رؤى

سؤال الجدوى…وضريبة الدم الفلسطيني

منذ انطلاقة معركة “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر من عام ٢٠٢٣، تراوحت ردود الأفعال العربية تجاه تلك المعركة التي تجاوزت شهرها العشرين ما بين ثلاثة ردود أفعال أساسية:

الأول: هو ذاك المؤمن بالمقاومة وجدواها في نفس الآن، وأصحاب هذا الموقف كانوا ولا زالوا ثابتين على موقفهم الداعم لمن يخوضون هذه المعركة المصيرية، رغم كل ما فعله العدو بقطاع غزة.

ثانيا: المؤمن بالمقاومة من حيث شرعيتها، بوصفها رد فعل للاحتلال؛ لكنه لا يؤمن بجدواها ويتساءل عن جدوى الاستمرار فيها مستشهدا بطبيعة الحال بالتباين في موازين القوى المادية ما بين الاحتلال والمقاومة.

ثالثا: تيار لا يؤمن لا بالمقاومة ولا بجدواها ولا يرى في المعركة منذ بدايتها سوى “مقامرة” على حد تعبيره، وهو تيار بات هو السائد في أغلب قنوات الإعلام “العربي” من فضائيات ومواقع إلكترونية وصحف وإذاعات…إلخ.

وإلى هذه الفئة الثالثة، ينتمي مقال أرسله إلى كاتب هذه السطور أحد أفراد أسرتي عبر أحد مواقع التواصل الاجتماعي.

كاتب المقال يُعرّف ذاته بوصفه قاصا فلسطينيا، ويطالب بوقف حرب الإبادة التي يشنها المحتل ضد قطاع غزة منذ ما يقرب من عامين.

غزة

إلى هنا والدعوة طبيعية ومشروعة، ولكن اللافت هو أن الكاتب يطلب وقف الحرب بأي ثمنٍ كان؛ بل يجاهر بأنه غير معنيٍ بمن ينتصر في هذه المعركة، ومن يخسرها وان كل ما يعنيه هو توقّفها!

وهو ما يطرح سؤالا منطقيا: هل يقبل “القاص” المشار إليه بوقف الحرب مع إعادة احتلال القطاع، وتنصيب أحد عملاء الاحتلال (زعيم عصابة أبو شباب مثلا) حاكما له، نيابة عن المحتل وبعودة الاستيطان الصهيوني على أرض القطاع، كما يُمنّي وزراء تيار “الصهيونية الدينية” أنفسهم؟

وإذا كانت الإجابة بنعم، فما جدوى وقف الحرب إذا كانت ما يليها أسوأ منها؟

ثم يمضي الكاتب لكي يتساءل عن جدوى موت هذا العدد الهائل وغير المسبوق من الشهداء في غزة ولِمَ مات هؤلاء ولأي غاية؟

وبعيدا عن سؤال “لِمَ” والذي يبدو لي قدريا بحتا فيما يتعلق بالموت، فإن السؤال يبدو أكثر منطقية إذا أعيدت صياغته ليصبح: ما مقابل كل هذا الدم؟

والجواب عندي كالتالي:

أولا: ثمن هذا الدم هو استنزاف جيش الاحتلال في حرب هي الأطول منذ تأسيس كيانه الغاصب عام ١٩٤٨، وإجهاده في حرب عصابات لم يألفها من قبل؛ حتى إذا ما قورنت بتجربته في جنوب لبنان، ووصول جنوده إلى مرحلة يفضل فيها بعضهم الانتحار على الذهاب للقتال – والموت- في غزة.

ثانيا: ثمن هذا الدم هو افتقاد المستوطن الصهيوني، وهو محور المشروع الصهيوني برمته، للأمان الذي يتيح له البقاء في هذه الأرض التي اغتصبها أسلافه، وتزايد معدلات هجرته إلى الخارج أو عودته إلى أرض أسلافه ما وراء البحار.

طوفان الأقصى غزة

ثالثا: ثمن هذا الدم هو تحوُّل دولة الاحتلال إلى كيان منبوذ يعاني من عزلة شبه تامة على المستوى الدولي، وهو شعور مستوطنيه عند سفرهم للخارج أنهم ملاحقون، هو استقبالهم بالرفض في اليونان وبالطرد في إسبانيا وبالبصق في وجوههم في إيرلندا.

رابعا: ثمن هذا الدم هو تزايد الانقسام الصهيوني في داخل الأرض المحتلة، إلى حد غير مسبوق منذ حرب عام ١٩٤٨، حيث لم تعد الحرب توحِّد الصهاينة أو تجعلهم على قلب رجل واحد -كما جرت العادة في معارك الصهاينة السابقة ضد الدول العربية المجاورة- بل أصبحت حرب غزة أداة تقسمهم ما بين أغلبية تريد وقفها – بأي ثمن على طريقة هذا القاص الفلسطيني (كما يدّعي)- وبين أقلية تريد استمرارها مضحية بالجنود والأسرى في غزة على حد سواء.

خامسا: ثمن هذا الدم هو ما يمكن تسميته بـ”عولمة” القضية الفلسطينية، وتحوّلها إلى قضية أساسية للحركة الطلابية والاجتماعية في دول اعتادت حكوماتها على دعم دولة الاحتلال منذ نشأتها.

وفي حين وصل التعاطف مع الجانب الفلسطيني إلى مستويات غير مسبوقة في أوساط شعب داعمها الأكبر: الولايات المتحدة، كشفت استطلاعات للرأي عن تدهور التعاطف مع الجانب الصهيوني في دول غرب أوروبا التي تمدها بالمال والسلاح (خمس المستطلع آرائهم فقط يدعم الاحتلال).

وعودة إلى سؤال “القاص” المذكور في بداية المقال، وهو “لِمَ كل هذا” فإن الإجابة تبدو واضحة بعد كل ما سبق ذكره: لكي ينشأ جيل جديد حر، لا يعرف الإذلال على يد المحتل.

جيل يدرك تمام الإدراك لماذا ضحّى من قبله، ويعرف معنى المقاومة، وما هي الجدوى منها.

زر الذهاب إلى الأعلى