منذ انطلاقة عملياتها العسكرية في قطاع غزة في أكتوبر من عام ٢٠٢٣، حرصت حكومة العدو الصهيوني على تحقيق هدف محدد، وهو إعادة الشعور بالأمان للمستوطن الصهيوني، الذي فوجئ بصاحب الأرض يباغته داخل مستوطناته، صبيحة السابع من أكتوبر ٢٠٢٣.
كان المنطق الحكومي بسيطا: سندمر غزة.. ذلك القسم من الأرض الذي انطلقت منه هجمات السابع من أكتوبر، عن بكرة أبيها. وبذلك نطمئن المستوطن الذي يخشى لا على مستقبله فحسب؛ بل على مستقبل دولته برمتها.
لكن المعركة المستمرة على أرض قطاع غزة منذ ما يقرب من عامين، لم تنجح في إشعار المستوطنين بالأمن، إذ لم تحقق أي من أهدافها المعلنة، فلا المقاومة في غزة اجتثت، ولا الأسرى الذين تحتفظ بهم المقاومة عادوا إلى ذويهم، ولا تمكن جيش الاحتلال من تأسيس حكم مغاير في غزة خاضع له.
لذا؛ سعت حكومة العدو إلى تحقيق إنجاز ما في جبهات أخرى، فلجأت إلى الأسلوب الصهيوني المفضل وهو الاغتيالات التي طالت عددا من قادة المقاومة الفلسطينية واللبنانية على حد سواء، ثم امتدت إلى إيران أيضا؛ لتغتال عددا من القادة العسكريين هناك.
لكن هذه الاغتيالات -فيما يبدو- لم تشعر جمهور المستوطنين بالأمان، ربما لإدراكهم حقيقة تاريخية مفادها أن كل اغتيال يعقبه رد من قبل المقاومة، وأن كل قيادي يغتال، يحل محله قيادي آخر يواصل دربه.
فرغم تباهي قادة العدو بما اعتبروه إنجازا حققوه في لبنان، وزعمهم أنهم تمكنوا من “تحييد” المقاومة اللبنانية- لا يزال مستوطنو الشمال القريبون من الحدود من لبنان يخشون العودة إلى مستوطناتهم.
ورسمت صحيفة “يديعوت أحرونوت” في عددها الصادر في ٤ أغسطس الجاري، صورة لإحدى مستوطنات الشمال: “المطلة في صيف 2025، تبدو مدينة أشباح. شوارع مغلقة، أعمال مغلقة، منازل متضررة أو ببساطة فارغة. كل شيء مجمّد. لا أحد يعرف فعلا متى وكيف ستعود الحياة. المكان الذي كان رمزا للسياحة الحدودية، للمنظر الأخضر وللتفاؤل الشمالي -واقف مهجورا، مضروبا، وينتظر معجزة”.
وأضافت الصحيفة: “المنازل، المطاعم، الفنادق. معظمها مغلق، بعضها مهجور. “كنت تأتي إلى هنا في عطلة نهاية الأسبوع، كان كل شيء مزدحما. والآن؟ لا شيء، كل شيء متوقف”.
ولا يقتصر هذا الشعور بالخوف من الرجوع إلى المستوطنات على مستوطني الشمال فقط؛ بل يمتد إلى مستوطني الجنوب أو ما يعرف بـ”غلاف غزة”.
ففي يناير من عام ٢٠٢٥، نشرت صحيفة يديعوت أحرونوت تحقيقا ذكرت فيه أن عشرات الآلاف من مستوطني منطقة غلاف غزة، كانوا يحلمون بالعودة إلى منازلهم، لكن الواقع كشف للكثير منهم أنهم يواجهون مجددا نفس الشعور بانعدام الأمن الذي أصبح جزءا من حياتهم اليومية.

وأشارت الصحيفة إلى دوي صافرات الإنذار الذي بات ظاهرة يومية في تلك المستوطنات، وعلى الرغم من أن بعضها يتبين لاحقا أنها انطلقت نتيجة تشخيص خاطئ، إلا أن المستوطنين يهرعون إلى الملاجئ.
وأشارت الصحيفة إلى أن هذا يحدث؛ رغم وجود قوات من جيش الاحتلال على مقربة من تلك المستوطنات في قطاع غزة منذ ما يزيد عن ١٨ شهرا.
بل إن قادة حكومة العدو ذاتها -أي من يفترض بهم أن يوفروا الأمن للمستوطنين- لا يبدو أنهم آمنون على ذواتهم أو حياتهم.
حيث كشف الكاتب آفي أشكنازي في مقال له في صحيفة معاريف العبرية، أن استشهاد عدد من “القادة العسكريين والحرس الثوري الإيراني في طهران خلال الحرب، قد أثار رغبةً عارمة في الانتقام لدى إيران”.
وأوضح أن “جهاز الأمن العام (الشاباك) قد رصد محاولات إيرانية لاستهداف شخصيات بارزة في الجيش الإسرائيلي والمؤسسة الأمنية، وفي أوساط سياسية إسرائيلية”.
وأضاف أن من بين المستهدفين من قبل الإيرانيين: “رئيس الأركان إيال زامير، ونائبه اللواء تامير يادعي، وقائد سلاح الجو اللواء تومر بار، ورئيس الاستخبارات العسكرية اللواء شلومي بيندر، والرئيس المُعيّن لجهاز الأمن العام (الشاباك) اللواء ديفيد زيني، وقائمة طويلة من كبار المسئولين الآخرين”.

وأشار إلى أن “جميع الضباط يحظون الآن بحماية أمنية مشددة، وقد مُنح بعضهم مستوىً أمنيا عاليا، مماثلا لما يُمنح للرموز السبعة للحكومة. ومن بين أمور أخرى، يتنقل بعض الضباط في مركبات مدرعة مماثلة لتلك الموجودة في موكب رئيس الوزراء”.
كما أكد أن “الفهم الحالي هو أن أمن الأفراد سيستمر لسنوات، وسيتم الاحتفاظ ببعضهم حتى نهاية حياتهم، مع الفهم بأن الإيرانيين لديهم صبر وسيحاولون الانتقام لسنوات عديدة قادمة”.
إن افتقاد الشعور بالأمان لدى القيادة والمستوطنين الصهاينة على حد سواء يثبت أن كافة الاغتيالات التي يتباهى بها العدو وأجهزته الأمنية والاستخباراتية لم تحقق الهدف منها. إذ لم تنجح في طمأنة مستوطن خائف مرتعد من تكرار ما تعرض له في السابع من أكتوبر؛ ذلك السيناريو الذي لازال -رغم ما ارتكبه جيش الاحتلال على مدار نحو عامين- قائما ومحتملا.








