المشهد الأول: قصر بعبدا الرئاسي في العاصمة اللبنانية
يقف عشرات الصحافيين -اللبنانيين وغير اللبنانيين- في انتظار المبعوث الأمريكي إلى لبنان توم باراك، لبداية مؤتمره الصحفي.
يبدي باراك، الملياردير الأمريكي والمستثمر العقاري والصديق المقرب لملياردير عقاري آخر هو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، امتعاضه الشديد مما اعتبره غيابا للتنظيم في المؤتمر الصحفي، وتوجه إلى المنصة في نفاذ صبر، ووبخ الصحافيين كمدرس في فصل قائلا: “في اللحظة التي يبدأ فيها الأمر بالتحول إلى الفوضى أو إلى السلوك الحيواني، سننهي كل شيء”.
وكرأسمالي أصيل، أضاف باراك: “هل تعتقدون أنه أمر مُجْدٍ أيضا من الناحية الاقتصادية أن نتعامل مع هذه الفوضى؟”.
المشهد الثاني: في أعقاب المشهد الأول بيوم واحد
في مدن جنوب لبنان المختلفة كصور والخيام وغيرها، يحتشد أهالي الجنوب الصامد الذي واجه آلة الحرب الصهيونية التي مولتها الدولة التي يمثلها باراك، والذي ظل على مدار أكثر من 47 عاما (1978- 2025) ينبت المقاتلين والمقاومين كما ينبت شجر الأرز، في انتظار زيارة مبعوث ترامب لمدنهم.
ولكنهم ليسوا في انتظاره لتحيته أو حتى لسماع تصريحاته على غرار الصحافيين في المشهد الأول، وإنما لمنعه من دخول مدنهم.
وفي مشهد طريف، جهَّز بعضهم حبات الطماطم؛ ليرشقه بها في حين حمل آخرون لافتات تصف بلاده بـ”الشيطان الأكبر”.
اضطر باراك لإلغاء زيارته إلى هذه المدن، وغادر ثكنة للجيش اللبناني في منطقة مرج عيون، على متن مروحية، في حين لاحقته لعنات وسباب أهالي الجنوب.
تبدو العلاقة بين المشهدين واضحة لكل صاحب بصيرة، فباراك في المشهد الأول كان متسقا تماما مع الثقافة التي تأسست عليها بلاده.
تلك الثقافة الممتدة من تلك اللحظة البعيدة في أكتوبر من عام 1492، حين وصل المغامر الإيطالي كريستوفر كولومبوس إلى سواحل ما سمي لاحقا بأميركا الشمالية، وما اسماه كولومبوس بالعالم الجديد.
ورغم أن السكان الأصليين في تلك الرقعة من العالم استقبلوا كولومبوس ومن معه من البحارة بالترحاب؛ إلا أن كولومبوس لم يرَ فيهم سوى “خدم” لذاته ولبني جلدته، أو كما سجّل في يومياته في تلك الفترة، فإنهم “يصلحون خدما جيدين”.
ملحوظة كولومبوس، تماما كتصريح باراك، ينبعان من عقلية واحدة: عقلية استعمارية عنصرية لا ترى في سكان البلاد الأصليين التي يصلها -ثم يستعمرها- السيد الابيض أندادً له أو بشرا مثله؛ بل يراهم أدنى منه لسبب بسيط: لأنهم ليسوا بيض البشرة ولا شقر الشعر ولا ذوو عيون زرقاء أو خضراء.
على هذا النهج سار من أسماهم المؤرخون الأمريكيون: الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الذين أعلنوا استقلال الولايات المتحدة عن بريطانيا في الرابع من يوليو من عام 1776.
ورغم أن إعلان الاستقلال المذكور أعلاه ينص في مقدمته على أن كل البشر قد خلقوا متساوين ولهم الحق في الحياة والحرية والبحث عن السعادة- إلا أن الإعلان ذاته يشير إلى السكان الأصليين؛ باعتبارهم “متوحشون لا يعرفون الرحمة”.
هذا التناقض مرده إلى الثقافة المشار إليها أعلاه، إذ لم يعتبر مؤسسو الولايات المتحدة، تماما مثل “مكتشفها” كولومبوس٬ أن سكان البلاد الأصليين بشر، فكونهم ليسوا بيضا يستثنيهم بالضرورة، وفقا لهذا المنطق.. من كلمة “بشر”.
ومن المفارقات أن بعض من صاغوا إعلان الاستقلال- لم يتورعوا عن امتلاك عبيد سود أُتِيَّ بهم وبأسلافهم بداية من عام 1619، من أفريقيا إلى أميركا الشمالية وهم مصفّدون مقيدون ليعملوا بالسخرة في مزارع البيض وخاصةً في حقول القطن.
لم يعرف هؤلاء السود “الحق في الحرية” المنصوص عليه في إعلان الاستقلال إلا بعد حرب أهلية دامية استمرت من عام 1861، إلى عام 1865، وكلّفت البلاد نحو نصف مليون قتيل، كما لم يعرفوا الحق في التصويت إلا بعد نضال طويل لم يتوج إلا في منتصف ستينات القرن العشرين.
وبفضل العقلية ذاتها التي يعبر عنها باراك، لم يرَ الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، في أكثر من 120 ألف أمريكي ذوي أصول يابانية مواطنين أمريكيين، رغم أن أكثر من ثلثيهم ولدوا في الولايات المتحدة.
ولم يجد أي غضاضة في إرسالهم إلى معسكرات كنوع من العقاب الجماعي على هجوم بلادهم الأصلية (اليابان) على مرفأ بيل هاربور الأمريكي عام 1942.
وفي الفترة ذاتها.. بدأت الولايات المتحدة مشروعا يعد بحق تتويجا للثقافة التي أرساها كولومبوس، وهو مشروع “مانهاتن” وهو اسم حركي أطلقته الحكومة الامريكية على مشروعها النووي خلال الحرب العالمية الثانية.
حيث أقيم المشروع على أراضٍ في ولاية نيو مكسيكو الأمريكية، التي أجلي سكانها الاصليين، ثم انتزعتها الحكومة الامريكية انتزاعا من جارتها المكسيك، واستخدم يورانيوم مستلب من الكونغو لصنع قنبلة نووية، ألقيت على رءوس اليابانيين في كل من هيروشيما وناجازاكي في أغسطس من عام 1945.
لكل ما سبق.. فإن باراك حين وصف من يحدثهم من صحافيين لبنانيين وعرب بأنهم “فوضويون” يسلكون “سلوكا حيوانيا” كان يعبر بصدق عن ثقافة أسلافه.
ولعل البيان الذي صدر عن المقاومة اللبنانية، في أعقاب المشهد الأول، لخّص الأمر خير تلخيص حين قال “إن دولة قامت بأسسها على المغالاة في تقديس المادة وعبادة رأس المال، وتأليه منطق القوة واعتباره معيار الحق- لا يمكن لمبعوثيها إلا أن يقدموا أداءً مشابها لما رأيناه وسمعناه”.
أما المشهد الثاني، فهو الرد على المنطق الممتد من كولومبوس إلى باراك.
هو تعبير عن ثقافة المستعمرين – بفتح العين- والمستضعفين في هذا العالم حين يدركون أن السيد الأبيض قاطن عالم الشمال (أمريكا الشمالية وغرب أوروبا) لا يرى أبناء الجنوب (أسيا – أفريقيا- أمريكا الجنوبية) أندادا له إلا حين يرغموه على ذلك.
وعى الفيتناميون هذا الدرس، فامتشقوا سلاحهم على مدار عشر سنوات كاملة (1964- 1974) وقدموا تضحيات زادت عن مليوني قتيل من شعبهم؛ ليضطر الأمريكي في نهاية صاغرا أن يتفاوض معهم تفاوض الند للند وينسحب، كما فعل باراك، من أراضيهم على متن مروحياته.
وأدركه بعدهم الصوماليون والأفغان والعراقيين، ويدركه اليوم تمام الإدراك أهل جنوب لبنان الذين جاءهم باراك يسعى لنزع سلاح مقاومتهم، التي زادت عنهم على مدار أكثر من أربعين عاما.
لكن أهل الجنوب شأنهم شأن أهل اليمن الذين أجبروا الأسطول الأمريكي على الانسحاب من مواجهتهم، بما توفر لهم من سلاح على بساطته، يدركون أن هذا السلاح الذي ينادي البعض بنزعه هو ضمانتهم الوحيدة لإرغام باراك وسادته في البيت الأبيض، على أن يراهم لا بشرا فحسب بل بشرا ذوي كرامة لا يقبلون الذل ولا يرضون الإهانة، وعليه أن يحسب لهم ألف حساب.
وعلى عكس باراك، الذي لم يطلق وصف “السلوك الحيواني” قط على دولة الاحتلال الصهيوني التي قصفت قبل زيارته بأيام لا أكثر مستشفى وقتلت صحفيين وطواقم طبية، ولازالت تمارس حرب إبادة جماعية منذ ما يقرب من عامين بحق أهل قطاع غزة، فإن أهل جنوب لبنان، تماما كإخوانهم في غزة، ينتمون إلى ثقافة مناقضة تماما لثقافة باراك.
ثقافة لا تؤمن بتفوق عرقٍ على آخر.. ولا شعب على آخر. وترى أنه لا فرق بين البشر إلا بالتقوى، تلك الثقافة التي لخّصها الإمام علي بن ابي طالب، في وصيته لواليه على مصر مالك الأشتر، حين وصف الناس أنهم صنفان “إمّا أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق”.








