في صورة أغنيات أو في صورة ذكريات تتناقلها الأجيال جيلا بعد آخر.

والحق.. أن العدو الذي احتل بلاد درويش منذ عام ١٩٤٨، وأنشأ عليها كيانه الاستيطاني الاستعماري العنصري- أدرك منذ تلك النشأة أن الكلمة سلاح فعّال للغاية.

فالكلمة تحفظ الذاكرة الوطنية التي يسعى هذا المحتل لمحوها، وتدعو لمقاومته وتُرسِّخ في ذهن الأجيال الصاعدة، مفاهيم مثل العودة التي ينكرها العدو.

لذلك؛ امتدت يد العدو لتغتال غيلة وغدرا عشرات الكُتّاب والمبدعين والمثقفين، ممن أدركوا قيمة الكلمة، سواء كان كاتبا مبدعا مثل غسان كنفاني، أو فنانا وطنيا مخلصا للقضية مثل ناجي العلي، أو قائدا مفكرا مؤسسا لفصيل مقاوم، مثل الدكتور فتحي الشقاقي.

وفي ليلة العاشر من أغسطس من عام ٢٠٢٥، امتدت يد الغدر الصهيونية مرة اخرى لتغتال فارسا فلسطينيا من فرسان الكلمة هو الشهيد الإعلامي أنس الشريف.

أدرك الشهيد الشريف -اسما وفعلا- مدى خشية العدو من الكلمة، من تسليط الضوء على ما لا يريد للعالم رؤيته أو معرفته، من كشف جرائمه بحق من يعيشون في ظل احتلاله العسكري الممتد منذ أكثر من سبعين عاما.

لذلك كرّس الشهيد ذاته وجهده – كما ذكر في وصيته- للتصدي للاحتلال بالكلمة والصورة، منذ نشأته في تسعينات القرن العشرين في أزقة مخيم جباليا في قطاع غزة، ذلك المخيم الذي دفع إليه العدو دفعا من هجّرهم من بيوتهم في عسقلان، حين احتلها عام ١٩٤٨.

وبدأ الشريف مشواره الصحفي منذ تخرجه في جامعة الأقصى في قطاع غزة عام ٢٠١٤، وتخصصه في مجال الإذاعة والتلفاز.

كان الشريف يدرك تماما الضريبة التي عليه أن يدفعها نتيجة حمله سلاح الكاميرا، ضد عدو يخشى الصورة، ولم يبال بذلك؛ بل استمر في مهمته الإعلامية؛ حتى بعد أن استهدفته قناصة العدو، خلال ما عرف بمسيرات العودة في قطاع غزة عام ٢٠١٨، ما أدَّى إلى إصابته.

لكن الإصابة لم تثن الشريف عن الطريق الذي اختاره، واستمر على نفس الدرب، من خلال عمله أولا ضمن طاقم شبكة الشمال الإعلامية، ثم قناة الجزيرة الإخبارية.

ومع اندلاع معركة “طوفان الأقصى” في أكتوبر ٢٠٢٣، أصبح الشريف صوت أهالي القطاع الذين شنت حكومة الاحتلال ضدهم حرب إبادة جماعية، لا تزال مستمرة حتى لحظة كتابة هذه السطور.

كرّس الشريف مذياعه والكاميرا، وما توافر له من إمكانيات بسيطة؛ لينقل معاناة أهالي قطاع في ظل حصار جائر وحرب تجويع وقصف مستمر.

تعرّض الشريف بسبب كشفه ما لا يريد الاحتلال كشفه، لحملة تحريض ممنهجة في الإعلام العبري؛ حيث وجّه له جيش الاحتلال في أغسطس ٢٠٢٤، اتهاما مباشرا بالانتماء إلى أحد فصائل المقاومة، وهو زَعْمٌ كرّره جيش العدو في يوليو ٢٠٢٥.

ورغم إدراك الشريف التام أن هذا الاتهام هو تمهيد أو محاولة لشرعنة اغتياله، إلا أن هذا لم يفت في عضده، وكتب ردا على هذه الاتهامات حينها “رسالتي واضحة لن أصمت. لن أتوقف. صوتي سيبقى شاهدا على كل جريمة، حتى تتوقف هذه الحرب في أقرب وقت”.

وبالفعل، بقي الشريف شاهدا على كافة جرائم الاحتلال في القطاع، يوثّقها بالصوت والصورة على مدار ما يقرب من عامين كاملين.

ورفض -بشكل تام- الخروج من القطاع؛ مؤكدا لأحد رفاقه من الإعلاميين الفلسطينيين، أنه لن يخرج من غزة إلا إلى الجنة على حد تعبيره.

إن اغتيال الشريف رفقة خمسة من زملائه الإعلاميين، يثبت حقيقة واضحة لا لبس فيها، أدركها الشريف تماما، كما أدركها العدو، وهو أن هذا الاحتلال رغم إحاطته لذاته بكافة مظاهر القوة العسكرية، ورغم الدعم الأمريكي المطلق له، إلا أنه في جوهره كيان هش، يخشى من الصورة التي عمد الشريف إلى كشفها، والتي سببت له حرجا بالغا حول العالم، وأسقطت صورة “الضحية” التي سعى لتكريسها عن ذاته على مدار ٧٧ عاما كاملة.

ويكشف أيضا عن خطأ تصوُّر العدو أنه باغتياله للشريف ورفاقه، يمكن أن يسكت صوت الحق الصادر من غزة، فمن يعرفون قيمة الكلمة المكتوبة -مثل الشريف- يسكنون ذاكرة شعوبهم؛ لأنهم كانوا تعبيرا صادقا عنها وتمثيلا لإرادتها الجماعية.

ذاك الشعب الذي أوصاه الشريف قبل استشهاده: “ألّا تُسكتكم القيود، ولا تُقعِدكم الحدود، وكونوا جسورا نحو تحرير البلاد والعباد، حتى تشرق شمسُ الكرامة والحرية على بلادنا السليبة”.

زر الذهاب إلى الأعلى