رؤى

ستزيد من الدم دماء.. سترى.. ونرى!

فشل نابليون في احتلال عكا سنة 1799، بعد حصارها اكثر من شهرين، وأمر بتوزيع منشور شهير على جنوده، ذكّرهم فيه بأعمالهم البطولية، وأعلن لهم أن “الغاية التي كان يبتغيها قد تمت”.. وبدأ الرجوع، وسواء صدّقه جنوده في أنه، تم تحقيق الغاية التي كان يبتغيها، أم لم يصدقوه، إلا أنه هو نفسه لم يكن يصدق نفسه.

لقد هُزم الرجل هزيمة مروّعة، وحمل معه أحلامه بتملُّك الشرق وبقايا إمبراطورتيه المنهارة “وبدأ الرجوع”.

كما قال المؤرخ الفرنسي “أدوار لو كروا” في كتابه الهام الموثق “الجزار قاهر نابليون”.

جنوده وجنرالاته، كانوا يكرهونه في صمت، إذ كان يعتمد في خطاباته معهم على إفحامهم لا إقناعهم.. مثل كل “الزعماء المٌعلّبين” أصحاب اللسانة والجرأة والفصاحة التعبوية.

قال لجنوده وهو في القاهرة “أربعون قرنا من التاريخ تنظر إليكم”، وحين نظرت إليهم “المقاومة” في القاهرة والمدن، جعلتهم كالفئران المذعورة، وسرعان ما لملموا أنفسهم، وهربوا بعد هروب “كبيرهم” من عكا إلى باريس مباشرة ليبحث عن أمجاده بين الدسائس.

نابليون على كل ما كان فيه من “خيبة” يشهد له بها التاريخ عن حق، إلا إنه كان أكثر ذكاء من نتنياهو!

فلم يقل في أي وقت ما الغاية، التي كان يبتغيها؟ رغم إنه كان ينوى الوصول للقدس، ودعا اليهود لبعث الماضي من أكفانه، ويعودوا إلى البلاد التي كانوا فيها من 3000 سنة! هذا ما كان فوق الطاولة.

ما كان تحت الطاولة، كان مقصودا منه التخلص من اليهود في أوروبا، لأن الأوروبيون لا يريدونهم بينهم، فيحقق لنفسه انتشارا أوسع بين الشعوب الأوروبية، ويصبح “بطلهم” كما ظنوه وخاب ظنهم.

لكن يهود أوروبا لم يستجيبوا له.. ويهود الشرق كانوا ينعمون بالحرية التامة في ظل الإسلام والإمبراطورية العثمانية.

الحاصل أنه لم يعلن لجيشه أهداف الحرب قبل الحرب، حتى لا يحاسبه أحد، أو يسخر منه أحد حين يعجز عن تحقيقها.

فبشرى لنتنياهو مصير “أنجس” من مصير نابليون، في جزيرة سانت هيلانة في أقصى الدنيا حتى “لا يزعزع السلام العالمي”، هكذا قيل في تبرير نفى نابليون وقتها إلى هذا المكان السحيق، وأسحق منه مصيرا ينتظر نتنياهو.

لكن المدهش أن الفرنسيين جعلوا منه “أسطورة” يتحاكى بها الناس في التاريخ.

والفرنسيون كما يصفهم الأديب الروسي المعروف ديستوفيسكى في رواية المقامر “يعشقون المظاهر الكذابة، ولا يُفتن بهم إلا قليلي الخبرة، أما الذكي فيدرك ما وراء هذه المظاهر على الفور”.

وقصة الاعتراف الموعود بالدولة الفلسطينية ليست إلا لونا من هذه الادعاءات الكذوبة.. حملة نابليون على مصر سنة 1798، كانت أول غزوة أوروبية على بلد “مسلم” بعد القضاء على آخر إمارة صليبية (عكا) على أيدي “المصريين” عام 1291م.

المتعوس “حبس” نفسه في أهداف معلنة، لن يستطيع تحقيقها، في أي ظرف من الظروف، له أو عليه؛ فلن يسترجع الرهائن أحياء، لا بالقوة ولا بالتخابر ولا بالعمالة.. كل هذا أصبح من الماضي الذى ألقت به  معركة “طوفان الأقصى” في القمامة.

فما الذي جعله “يهين” الجيش الذي لا يُقهر كل هذه الإهانة؟ ويُظهره بكل هذا العجز؟ وما الذي جعله يُسقط عقيدته القتالية كل هذا السقوط (الردع / الإنذار المبكر/ الحسم). ثالوث الأكاذيب الذي عاش واعتاش عليه طوال سبعين سنة في الشرق.

كل هذا كان من الممكن ترميمه سريعا واستكمال “عملية النصب” إذا كان قد فطن مبكرا إلى أنه الآن في مواجهة جديدة تماما، خصمه فيها يتمتع بإدراك عسكري وأمنى غير عادى، ولديه من سداد الحكم، وحسن التخطيط والتوقع، والمعرفة بالعدو ما يفوق كل التصورات.. وفى حاضنة شعبية تجهزت تماما لكل أنواع الانتقام والثأر، إن بالإيمان واليقين والسكينة الربانية.. أو بالإعداد والتربية والتعبئة.. “والله يجتبى إليه من يشاء”.. “ويهدى إليه من ينيب”.

السبيلان يصلان.. بل سيقول لنا أهل الطريق: أن السُبُل إلى الله بعدد خلقه.. المهم أنها لله.. وها نحن والعالم كله، نرى منهم، ما يفوق الإدراك البشرى، في الصبر على الآلام.

لن يسيطر “المتعوس” على غزة ويفرض فيها سلطة على هواه، والمقاومة تحمل في أيديها وضميرها “العصا” التي أشار لهم بها رمز “الحرية الحمراء” في العصر الحديث..                                                      لم يشهد التاريخ أرهب ولا أهول من هذا الوداع يا حاج يحيى.. ولن يترك “أهل العزائم والأنوار” تراب أرضهم المعطر بدماء شهدائهم.. ستزيد من الدم دماء! افعل إن استطعت.. وسترى ونرى.

كل قطرة دم سالت من طفل وشيخ وامرأة، ستتحول إلى بركان نار من لهيب لا ينتهى، وبيننا وبينك الأيام.. شهداء “السلاح” فرحين بما أتاهم ربهم.. أما شهداء “الصبر المجيد” فهم كذلك أيضا إن شاء الله.

لكن انتظر من سيعيش ويحكى ويروى ويكبر ويقول “لي في هذه الأرض آلاف البذور، ومهما حاول الطغاة قلعنا، ستنبت البذور…”. لن تنبت فقط، بل وسيخرج منها جمر الغضب ونار الثأر.. وفى أضلعي رعد وبرق.

كما أنه لن يتمكن من نزع سلاح المقاومة.. لا بالقوة ولا بالتفاوض. لا هو ولا جوزيف عون..

وهذا تزامن أعجب من العجب! على الأقل اجعلوا “مسافة زمنية” كي ينسى الناس أن هناك إجماع غربي/ صهيوني على نزع “سلاح المقاومة” في الشرق المسلم.. من ينسى ويمحو “بطولات المقاومة” في لبنان، من اليوم الأول للغزو سنة 1982، وحتى إعلان خروج العدو عام 2000.

ومن ينسى ويمحو “بطولات المقاومة” في غزة.. على مدار 38 سنة احتلال من 5 يونيو 1967، إلى 12 سبتمبر2005، بين إطلاق النار من مسافة صفر، واقتحام المستوطنات، وتنفيذ العمليات الفدائية.. التى أجبرت شارون على الانسحاب. وإن شاء الله في  12سبتمبر 2025، القادم ستنسحب “الدولة الصهيونية” كليا من القطاع .. لكن هذه المرة ستكون تمهيدا لانسحابها كليا من التاريخ.

ستظل تلاحقك خيبات “فصاحتك” خيبة في مؤخرة خيبة.. أنت لن تحتل غزة، بل ستحرر غزة من حماس؟ وستفعل في غزة مثل ما فعل الحلفاء في درسدن في الحرب العالمية الثانية؟

يا ذا الخيبات الخيوبة!

في أي ظرف وأي سياق يا “جورجياس العبيط” تطرح أفكارك الهزؤ.. أنت لا تحتاج أفلاطون يعلمك مثل جورجياس اليوناني.. أنت تحتاج “سائق توتوك هندي” يرد عليك.

ستحكى الكتب والحكايات عن الدولة التي كانت هنا يوما ما. “بدأت” بالمجازر والدماء، و”انتهت” بالمجازر والدماء. من أول الهاجاناة والبالماخ والأرجون وشتيرن من عشرينات القرن الماضي.

إلى نتنياهو وسيمتريتش وبن غفير وعربات جدعون في عشرينات القرن الحالي.

كل ذلك يطالعه العالم اليوم، ويسمعه كأن ما كان يحدث في تلك البقعة، من كوكب الأرض، على مدار قرن كامل، كان يحدث في المريخ!

هكذا جاء طوفان الأقصى ليقول للدنيا والناس والتاريخ.. لن نموت في صمت.. ولتشهدوا النهاية.. لتشهدوا البداية.

زر الذهاب إلى الأعلى