في 19 سبتمبر 2025، رفض مجلس الأمن الدولي مشروع قرار قدمته مجموعة دول (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا)، بهدف إيقاف إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة على إيران، عبر آلية “سناب باك” المتصلة بخطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA). الرفض ليس مجرد تصويت تقني، ولكن هو انعكاس لتصدع أوسع في الإجماع داخل المنظمة الدولية حول كيفية التعامل مع طهران، ويضع السؤال المركزي أمام صانعي السياسة: هل ستجبر ضغوط “سناب باك” إيران على تقديم تنازلات حقيقية، أم أنها ستدفعها إلى مزيد من التعنت والمواجهة؟
سناب باك
بداية.. يجب أولا تذكّر طبيعة آلية “سناب باك”؛ وهي بند داخل قرار مجلس الأمن رقم 2231 (2015)، يسمح لأي طرف من أطراف الاتفاق، بطلب إعادة تفعيل كل القرارات والعقوبات الأممية التي وقِّعت بموجب الاتفاق، دون إعطاء أعضاء المجلس حق استخدام “الفيتو” لوقف استعادة العقوبات خلال مهلة محددة. أوروبا، وتحديدا “الترويكا” الأوروبية، قررت في صيف 2025، تفعيل هذه الآلية بعد جولة من المماطلات والتقدم القليل في المفاوضات مع إيران، معتبرة أن طهران لم تستأنف التعاون الكامل مع مفتشي الوكالة، ولم تأخذ خطوات كافية للعودة إلى التزامات أساسية.
لكن خطوة الأوروبيين اصطدمت بمقاومة سياسية داخل مجلس الأمن: بعض الدول رأت في تحريك “سناب باك” من قبل الدول الأوروبية غير المدعومة بإجماع دولي، ضربة للدبلوماسية وتصعيد لتأجيج التوترات الإقليمية. هذا ما برز في التصويت الذي أعطى انطباعا بانقسام بين الغرب وكتل أخرى، ومنها روسيا والصين وبعض الدول الإقليمية (باكستان والجزائر)، التي ترفض إعادة فرض عقوبات واسعة في هذا التوقيت. النتيجة العملية: لم تُعطل آلية “سناب باك” تلقائيا، لكن رفض مجلس الأمن لمشروع قرار بمنع إعادة العقوبات، يعني أن أي خطوة لاحقة لتفعيل العقوبات ستبقى ممكنة ضمن الإطار الزمني والإجرائي المنصوص عليه. إذن ما الذي يعنيه هذا للإيرانيين؟
عمليا، إعادة فرض عقوبات أممية تلوح في الأفق (خاصةً مع انتهاء مهلة الثلاثين يوما المرافقة لطلب سناب باك، وهي المهلة التي بدأت يوم 28 أغسطس الماضي)، ما لم يُتَوَصّل إلى تسوية سياسية سريعة. ذلك يضع طهران أمام خيارات محددة: إما تقديم تنازلات ملموسة في الملف النووي لوقف عملية إعادة العقوبات، أو المخاطرة بتعرض اقتصادها دوليا لضغط أشد، قد يؤثر على قطاعات مثل النفط والتمويل واللوجستيات.
ومن ثم، يكون السؤال الأهم: ما نوع التنازلات الواقعية التي يمكن لإيران تقديمها، وإلى أي حد هي مقبولة من الطرف الأوروبي والأمريكي؟
تنازلات متوقعة
ضمن أهم التنازلات المتوقعة من الجانب الإيراني.. تأتي هذه الخطوات:
– استعادة تعاون أكبر مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.. إذ إن أحد أسرع السبل لإقناع الأوروبيين، هو إعادة منح صلاحيات تفتيش أوسع، وإتاحة وصول فوري للمفتشين إلى مواقع مثيرة للشكوك أو إلى معدات معينة. مثل هذه الخطوة يمكن أن تُستخدم خارطة طريق مؤقتة، لوقف العد التنازلي لإعادة العقوبات، لأنها تعالج الخشية الأساسية لدى الغرب: غموض الأنشطة وبناء مخزون من المواد المخصَّبة. هذه الخطوة، بالطبع، ليست بالخطوة السهلة داخليا بالنسبة للنظام الإيراني، لأنها تتطلب تنازلات أمنية وسياسية؛ لكنها أقل تكلفة من خفض دائم في قدرة التخصيب.. وهذا تحليل مبني على إطار مطالب الأوروبيين وطريقة عمل الآلية.
– تجميد أو تقليص مخزون اليورانيوم عالي التخصيب.. تقليص أو تجميد كمية اليورانيوم المخصب إلى مستويات معينة (لا سيما المواد عالية التخصيب)، يمكن أن يكون مطلبا محوريا من الأوروبيين والأمريكيين. مثل هذا التنازل يتطلب رقابة ومصداقية في التنفيذ، أي مستوى من الشفافية من شأنه أن يخفف بسرعة من الضغوط الدبلوماسية. لكن سياسيا داخليا، تقديم تنازل من هذا النوع يتطلب ترويض جناح الحرس الثوري، والمحافظة على روايات السيادة النووية؛ أي إن التكلفة السياسية عالية.
– تجميد أنشطة متعلقة بإنتاج اليورانيوم أو أدوات متقدمة للتخصيب.. ورغم أنه بند تقني لكنه مهم، حيث إن وقف تطوير أو إنتاج معدات متقدمة (مثل أجهزة الطرد المركزي المتقدمة)، لفترة محددة، مع آليات تحقق قد يمنح الطريق إلى محادثات أوسع. هذا نوع من “التنازل التقني” الذي يحاول الحفاظ على القدرة الصناعية مع إعطاء نافذة زمنية لبناء الثقة؛ لكنه صعب التنفيذ من دون “حزمة مقابل”.
ومع ذلك، فإن طهران حتى لو قبلت بتدابير فنية، فهي لن تفرج عن تنازلات كبيرة دون هذه الحزمة (حزمة مقابل). والمقابل قد يشمل تخفيفا تدريجيا لعقوبات ثانوية “أميركية/أوروبية”، ضمانات بعدم شن عمليات عسكرية ضد المنشآت، أو حزمة اقتصادية لإحياء صادرات النفط والبنية التحتية المالية. مثل هذا الربط هو ما يجعل المفاوضات صعبة: فالغرب يريده وثيقا ومقننا، وإيران تريده سريعا وشاملا.
– الاعتبارات الإقليمية والأمنية.. لا يمكن فصل الملف النووي عن نشاطات طهران الإقليمية، من دعم بعض القوى المسلحة في الإقليم، إلى برامج الصواريخ الباليستية، وهذا هو الأهم بالنسبة إلى الغرب عموما، والولايات المتحدة بشكل خاص. بعض الدول قد تطالب بضمانات أو قيود مرتبطة بهذه الملفات. لكن ربط كل شيء في حزمة واحدة يزيد من تعقيد الصفقة ويطيل زمن التفاوض، ما قد يجعل “هدنة” مؤقتة أمام إعادة العقوبات حلا عمليا أكثر قبولا للطرف الأوروبي.
احتمالات مستقبلية
في هذا السياق، يصبح السؤال: ما الاحتمالات المستقبلية الواقعية؟
تبدو في الآفاق سيناريوهات ثلاثة..
– سيناريو التشدد المؤقت (مرتفع الاحتمال نسبيا).. حيث تستمر أوروبا في دفع آلية “سناب باك” إلى نهايتها التقنية، ما يؤدي إلى إعادة فرض عقوبات أممية محددة. هذا قد يؤدي إلى ضغط اقتصادي متزايد على إيران، لكن ليس بالضرورة انزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة. في هذا السيناريو، تزداد الجهود الدبلوماسية خلال أشهر لإيجاد تفاهم مؤقت.. وهو احتمال مبني على تحركات الأوروبيين، خلال الآونة الأخيرة.
– سيناريو التفاوض المبكر (متوسط الاحتمال).. إذ تحت ضغط إعادة العقوبات أو التهديد بها، قد تتخذ إيران خطوات تقنية محددة (فتح موقت للفتحات التفتيشية، تجميد جزئي للمخزون)، مقابل عرض أوروبي/أميركي بتجميد بعض العقوبات الاقتصادية، أو فتح قنوات مصرفية مشروطة.. وبالطبع هذا سيناريو محسوب يتطلب وساطة ناجحة، وربما ضمانات دولية.
– سيناريو التصعيد والمواجهة (أقل احتمالا لكن ما زال ممكنا).. فقد ترفض إيران تقديم أي تنازلات جوهرية، وبدلا من ذلك ترد بتصعيد محدود أو إجراءات إقليمية (تعميق التعاون مع حلفاء إقليميين، خفض مزيد من التعاون مع الوكالة)، ما يطيل أمد الأزمة ويزيد من تكلفة إعادة العلاقات الدبلوماسية طويلة الأمد.. هذا يمكن أن يؤدي إلى عزلة اقتصادية أقوى، وربما إلى تصاعد خطر احتكاكات عسكرية إذا اعتُبرت أنشطة إيران تهدد مصالح دول إقليمية.
في هذا الإطار.. يمكن القول بأن الإجابة ليست قطعية؛ نعني الإجابة على السؤال: هل “سناب باك” الأوروبي يدفع إيران إلى تنازلات؟
إن آلية إعادة العقوبات تشكل ضغطا حقيقيا، متعدد الأوجه: قانوني، اقتصادي، ودبلوماسي؛ ونجاحه في دفع طهران نحو تنازلات يعتمد على عاملين رئيسين: مدى استعداد الأوروبيين (بما فيهم القوى الكبرى داخل مجلس الأمن، وربما الولايات المتحدة)، لتقديم حوافز متزامنة، ومدى قدرة النظام الإيراني على امتصاص الصدمة السياسية والاقتصادية داخليًا دون أن يخسر سيطرته على مواقفه الاستراتيجية.
العبرة أن “سناب باك” ليس حلما سريعا لإجبار إيران؛ بل أداة ضغط يمكن أن تخلق ظروفا تدفع لطاولة تفاوض، لكن لا تضمن بالضرورة اتفاقا شاملا إلا إذا صاحبه حزم اقتصادية ودبلوماسية متوازنة، ومؤطرة بضمانات تحقق متبادلة.







