رؤى

قفزة دولارية غير مسبوقة.. والمركزي يخفّض الفائدة

سجلت مؤشرات الأداء الرئيسة للاقتصاد المصري تحسنا ملحوظا، حيث رصدت ارتفاعا كبيرا في الإيرادات الدولارية -هو الأعلى على الإطلاق- وذلك في يوليو الماضي- بحصيلة بلغت 8.5 مليار دولار.

كان ارتفاع تحويلات المصريين في الخارج وزيادة عائدات السياحة-هما السببان الرئيسان في هذه القفزة الدولارية، ما انعكس على تحسن سيولة النقد الأجنبي واستقرار سوق الصرف.

وكانت تحويلات المصريين في الخارج قد سجلت خلال يونيو 2024، أعلى مستوياتها الشهرية على الإطلاق، حيث بلغت 3.6 مليار دولار، بنمو قدره 40.7% مقارنة بالعام السابق.

وعلى مستوى العام المالي 2024/2025، بلغت التدفقات الإجمالية للتحويلات 36.5 مليار دولار، مسجلة نموا بنسبة 66.2% مقارنة بالعام المالي السابق.

من أسباب هذا التحسن أيضا، استقرار سعر الصرف الرسمي للجنيه المصري، وتوسيع القنوات البنكية، ما شجع المغتربين على تحويل أموالهم عبر القنوات الرسمية بدلا من القنوات الموازية التي تجاوز سعر صرف الدولار فيها حاجز السبعين جنيها، قبل التعويم الأخير في مارس 2024.

وشهد قطاع السياحة نموا قويا خلال النصف الأول من 2024، حيث ارتفعت الإيرادات السياحية بنسبة 22% على أساس سنوي لتصل إلى 8 مليارات دولار. وارتفع عدد السائحين الزائرين لمصر بنسبة 25%، ليصل العدد إلى نحو من 8.7 مليون سائح.

وتتوقع الحكومة المصرية أن يصل عدد السائحين إلى 18 مليون سائح بنهاية العام المالي الحالي؛ مع استمرار الهدوء النسبي في الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة، والجاذبية الكبيرة للوجهات السياحية المصرية، مقارنة بمنافسيها شرق وجنوب المتوسط.

كان سوق الصرف قد شهد استقرارا ملحوظا، في الآونة الأخيرة، حيث ارتفع الجنيه المصري أمام الدولار بنحو 2% ليصل إلى 48.66 جنيه للشراء و48.76 جنيه للبيع، وهو أعلى مستوى له منذ تسعة أشهر.

كما خفّضت لجنة السياسات النقدية بالبنك المركزي المصري الخميس الماضي، أسعار الفائدة للمرة الثالثة خلال هذا العام بمقدار 200 نقطة أساس، ليصل سعر عائد الإيداع إلى 22% وسعر عائد الإقراض إلى 23%.

وجاء القرار مستندا إلى البيانات الرسمية التي أفادت بتراجع معدل التضخم إلى 13.9% في يوليو، مقارنة بـ 14.9% في يونيو، مع توقعات باستمرار مساره النزولي ليصل إلى نطاق 14%- 15% بنهاية العام.

كان التضخم قد حقق ذروة قياسية في سبتمبر 2023، حيث بلغ معدله 38.5% قبل أن يبدأ في التراجع.

بالتزامن مع ذلك، سجّلت الموازنة العامة عجزا كليا كبيرا بلغ 1.26 تريليون جنيه خلال العام المالي الحالي 2024/2025، بسبب ارتفاع فوائد الديون التي استحوذت على الجزء الأكبر من الإيرادات. كما بلغ الدين الخارجي المستحق خلال العام 78.6 مليار دولار.

كانت تقارير وتصريحات رسمية قد أوضحت في وقت سابق أن مصر خسرت حوالي 145 مليار جنيه من إيرادات قناة السويس، بسبب اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر.

ورغم إيجابية تلك المؤشرات إلى أن مردودها على الوضع الاقتصادي لغالبية المصريين، ما زال محدودا للغاية، فما زالت الطبقات الفقيرة هي من يدفع فاتورة برنامج الإصلاح الاقتصادي، الذي لم يؤدِ إلا إلى مزيد من الأعباء، وفق شروط وصفت من قبل كثيرين بالمجحفة، فمع رفع الدعم عن السلع والخدمات، وانهيار القيمة الشرائية للعملة المحلية؛ فشلت برامج الحماية الاجتماعية التي أقرتها الدولة، في اتفاقها مع صندوق النقد- في سد تلك الفجوة التي تتسع كل يوم عن سابقه، مخلّفة ضحاياها من الطبقة المتوسطة التي أوشكت على التلاشي.

يحتاج الاقتصاد المصري إلى إصلاح هيكلي لا يعتمد على الحلول المؤقتة، والاقتراض غير المنضبط؛ بقدر ما يرتكز على الإنتاجية وتعظيم الاستفادة من الموارد المتجددة وغير المتجددة، وإنهاء نهج تصدير المواد الخام الذي يكبد الدولة خسائر كبيرة، ومراعاة الوضع الحالي لغالبية المصريين، بعد تنامي معدلات الفقر على نحوٍ غير مسبوق خلال العقد الأخير.

 

 

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.
زر الذهاب إلى الأعلى