رؤى

صراع النفوذ.. بين قوات الشرع وقسد في سوريا

أعلن المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توماس (توم) براك، يوم الاثنين 6 أكتوبر 2025، أنه زار شمال شرقي سوريا برفقة قائد القيادة المركزية الأمريكية، براد كوبر، بالتزامن مع تصاعد الاشتباكات بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وقوات تابعة للحكومة السورية.

فما الدوافع المحتملة من وجهة نظر تنافس النفوذ الداخلي والخارجي، التي تقف وراء هذه الاشتباكات؛ ثم هل هذه الاشتباكات لها علاقة بالتدخل التركي في سوريا؛ وفي النهاية ما ملامح الرؤية الأمريكية التي دفعت براك وكوبر إلى هذا الحضور المباشر في أرض الصراع السوري.. والأكثر أهمية، هل يمكن اعتبار هذه الاشتباكات محاولة إلهاء عن التدخلات الإسرائيلية في سوريا؟

دوافع الاشتباكات

هذه الاشتباكات ليست بالضرورة معركة عابرة، بل هي تعبير عن تنافس على الشرعية، الأمن، السيطرة على الموارد، وهوامش السياسة المستقبلية. ولعل ذلك يتبدى عبر المحاور التالية:

– التنافس على الشرعية والنفوذ.. فمنذ بداية عام 2025، تُوصِّل إلى اتفاق رسمي بين الرئيس الانتقالي أحمد الشَّراع وقائد “قسد” مظلوم عبدي، في 10 مارس الماضي، يقضي بدمج مؤسسات الإدارة المدنية والعسكرية لـ “قسد” ضمن “الدولة السورية”، مع تأكيد على وحدة الأراضي، ووضع العلاقات في إطار مؤسسيّة مركزية. لكنّ التطبيق العملي لهذا الاتفاق واجه عراقيل كبيرة. فحكومة الشرع تميل إلى مقاربة تقليدية مفادها “دمج فردي” لمقاتلي “قسد” ودمج مؤسساتهم ضمن مؤسسات الدولة؛ بينما “قسد” تطالب بنموذج جماعي، يضمن لها درجة من التنسيق المؤسسي والحماية الذاتية، بحيث لا تغدو مجرد “فرقة عسكرية تابعة” فقط للشرع.

حين تفشل المفاوضات أو تتعثر، تميل الأطراف إلى اللجوء للقوة لإعادة فرض معطيات جديدة على الأرض. الاشتباكات في هذا السياق هي محاولة من الحكومة إلى استعادة النفوذ الفعلي في مناطق سيطرة “قسد” أو على الأقل اختبار قدرات الردع لديها، بينما “قسد” تحاول حماية مكتسباتها السياسية والعسكرية، وعدم الدخول في “ذوبان” سريع قد يضعف مكانتها.

– النفوذ الجغرافي والاستراتيجي.. شمال شرق سوريا غني بالموارد (الزراعة، النفط، الغاز، والمياه)، وأيضا يُعد ممرا استراتيجيا نحو العراق؛ وبالتالي، فإن السيطرة على هذه المناطق تعني تمكينا اقتصاديا وأمنيا. وقد سعت قسد، منذ فترة طويلة، إلى أن تكون القوة المحلية الفاعلة في هذا الإقليم؛ ومن ثم، أي تدخل حكومي بالقوة يمكن أن يهدد تلك السيطرة، أو يغير موازين القوى على الأرض.

إلى جانب ذلك، وجود قواعد أمريكية ضمن مناطق “قسد” يجعل من تلك المناطق محمية نوعا ما، لكنّها ليست منيعة إذا ما نفّذ طرف “حكومي محلي” دفعا عسكريا محسوبا.

 لذا إذا ما عادت حكومة الشرع إلى تجميع سلطة فعلية، فستكون راغبة في استعادة هذه المناطق الحيوية ضمن دائرة التأثير المركزي.

– التداخل القبلي والإثني داخليا.. مثل هذا التداخل، القبلي والإثني، بين العرب والكرد في الشمال الشرقي يمثل عاملا للتوتر المستمر. وكما هو واضح، تمتد سيطرة قسد إلى مناطق عربية في شرقي سوريا، حيث العلاقات مع العشائر هناك؛ ولذلك، تحاول الحكومة السورية أن تستفيد من توظيف بعض هذه التوترات العشائرية، كذريعة للتحرك العسكري أو لتمرير عمليات التمشيط تحت غطاء “استعادة الأمن”.

لذلك، يبدو أن الاشتباكات تُستخدم كأداة لضغط على قسد لتقديم تنازلات، أو للتذكير أنها ليست بمنأى عن قدرة “الدولة” على التدخل إذا لزم الأمر. أضف إلى ذلك، التهديات التركية، وأيضا رغبة دمشق في اختبار مدى تأزم “قسد” لأجل فرض واقع سياسي جديد.

التدخل التركي

عند الحديث عن “التدخل التركي في سوريا”، فإننا نعني بالأساس الحضور العسكري والدعم المباشر لفصائل سورية موالية لتركيا في الشمال السوري، وعملياتها ضد “قسد” في المناطق القريبة من الحدود التركية.. فهل لهذه الاشتباكات، بين “قسد” والحكومة، ارتباط بهذا التدخل؟

بداية، ليس من الضروري أن تكون حكومة الشرع أو “قسد” تعملان “بأمر” من تركيا أو ضدها؛ فالعلاقة يمكن أن تكون أكثر تعقيدا؛ فتركيا تفضل أن يكون النفوذ بشمال سوريا موزعا بين قوى مختلفة، بحيث لا يتمكن أي طرف (“قسد” أو دمشق)، من السيطرة المطلقة. ومن ثم، تفضل تركيا أن يظل النفوذ “الأميركي- الكردي” مُقيدا، حيال أي توسيع دمشقي.

أضف إلى ذلك، أن تركيا تستفيد دائما من أي تراجع لـ “قسد” لإعادة ترويج مشروع “المنطقة الآمنة” أو توسيع نفوذها في شمال سوريا. لذا فإن أي اشتباكات بين “قسد” ودمشق تعطي تركيا ورقة إضافية لتضغط على الأطراف الدولية: “هاهي الفوضى بين الأكراد ودمشق.. لذلك نتدخل من أجل الأمن القومي التركي”. لكن من المهم الإشارة إلى أنه، في هذه الحالة، لا توجد دلائل علنية واضحة تقول إن تركيا أمرت الحكومة السورية بشن هجوم ضد “قسد” في هذه اللحظة؛ بيد أن البيئة التي يخلقها التدخل التركي تظل عاملا مزعزعا للاستقرار.

باختصار، التدخل التركي لا يبدو السبب المباشر، أو الوحيد، لهذه الاشتباكات، لكنه عامل يُشكّل السياق المضغوط الذي تدار ضمنه هذه المواجهات؛ بمعنى: إن التدخل التركي هو عامل ضغط خارجي ينزل في سلة المتغيرات التي تدفع الأطراف إلى التحرك بعنف أو بالتهديد.

الدور الأمريكي

لعل ملامح الرؤية الأمريكية التي دفعت براك وكوبر إلى الحضور المباشر للشمال السوري، تتضح عبر التعرف على أولويات الإدارة الأميركية في هذه المرحلة من الأزمة السورية.. التي تحددها النقاط التالية:

– محاولة إعادة الترتيب الاستراتيجي.. فمنذ بداية عام 2025، شهدت السياسة الأميركية في سوريا تغيّرا لافتا: انسحاب أو تجميع للقواعد الأميركية، تقارب معلن مع السلطات السورية الانتقالية، وفتح قنوات دبلوماسية غير مسبوقة بعد سنوات طويلة من الاستقطاب الصارم. في هذا السياق، زيارة براك وكوبر إلى الشمال الشرقي تُعبّر عن إيحاء بأن واشنطن تريد أن تكون فاعلة في ترتيب “ما بعد الصراع”، وأن تضمن لنفسها حصة من النفوذ والشرعية في المحيط السوري. وبالتالي، الزيارة ليست مجرد جولة تفقدية، بل إشارة سياسية قوية بأن الولايات المتحدة لا تتخلى بسهولة عن أدوارها في هذه المناطق، وأنها تسعى إلى أن تكون وسيطًا وضابطًا للتوازن.

– ضمان بقاء “قسد” شريكا استراتيجيا.. فمنذ عام 2015، كانت “قسد” الحليف المحلي الرئيس للولايات المتحدة في مكافحة تنظيم داعش داخل سوريا. حتى بعد الضربات العسكرية التي قضت على “الخلافة المكانية”، تبقى “قسد” أداة أمنية حيوية بالنسبة للإدارة الأمريكية. أي انهيار مفاجئ في مكانتها قد يفتح فراغا تستغله التنظيمات المتطرفة، أو القوى الإقليمية كالروس أو الإيرانيين.

براك كتب تغريدة تقول: “لقد زرت شمال شرق سوريا اليوم مع براد كوبر لإجراء محادثات جوهرية مع مظلوم عبدي و”قسد”؛ وهنا لنا أن نُلاحظ أن التلامس المباشر مع قادة “قسد”، يدل على أن واشنطن تريد أن تُحافظ على قنواتها معهم، وتعمل على تثبيت شراكة أمنية واقتصادية، خصوصا في ظل الضغوط التي تمارسها دمشق لإخراجهم من المشهد أو تقييد دورهم.

– إظهار القدرة الأمريكية على التدخل الرمزي.. أيضا، فإن وجود قائد القيادة المركزية الأمريكية، في الزيارة، يضفي بعدا عسكريا يتجاوز البعد الدبلوماسي؛ إذ، هو بمثابة إشارة إلى أن الولايات المتحدة ليست متفرجة، وأنها قد تستخدم القوة أو التهديد بالقوة إذا لزم الأمر، خصوصا للحفاظ على مراكزها أو حماية شركائها. هذا الحضور العسكري قد يردع بعض الحماقات أو التصرفات المفاجئة من قبل الأطراف الأخرى (مثل الحكومة أو فصائل محلية)، قد تعرض أمن القوات الأميركية أو مصالحها للخطر.

كما أن هذه الزيارة هي رسالة ضمنية إلى دمشق وقوى إقليمية مفادها: “نحن نراقب عن كثب، ولا نقبل أن يُعاد ترتيب القوى من دون أخذ مصالحنا بعين الاعتبار”.

في هذا الإطار.. يمكن القول إن الزيارة التي قام بها المبعوث الأميركي توم براك، وقائد القيادة المركزية الأمريكية براد كوبر، إلى شمال شرقي سوريا ليست زيارة عابرة أو تفقدية فحسب؛ بل، هي جزء من استراتيجية أمريكية واعية في إعادة توازن النفوذ في سوريا بعد سنوات من الصراع. الاشتباكات بين “قسد” وقوات الحكومة ليست مفاجئة في هذا السياق، وإنما هي انعكاس لصراع الشرعية والهيمنة ومحددات النفوذ في مرحلة انتقالية هشة.. وإلهاء عن التدخلات الإسرائيلية في سوريا.

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى