رؤى

الجماعات في الإسلام.. وإشكاليات الاجتماع العربي

صدر كتاب “مفاهيم الجماعات في الإسلام”، للأكاديمي والباحث اللبناني/السعودي رضوان السيد، في عام 1993، عن دار المنتخب العربي في بيروت. يشكل هذا الكتاب دراسة دقيقة لمفهوم “الجماعة” في السياق الإسلامي، عبر النصوص الدينية الأساسية والممارسات التاريخية. في هذا العمل، يتناول السيد مسألة الجماعات بوصفها حجر الزاوية في فهم التاريخ السياسي والاجتماعي للإسلام.

يركز الكتاب على التحليل الدقيق للنصوص الإسلامية الأساسية، مثل القرآن والسنة، وكيف ساهمت هذه النصوص في بناء تصور إسلامي خاص للجماعة والأمة؛ مُسلطًا الضوء على الطريقة التي تفاعلت بها النصوص القرآنية والتقاليد النبوية مع فكرة الجماعة والسلطة، وتأثير تلك الأفكار على الفكر السياسي والاجتماعي الإسلامي.

مفهوم الجماعة

يناقش رضوان السيد مفهوم الجماعة في القرآن الكريم، ويقوم بتحليل النصوص القرآنية التي تتناول الجماعة بمفهومها المتنوع. يبدأ السيد بالحديث عن مفهوم الجماعة في النص القرآني، وكيف تتعدد معاني الجماعة لتشمل الأمة بمفهومها الواسع، وكذلك الجماعات الصغيرة التي تتشكل لأغراض محددة، مثل الأسر والقبائل.

ويركز السيد على عدد من المصطلحات الأساسية التي تأتي في النص القرآني، وترتبط بفكرة الجماعة، مثل “الأمة”، “الشعب”، و”القبيلة”؛ موضحا كيف أن القرآن يستخدم هذه المصطلحات بشكل متعدد الدلالات لتشير في بعض الأحيان إلى مجموعات صغيرة، مثل القبائل أو العشائر، وفي أحيان أخرى إلى الجماعة الأكبر التي تكون تحت راية الدين.

تُظهر الدراسة أن القرآن يتعامل مع مفهوم الجماعة بوصفه مكونا اجتماعيا رئيسا، في تكوين هوية الأفراد والمؤمنين. فالجماعة في الإسلام ليست فقط اجتماعا لأفراد يشاركون في العبادة، بل هي أيضا كيان اجتماعي وسياسي، تتضافر فيه الأدوار الفردية لتحقيق هدف أسمى، يتمثل في تعزيز التضامن بين المؤمنين والارتقاء بالمجتمع.

الأمة والجماعة

يرى رضوان السيد أن النصوص القرآنية تضع تصورا شموليا للجماعة، يتجاوز الفروق القبلية والعشائرية التي كانت سائدة في المجتمع الجاهلي. إن مفهوم “الأمة” القرآني يأتي ليجمع بين الأفراد المؤمنين بوصفهم جماعةً ذات هدف مشترك، حيث يقول الله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ…﴾ [البقرة: 143].

يركز السيد في هذا السياق على كيفية تقديم القرآن للأمة بوصفها كيانا موحدا، تتماسك فيه المصالح الدينية والاجتماعية والسياسية. الأمة ليست مجرد جماعة روحية، بل هي “جماعة تمتلك نظاما اجتماعيا وسياسيا، يجمع بين الإيمان والعمل من أجل تحقيق العدالة والمساواة”، حسب قوله.

ويلفت رضوان السيد الانتباه إلى كيفية تأثير الدعوة النبوية، في تشكيل مفهوم الجماعة في الإسلام؛ مُشيرا إلى أنه “في بداية الدعوة، كانت الجماعة الإسلامية صغيرة ومحدودة في مكة، لكن مع انتشار الإسلام وتوسع الدعوة، أصبحت الجماعة الإسلامية نموذجا للأمة، تشمل كل المؤمنين على اختلاف خلفياتهم العرقية والاجتماعية”.

في هذا الإطار، يوضح السيد أن مفهوم الجماعة في القرآن والسنة ليس مجرد وحدة اجتماعية، بل هو أيضا إطار لفهم دور الفرد في المجتمع. إذ “الفرد في الجماعة الإسلامية هو جزء من كل أكبر، وله حقوق وواجبات يجب أن يؤديها للمساهمة في تحقيق مصلحة الأمة ككل”.

التطور التاريخي

بعد التحليل النصي، ينتقل رضوان السيد إلى مناقشة كيف تطور مفهوم الجماعة عبر التاريخ الإسلامي. ويوضح السيد أن مفهوم الجماعة لم يكن ثابتا عبر الزمن، بل كان خاضعا للتغيير والتطوير، تبعا للتغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية التي شهدها تاريخ العالم الإسلامي؛ وفي الوقت نفسه، تبعا لملامح القوة والضعف في هذا التاريخ.

ففي بداية الإسلام، كما يؤكد السيد، كان مفهوم الجماعة مرتبطا بشكل مباشر بالرسالة النبوية؛ حيث أسس النبي محمد عليه الصلاة والسلام، أول جماعة إسلامية في المدينة المنورة، وهي جماعة تجمع بين البعدين الديني والاجتماعي. كان هدف الجماعة الأول هو نشر الإسلام، وبناء مجتمع قائم على قيم التوحيد والعدالة؛ وكانت الجماعة الإسلامية متماسكة ومرتبطة مباشرة بالنبي، كقائد ديني وسياسي، حيث مثّل النبي السلطة الدينية والسياسية العليا.

أما خلال فترة الخلافة الراشدة (632-661م)، ظل مفهوم الجماعة قويا ومتماسكا، حيث كان الخلفاء الراشدون يُنظر إليهم باعتبارهم ممثلين للأمة وقادة للجماعة الإسلامية. وشهد هذا العصر توسعا كبيرا في الأراضي الإسلامية، ما أدى إلى تكوين جماعات جديدة من المسلمين تضم أفرادا من ثقافات وأعراق مختلفة، لكنهم ظلوا ملتفين حول مفهوم الأمة الإسلامية الواحدة.

ومع انتقال السلطة إلى الأمويين (661-750م)، ومن بعدهم العباسيين (750-1258م)، شهد مفهوم الجماعة تحولا هاما. في هذا العصر-بحسب السيد- أصبحت الجماعة الإسلامية أكثر تعددا وتنوعا بسبب الامتداد الكبير للدولة الإسلامية، ودخول شعوب جديدة في الإسلام. رغم أن الخلفاء الأمويين والعباسيين استمروا في الدعوة إلى وحدة الأمة، إلا أن الاختلافات العرقية والثقافية والسياسية بدأت تظهر داخل الجماعة الإسلامية.

العصر العباسي تحديدا، يؤكد السيد، شهد بروز مذاهب فكرية متعددة داخل الجماعة الإسلامية، مثل المعتزلة والأشاعرة، بالإضافة إلى التباينات المذهبية والسياسية بين الشيعة والسنة. هذا التعدد الفكري والثقافي، أدى إلى ظهور جماعات إسلامية فرعية داخل الأمة الإسلامية، كل منها يسعى إلى التأكيد على رؤيته الخاصة للإسلام.

الجماعة والفقه

في العصور الإسلامية اللاحقة، أصبح الفقه الإسلامي أحد العوامل الرئيسة في تشكيل مفهوم الجماعة. طور الفقهاء تصورا للمجتمع الإسلامي بناءً على الشريعة الإسلامية، وركزوا على دور الجماعة في تحقيق العدالة والحفاظ على النظام الاجتماعي. وفقا للفقه الإسلامي، كما يرى السيد، كان يُنظر إلى الجماعة بوصفها الكيان الذي يضمن الالتزام بالشريعة، مع التأكيد على ضرورة وحدة الأمة واتباع الخليفة كقائد شرعي للجماعة.

ويوضح السيد أن الفقهاء واجهوا تحديات كبيرة في توحيد الجماعة الإسلامية، بسبب النزاعات السياسية والصراعات على السلطة. كانت الفتوحات الإسلامية، من جهة، تؤدي إلى انضمام شعوب وثقافات جديدة إلى الجماعة الإسلامية، ما زاد من التنوع داخل الأمة. ومن جهة أخرى، أدت هذه التوسعات إلى انقسام السلطة بين السلالات الحاكمة، مثل الأمويين في الأندلس والفاطميين في شمال أفريقيا والعباسيين في بغداد.

وبحسب السيد، فإن كل من هذه القوى الحاكمة حاولت تقديم تصور مختلف لمفهوم الجماعة؛ حيث كانت الدولة الفاطمية، على سبيل المثال، ترى نفسها ممثلة للجماعة الشيعية في مواجهة العباسيين السُنة. هذا الانقسام السياسي ترافق مع انقسامات مذهبية ودينية، ما أدى إلى تعدد تصورات الجماعة داخل الإسلام.

رغم هذه الانقسامات، يؤكد السيد أن مفهوم الجماعة الإسلامية ظل مرتبطا بالولاء للإسلام والشريعة. الفقهاء والعلماء سعوا -دائما- إلى الحفاظ على وحدة الجماعة قدر الإمكان، من خلال التركيز على القيم المشتركة التي تجمع المسلمين، مثل التوحيد والعدالة والإخاء.

وختاما، يبرز رضوان السيد، من خلال كتابه “مفاهيم الجماعات في الإسلام”، أهمية الفهم العميق لمفهوم الجماعة؛ حيث إن الجماعة في الإسلام ليست مجرد وحدة اجتماعية، بل هي عنصر أساسي في الفكر الإسلامي، الذي يربط بين الفرد والمجتمع والدين والسياسة. والكتاب يقدم دراسة غنية ومفصلة عن هذا المفهوم في النصوص الإسلامية، ويُظهر كيف أن الجماعة كانت وما تزال حجر الزاوية في تشكيل الهوية الإسلامية وتوجيهها؛ وأن مفهوم الجماعة الإسلامية ما يزال يحتفظ بأهميته في تشكيل الهوية الإسلامية، لكنه بحاجة إلى تطوير يتناسب مع التغيرات العالمية.

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى