رؤى

تمظهرات القهر الاجتماعي في الحياة اليومية للإنسان العربي المعاصر(2-3)

(تأملات سوسيولوجية – نقدية)

– ”القهر الاجتماعي هو الوجه غير المرئي للسلطة؛ يتسلّل إلى الوعي ويعيد تشكيله دون قسر مباشر“.

– ”في المجتمعات القهرية، يُختزل الإنسان في موقعه الطبقي، لا في إمكاناته“.

– ”يُعاد إنتاج القهر كلما غاب الوعي النقدي وحل محله الامتثال الثقافي الجمعي“. (الكاتب) ثالثا- مظاهر القهر الاجتماعي في المجتمعات العربية المعاصرة (قراءة سوسيولوجية نقدية): تعيش المجتمعات العربية المعاصرة، في ظل منظومة اجتماعية وسياسية، تتشابك فيها آليات القهر، بحيث لا تكون مجرد أفعال قمعية عارضة، بل ممارسات بنيوية تتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية، وتعيد إنتاج نفسها عبر الزمن. فالقهر الاجتماعي ليس فقط نتاجا للسلطة السياسية المباشرة، بل هو بنية رمزية وثقافية ومؤسساتية، تتجلى في الهيمنة على الجسد والعقل، وتُمارس عبر أدوات تبدو محايدة أو حتى “طبيعية”، كما وصفها فوكو، في تحليله لعلاقات القوة والمعرفة.

1- القمع السياسي: يمثل أحد أبرز مظاهر القهر في العديد من الأنظمة العربية، حيث تُستخدم أدوات الدولة – من قوانين الطوارئ إلى الرقابة الأمنية والإعلامية – لتقييد الحريات العامة وقمع الحراك الاجتماعي والمجتمع المدني. هذا الشكل من القهر يُمارَس باسم “الاستقرار” والحفاظ على السلم الاجتماعي، لكنه في الواقع ينتج ثقافة خوف مزمنة تكبل الفعل الجماعي، وتفرغ المجال العام من مضمونه الديمقراطي. فالدولة العربية الحديثة والمعاصرة لا تزال تتعامل مع مواطنيها بوصفهم رعايا، لا شركاء في الفعل والعلمية السياسية والتنموية.

2- التفاوت الطبقي والحرمان الاجتماعي: يُشكل التفاوت الطبقي والحرمان الاجتماعي أحد أكثر مظاهر القهر الاجتماعي رسوخا في البنية السوسيولوجية للمجتمعات العربية المعاصرة، إذ لا يمكن فهمه بمعزل عن السياقات التاريخية والسياسية، التي رسّخت اقتصاد الريع، والتبعية الخارجية، وغياب العدالة الاجتماعية (التوزيعية). فالطبقات الاجتماعية في هذه المجتمعات لا تتشكل بوصفها نتيجةً طبيعية للجهد الفردي أو الحراك الاقتصادي؛ بل بوصفها نتاجا لسياسات ممنهجة تعيد إنتاج الامتياز الطبقي، لمصلحة فئات محددة على حساب الأغلبية المفقرة والمهمشة.

في هذا السياق، نجد أن المواطن العربي يُقصى ليس فقط من عملية صنع القرار السياسي؛ بل من الحق في الوجود الاقتصادي الكامل، حيث ترك وحيدا في مواجهة اقتصاد السوق بلا حماية اجتماعية، وبلا قدرة على التأثير في قواعد اللعبة. هذا النمط من التهميش يُعرف بالعنف البنيوي، وهو عنف غير مباشر، لا يمارس بالضرورة من خلال أدوات القمع الظاهرة؛ بل من خلال بُنى اقتصادية وقانونية تعيد إنتاج الفقر، وتطوِّق فرص التمكين الفردي والجماعي.

ويزداد هذا التفاوت الطبقي حدةً في ظل التحولات النيو ليبرالية التي اعتمدتها أغلب الدول العربية منذ تسعينيات القرن الماضي، بإيعاز من المؤسسات الدولية، وذلك عبر تفكيك مؤسسات الرعاية الاجتماعية، وخصخصة قطاعات التعليم والصحة، وتراجع دور الدولة في حماية الطبقات الفقيرة. هذه التحولات لم تؤدِّ إلى التنمية؛ بل فاقمت معدلات البطالة والهشاشة الاقتصادية، وخلقت فجوات صارخة في توزيع الثروة، لا سيما في المجتمعات التي تعتمد على اقتصاد ريعي غير منتج، تُهيمن عليه قلة ذات ارتباط مباشر بمراكز القرار السياسي.

ويحلل بورديو هذه الظاهرة من زاوية العلاقة بين الطبقة الاقتصادية والرمزية، مبينا أن السيطرة لا تتحقق فقط بالمال أو السلطة، بل عبر امتلاك ما يسميه “رأس المال الرمزي” الذي يسمح للفئات المهيمنة بفرض رؤيتها على الواقع الاجتماعي، وتطبيع الفجوة الطبقية باعتبارها أمرا طبيعيا أو ناتجا عن الكفاءة الفردية. هذا ما يفسر كيف تطوّع الفئات المقهورة لقبول موقعها المتدني في السلم الاجتماعي، دون وعي نقدي بالآليات البنيوية التي تقيّد حركتها.

في ضوء ما سبق، فإن التفاوت الطبقي في العالم العربي لا يعد مجرد مؤشر اقتصادي؛ بل هو نتيجة لنظام اجتماعي- سياسي يعيد إنتاج الامتيازات ضمن علاقات غير متكافئة، تتحكم فيها الدولة، ورجال الأعمال، وشبكات النفوذ. وهو أيضا مظلة تظلل أشكالا أخرى من القهر، كالقهر الجندري والثقافي، وتمنع تحقق المواطنة الكاملة. ومن هنا، لا يمكن فصل العدالة الطبقية عن مشروع التحرر الاجتماعي الشامل، الذي يعيد الاعتبار للحق في الكرامة والتمكين والعيش الكريم.

3- التمييز الجندري: يعبّر عن بعد آخر للقهر الاجتماعي، حيث تُمارَس الهيمنة على النساء والفئات المهمشة في إطار علاقات أبوية مؤسسية تكرسها التشريعات والأنظمة التعليمية والثقافية. بالمقابل نجد أن الأنظمة القانونية العربية غالباً ما تعيد إنتاج دونية النساء، ليس فقط من خلال القوانين ذاتها، بل عبر الأطر الثقافية التي تضفي شرعية على هذا التمييز. وهذا القهر الجندري يُمارَس على المستويين الرمزي والمادي، ويؤدي إلى إقصاء المرأة عن المجال العام، أو اشتراط وجودها ضمن حدود السلطة الذكورية.

4- الهيمنة الرمزية والقهر الثقافي: يرى بورديو أن هذا المظهر يُمارس عبر مؤسسات تبدو “محايدة” كالمدرسة، ووسائل الإعلام، والخطاب الديني، حيث يعاد إنتاج الهرمية الاجتماعية من خلال ترسيخ أنماط فكرية وسلوكية تقنع الأفراد بشرعية مواقعهم داخل البنية الاجتماعية. هذا النوع من القهر لا يُدرك بسهولة، لأنه لا يقوم على العنف المباشر؛ بل على “العنف الرمزي”، أي الإذعان الطوعي للتراتبيات المفروضة، بفعل التنشئة واللغة والتعليم. وهنا تصبح اللغة نفسها أداة للهيمنة، تعيد توزيع الشرعية والسلطة داخل الفضاء الاجتماعي.

إن مظاهر القهر الاجتماعي في العالم العربي ليست جزئية أو منعزلة؛ بل تتقاطع ضمن شبكة من العلاقات البنيوية التي تتغذى من التاريخ السياسي، والثقافة التقليدية، والاقتصاد الريعي، والاستبداد المؤسسي. وهذه الشبكة لا تُنتج القهر فحسب، بل تعيد إنتاجه، وتطبعه في الوعي الجمعي، ما يجعل مقاومته أكثر تعقيدا. وعليه، فإن فهم هذه المظاهر وتحليلها نظريا وميدانيا يمثل خطوة أساسية نحو مساءلة البُنى السائدة، وبناء مشروع تحرري يتجاوز القهر الرمزي والمادي على حد سواء.

وفي النهاية يمكننا القول إن من آثار القهر الاجتماعي تنامي مشاعر الحقد والكراهية في المجتمعات المقهورة خاصةً في ظل سلطة الاستبداد، فحين تمارس السلطة المستبدة العنف المفرط ضد أفراد المجتمع المسالمين غير القادرين على مواجهة العنف بالعنف المضاد. تحتقن ذاتهم بالحقد والكراهية بانتظار الفسحة الملائمة لتفريغها على شكل عنف مضاد للقصاص من رموز سلطة الاستبداد، كما حدث في بلدان الربيع العربي. ويتوقف حجم العنف المضاد على حجم الحقد والكراهية الكامنة في وجدان الإنسان المقهور. فكلما كان القهر والاستبداد كبيرين تضاعف حجم الحقد والكراهية وأخذ أنماطا متنوعة من الانتقام، يصعب السيطرة عليها لتفريغ شحنات الحقد والكراهية اللتين تثقلان وجدانه.

سيكولوجيا يعاني الإنسان المقهور عموما أعراض القلق والتوتر والصداع المزمن والعدائية، وينعكس ذلك على مجمل سلوكه وتصرفاته، فالإنسان الذي مسخت إنسانيته من خلال القهر والاستبداد يتصرف بسلوك مضاد وخالٍ من الإنسانية ضد الآخرين، خاصةً مع من هم أقل منه قوة ويمكن أن يمارس السلوك ذاته حال امتلاكه القوة الضرورية مع المتسلط نفسه، وبالعكس فإنه يخضع ويذعن للإنسان القوي.

إن الإنسان المقهور وما يعانيه من أمراض نفسية واجتماعية متلازمة ومستفحلة لا يمكنه الاستمرار في حوار هادئ ويرتفع صوته على نحو مستمر مع تزايد حدة النقاش، ويرفض الآخر لمجرد الخلاف في الرأي، وتنم انفعالاته الآنية وحركة يديه ووجهه عن حالة عنف وهيمنة ولا يتورع عن استخدام عضلاته لإسكات الآخر.

وفي هذا السياق يصف مصطفى حجازي سلوك الإنسان المقهور وتصرفاته أثناء الحوار والمناقشة قائلا: “لا يتمكن الإنسان المقهور من الاستمرار في حوار هادئ؛ فسرعان ما يحس بانعدام إمكانية التفاهم؛ فتغشى بصيرته موجة من الانفعال، ويأخذ الحوار نمطا من أنماط السباب، ثم يتحول إلى التهديد، وبعد ذلك يصل إلى حالة من الاشتباك، ليأخذ نمطه الحدي باستخدام العضلات أو السلاح بسهولة مذهلة في ثورة من الغضب”.

إن حالة العجز والوهن من إمكانية تغيير الواقع الذي يلازم الإنسان المقهور تجعله يعاني الإحباط واليأس وعدم القدرة على تحقيق الذات، وتدفعه الخشية من الإخفاق في خوض التنافس الاجتماعي إلى الخيبة والانكسار وتتعاظم هواجسه في الحقد والكراهية ضد المجتمع، كونه المسئول المباشر عن هزيمته.

وعلى الصعيد الأسري من خلال ما نراه الآن من وقائع وإحداث نجد أن عدم التناغم بين أفراد الأسرة أصبح السمة السائدة، فنسبة كبيرة من الأسر تعاني من القهر المادي والمعنوي، فالزوج يقهر زوجته، ولا يراعي حقوقها، ولا يضعها في المكانة التي تليق بها، ويستخدم معها أساليب عنف مختلفة، ويسود بينهما مشاعر دفينة من التباغض والكراهية، كما يقهر أبناءه من خلال عدم تلبية مطالبهم، والإساءة إليهم، وإيذائِهم .وإلى جانب هذا، نجد الزوجة التي تقهر زوجها من خلال مطالبها المادية التي لا تنتهي، وتعنّفه، وتوبخه عند عدم قدرته على تلبية ما تريد، وتتعامل معه من منطلق النديَّة، وينعكس هذا أيضا على أبنائها، فلا يجدون المناخ الأسري المناسب للانتماء، فينشقون عن الأسرة، ويظهر هذا في عدم الولاء والطاعة للأبوين، وتكليفهما بأمور لا طاقة لهما بها.

فالكل يقهر الكل، فنجد الزوج الذي يطلق زوجته دون مبرر، والزوجة التي تخلع زوجها لأسباب واهية، والأبوين اللذين يدفعان أبناءهما إلى بؤر الفساد، والأبناء الذين يطردون أبويهم، ويودعونهم في دور المسنين، ويرفعون قضايا الحجر ضدهم. والزوجة التي تتفق مع عشيقها على قتل زوجها، والزوج المزواج، والذي لا يعدل بينهن، والأبناء الضائعة بين أبويهم. ومن ثم، تعد كل هذه الصور من القهر الذي يمتد إلى المجتمع الكبير، فيصبح مجتمعا مقهورا، لا يستطيع أن ينهض على قدميه، ولا يقوى على دفع عجلات الإنتاج، ويتخلف عن ركب التقدم والتطور في سلم الحضارة الإنسانية.

إن تحليل وسائل السيطرة والخضوع مـن خــلال فهم العلاقات الاجتماعية وآليات التأثر والتأثير في هذا السياق. يدفعنا إلى التركيز على بناءات القوة في إطار البناء اجتماعي التي تتجسد على أرض الواقع الاجتماعي من خلال ترسيخ علاقات السيطرة للجهة التي تمتلك مصادر القوة بشكليها المادي أو الرمزي ضد الفئات الضعيفة والهامشية في المجتمع. ما يتحتم علينا بالضرورة تحليل ونقد آلية السيطرة لهذه العلاقات وما تفرضه على البناء الاجتماعي (القهر الاجتماعي) بالتواطؤ مع الإيديولوجية السائدة في المجتمع من جهة، والقيم والعادات والتقاليد الرجعية، والظروف المجتمعية القاهرة من جهة أخرى.

 

حسام الدين فياض

الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة قسم علم الاجتماع - كلية الآداب في جامعة ماردين - حلب سابقاً.
زر الذهاب إلى الأعلى